سورة آل عمران | حـ 483 | 136 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 483 | 136 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشير القرآن في سورة آل عمران إلى صفات المتقين الذين ينفقون في السراء والضراء، ويكظمون الغيظ، ويعفون عن الناس، ويستغفرون الله عند الخطأ.
  • جزاء هؤلاء المتقين مغفرة من الله وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وهذا وعد من الله لا يخلفه أبداً.
  • عطاء الله لا ينقص من ملكه شيئاً، فهو يقول للشيء كن فيكون، ولا يشبهه أحد في ذلك.
  • لن يدخل أحد الجنة بعمله، حتى النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن يتغمده الله برحمته.
  • العبد يطيع أوامر الله، فينجو من النار، ومن فضل الله أن يدخله الجنة.
  • الأجر الذي يعطيه الله للعاملين ليس فقط مقابل العمل، بل هو فضل ومكافأة تفوق العمل بكثير.
  • عطاء الله للإنسان يتجاوز ما يستحقه بعمله، فنعم أجر العاملين.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

صفات المتقين في سورة آل عمران وجزاؤهم عند الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى لمّا ذكر صفات المتقين؛ أولئك -يعني الناس الذين تحدثت عنهم- هؤلاء الذين:

﴿يُنفِقُونَ فِى ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]

والمحسن منهم، والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم استغفروا الله. هؤلاء الناس، أولئك عندما يقومون بهذا البرنامج [برنامج التقوى والإنفاق والاستغفار] فجزاؤهم مغفرة من ربهم.

وعد الله لا يُخلف وهو سبحانه لا يضره شيء في عطائه

إذن هو وعد [من الله تعالى لعباده المتقين]، فهل الله أخلف وعده من قبل؟ إنه يقول -صدق الله-:

﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 111]

فهل ربنا أخلف وعده قط؟ لم يحدث ذلك، لا في الدنيا ولا يكون ذلك في الآخرة؛ لأنه لا يضره شيء.

لماذا لا يضره شيء؟ لأنه ليس هناك جهد يبذله [سبحانه وتعالى]. هل هناك جهد يبذله؟ هل هو سيأتي لك من ملكه فينقص ملكه؟ هو يقول لك «كن فيكون» انتهى، كن فيكون وهو على كل شيء قدير.

الله سبحانه الغني المطلق الذي لا ينقص ملكه بالعطاء

ما يجعلك عاقلًا [أن تفهم أن] فربنا سبحانه وتعالى ليس مثل البشر، أو مثل الملوك، أو مثل الأثرياء. لا، هو الغني [سبحانه وتعالى]، ولكن هذا شيء آخر؛ لأنه كلما أعطاك لا ينقص ذلك من ملكه شيء مطلقًا.

طيب، ما هو [الأمر]؟ خمسة أخذنا منهم واحدًا بقوا خمسة أيضًا! لماذا؟ قال لك: أصل الواحد هذا -ما لم تنتبه- هو يأتي به لك من جنس الخمسة، ولكن هو قال له «كن فيكون»، كن فيكون، والخمسة ستبقى كما هي. وهناك احتمال أن يعطيك واحدًا فتصبح الخمسة عشرة التي عند الله.

اتساع الكون دليل على أن عطاء الله لا ينقص من ملكه شيئًا

أي، ولذلك أهل الفيزياء وأهل الفلك يقولون ماذا؟ الكون يزداد اتساعًا! ربنا يجعل يمدد الكون كل حين. الكون لاحظوها، وجدوا المجرة هكذا وبعد ذلك مازالت تتسع.

يبقى إذا ربنا لمّا يأخذ من ملكه يعطيك، لا ينقص ذلك من ملكه شيء نقصانًا. أي يقول لك: لا ينقص ذلك من ملكه شيء يا عبيط! شيء مثل هذا.

لماذا؟ ما هو سبحانه وتعالى واسع وقادر وخالق، ويقول للشيء «كن فيكون».

لو كان البشر يملكون خزائن الرحمة لأمسكوا خشية الإنفاق

طيب، ومن إذن؟ من ليس كمثله شيء! ما من أحد هكذا [يعطي ولا ينقص ملكه].

﴿لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ﴾ [الإسراء: 100]

كان الواحد لو جاء وأعطانا مثلًا ربنا ألف مليار دولار لأنفقناها أيضًا؛ ألف مليار كلما أخذنا منها دولارًا كلما نقصت. لكن الأمر ليس كذلك، فهو خالق [سبحانه وتعالى لا ينقص ملكه بالعطاء].

جزاء المتقين مغفرة من ربهم وجنات خالدين فيها

ولذلك:

﴿أُولَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ [آل عمران: 136]

سيعطيك مغفرة، هذه حاجة قاصرة [عظيمة]، أن تأتي يوم القيامة وأنت أبيض [من الذنوب]، خلاص كفاية يعني.

﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 185]

طيب وبعد ذلك؟ زُحزحت أنا عن النار، الحمد لله، الحمد لله كثيرًا، وأُدخل الجنة! هذا من فضل الله [تعالى].

حديث النبي ﷺ لن يدخل أحد الجنة بعمله إلا برحمة الله

إذن ولذلك النبي ﷺ يقول ماذا؟ يقول هذه الحقيقة، يقول:

قال رسول الله ﷺ: «لن يدخل أحدٌ الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته»

أنت ماذا عملت في الدنيا؟ صليت وصمت وجاهدت وأعطيت وزكيت وحججت وعملت كل شيء جميل، انتهى. لن تدخل النار؛ حُكم أنك لو لم تكن عملت هكذا لكنت ستدخل النار.

العبد ليس له شيء على الله فالعمل امتثال والجنة فضل من الله

الله ليس لي شيئًا [عليه سبحانه]. هل أنت لك شيء في الأصل؟ عندما خلقك الله وأمرك فأنت نفذت الأوامر كلها، عبدٌ انتهى الأمر، ليس لك شيء.

طيب وبعد ذلك آتي أنا فأُزحزح من النار، فقال: الحمد لله. قال: طيب أنا سأدخل الجنة، إذن الله سيدخلني، ها هو ذا.

قال: من فضله [سبحانه وتعالى]، من فضله يدخلك أو لا يدخلك. هو ليس ظالمًا [سبحانه]، أنت شوية الأعمال التي عملتها وامتثلت [بها]، نجاتك من النار.

من فضل الله أنه يزيح العبد عن النار ويدخله الجنة فضلًا منه

فأين ستذهب إذن؟ أو أنك ستقف هكذا، ستقف بين الجنة والنار؟ لكن من فضل الله أنه أزاحك عن النار وأدخلك الجنة، فقد فاز، فيكون في ذلك الفوز العظيم.

﴿أُولَـٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّـٰتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ [آل عمران: 136]

أحسن شيء هو الأجر الذي جعله الله سبحانه وتعالى للعاملين.

معنى نعم أجر العاملين وأن الأجر الحقيقي عطية فوق العمل

ما هو أجر العاملين؟ إنه قد أبعده عن النار. أنت أجير، أعطيك مثالًا: أجير عند شخص وعملت له كل ما طلبه، وقال له: خذ الأجر، هذا هو الأجر المتفق عليه، فرحت.

قال رسول الله ﷺ: «أعطِ الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»

مطل الغني ظلم، يحل عقوبته وعرضه. فأنت أخذت حاجتك وانبسطت ومشيت، ذهبت. وبعد ذلك قال لك: تعال مرة أخرى! ماذا؟ قال لك: خذ مكافأة، هاهي بقدر أجرك عشر مرات!

عطاء الله للعاملين فوق أجرهم ونعم أجر العاملين

لماذا؟ يعني قال: الأجر ثواب، يعني عطية. قم تفرح! ما هي أشياء آتية لك من غير طلب، ومن غير تشوف [تطلع]، ومن غير سبب، ومن غير أي شيء.

فماذا يسمى هذا؟

﴿وَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَـٰمِلِينَ﴾ [آل عمران: 136]

يعني هذا الأجر ليس لأنك عامل، لا، بل هذا الأجر الذي أخذته الآن أخذته فوق العمل، وهذه هي عطية ربنا سبحانه وتعالى، ونعم أجر العاملين.

اللهم اجعلنا منهم، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.