سورة آل عمران | حـ 461 | 113-114 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يذكر القرآن في سورة آل عمران أن من أهل الكتاب أمة قائمة تؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا الإيمان قضية محورية لا يمكن التهاون فيها.
- •الإيمان بالله هو المفتاح للإيمان بالرسل والكتب والتكليف، فلا يمكن قبول اتباع النبي دون الإيمان بأن القرآن من عند الله.
- •من دون الإيمان بالله تنتفي قضية الوحي والرسل والكتب والتكليف والالتزام، فهي نسق واحد متكامل.
- •في غياب الإيمان بالله يفقد الإنسان المرجعية العليا التي تحدد الخير والشر، وتنهار القيم والمبادئ.
- •الإيمان بالله واليوم الآخر يجعل المرء يخشى الحساب، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
- •العدل والحلال والحرام قيم ثابتة حددها الله، وليست مجرد أوهام أو اتفاقات بشرية متغيرة.
- •المؤمنون يسارعون في الخيرات ابتغاء وجه الله، ويبادرون لفعل الخير دون تردد، حتى لو كان قليلاً كمنحة العنز، التي تدخل صاحبها الجنة.
مقدمة في سورة آل عمران وإنصاف القرآن مع أهل الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى عن طائفة من أهل الكتاب، وهو يعلمنا الإنصاف مع الجميع:
﴿لَيْسُوا سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [آل عمران: 113-114]
الإيمان بالله واليوم الآخر قضية كبيرة لا يمكن التهاون معها؛ لأنها المفتاح للإيمان بالرسل؛ فإنه إذا لم يكن هناك رب، فكيف يكون هذا [الرسول] نبيًّا؟ إذ لا يكون هناك نبي إذن.
الإيمان بالله مفتاح الإيمان بالكتب والاتباع الصحيح للرسل
وهي [أي قضية الإيمان بالله] المفتاح للإيمان بالكتب؛ فإذا كان هذا [الرسول] ليس نبيًّا، فإن القرآن هذا ما هو؟ ليس من عند الله، هذا من عند بشر.
وبما أنه من عند بشر، فما الذي يجعلني أتبعه؟ كان له زمانه، كان له عقله، كان له عاداته وتقاليده، فما معنى أن نتبعه؟ لا يمكنني أن أقبل أن أتبع شخصًا كان موجودًا منذ أربعة عشر قرنًا، إلا إذا كان [ما جاء به] من عند الله الذي هو إله الآن.
ما هو ربنا الآن؟ هو ربنا حينئذ، هو ربنا لما خلق آدم، لا يحول ولا يزول، فهو ثابت وغير متغير.
الوحي والإيمان بالله أساس فهم التكليف والالتزام الشرعي
بعض الناس يؤلف هكذا، يقول لك: الثابت والمتحول، الثابت والمتغير. فهل هو ثابت إذن أم متغير؟ إنه ثابت في أشياء متحولة بالزمان هكذا، لكن الوحي والإيمان بالله هذا هو الأساس.
فيقول لك: هؤلاء يؤمنون بالله، نعم، إذن فهم قضية الوحي، وفهم قضية الرسل، وفهم قضية الكتب، وفهم قضية التكليف، وفهم قضية الالتزام؛ نسق واحد [مترابط لا ينفصل بعضه عن بعض].
تنحية الإله تعني تنحية كل شيء من القرآن والنبوة واليوم الآخر
هذا عندما يأتيك أحد فيقول لك: لا، أنا لا شأن لي بهذه الحكاية، هذه القصة أنا لا أريدها. فقد أصبح هذا [معناه أنه سيُنحّي] الإله، ستنحي هذا الإله! أنت لن تنحي الإله فحسب، بل أنت بهذا الشكل ستنحي كل شيء.
قال لي: كل شيء؟ مثل ماذا؟ قلت له: ستنحي القرآن، وستنحي النبي، وستنحي اليوم الآخر، وستنحي كل شيء. ما دمنا قد نحينا الإله؛ لأنه هو الأصل.
هي في قصة الإله: طريقٌ [أرسل فيه] رسلًا، فأنزل كتبًا، فكلّف بتكليف، فسيحاسب عليها يوم القيامة. هذه الفكرة لن تكون معك ولست مؤمنًا بها، وهذا كلام فارغ.
غياب الإيمان بالله يفقد الإنسان أي دافع للالتزام الأخلاقي
حسنًا، إذن ستلغي كل شيء. فما هو المفتاح؟ الإيمان بالله. طالما ما دام لا يوجد إيمان بالله فستأتي به [أي بالتشريع والأخلاق] من عندك إذن.
حسنًا، وما الذي يجعلني ألتزم؟ ما تكسب به العب به! ما أنا قوي في جسمي، فما الذي يمنعني من أن أفتري [على] الناس؟ القانون. حسنًا، وفي غياب القانون ألست شيئًا؟ ضميرك.
قلت له: حسنًا، ولو كان ضميري يقول لي افترِ [على] الناس، فماذا أفعل؟ قال: إذن افترِ على الناس. قلت له: ولو كان ضميري يقول لي خذ الذي في يد هؤلاء الناس، ملكك أنت؛ لأنك أنت قوي، وفلسفة القوة [تقول]: ما دمت أنت قويًّا فأنت الصالح للبقاء، وما دمت أنت قويًّا وأخذت شيئًا فالناس الآخرون عبيد لك.
العدل الحقيقي قائم على الإيمان بالله وليس وهمًا بشريًّا
وسننتهي أم لن ننتهي؟ فالناس الآخرون لم يرضوا وقاموا فقتلوني. وهذا ما يحدث الآن؛ القوي يريد أن يضرب الضعيف، والضعيف لا يريد أن يُضرب، فلا تجعلها دمًا.
فما هو الدم الذي يُهدر الآن في مشارق الأرض ومغاربها؟ آتٍ من هذا [أي من غياب الإيمان بالله والعدل]. يقول لك: لا يوجد عدل. هذا العدل وهمٌ يا أخانا.
كيف وهم؟ هذا العدل قامت عليه السماوات والأرض. يقول لك: من الذي أقامها؟ قال: ربنا. آه، مرة أخرى: ربنا! لا إله إلا الله.
عمق معنى الإيمان بالله واليوم الآخر وأثره في قيام البشرية
يؤمنون بالله، ليست بسيطة، ليست كلمة هكذا عابرة. يؤمنون بالله يعني هي كلمة مكونة من لفظين: "يؤمنون" و"بالله"، لا! هذه القضية قامت عليها البشرية والاجتماع البشري. يؤمنون بالله هذه ليست بسيطة يا إخواننا.
واليوم الآخر؛ يبقى [الإنسان] أخاف ربنا؛ لأن هناك جنة ونارًا.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرتبطان بالوحي الإلهي
﴿وَيَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: 114]
لأن المعروف هذا، من الذي جعله معروفًا؟ ربنا. من الذي قال لي إن السرقة حرام؟ من الذي قال لي إن الزنا حرام؟ من الذي قال لي إن القتل حرام؟ شهادة الزور حرام؟ ربنا.
فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، الوجه الآخر للعملة الخاص بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا معناه ماذا؟ إن هناك وحيًا، أن في [ذلك] رسلًا، أن في [ذلك] كتبًا، أنه في حاجة مطلقة متجاوزة الزمان والمكان؛ العدل عدل، والحرام حرام، والحلال حلال.
المسارعة في الخيرات ومعنى منحة العنز في الحديث النبوي
﴿وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ [آل عمران: 114]
ابتغاء وجه الله.
قال رسول الله ﷺ: «أربعون خصلة أعلاها منحة العنز، العامل بواحدة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها أدخله الله بها الجنة»
ما هي منحة العنز هذه؟ قال لك: تُعير عنزتك لجارك، يحلبها ويشرب اللبن الخاص بها، ويعيدها لك في آخر النهار. لم ينقص من وزنها شيئًا أبدًا؛ هذا قليل من الدم تحول إلى لبن بقدرة القادر سبحانه وتعالى، لكن وزنها لم ينقص، لم ينقص.
معنى المسارعة في الخيرات وعدم التردد في فعل الخير
وماذا فعلت؟ يعني أنت من الخير، قال: هذا أنا فعلت أشياء كثيرة جدًّا، أطعمت محتاجًا، هذا وهذا. يعني قال: نعم، سيدخلك الجنة.
﴿وَيُسَـٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ﴾ [آل عمران: 114]
هذا ما معناه أنه لا يتردد في فعل الخير. ما هو الواحد منا عندما يأتي ليقدم شيئًا هكذا، يخرج وبعدين نفسه تقول له: ماذا؟ أعطي كل هذا؟ دعنا نعطي نصفه! آه، هذا لا يسارع في الخيرات، هذا متردد.
لا، أنت سارع في الخيرات! قوموا تلقوكم من البرنامج الخاص برضا الله، يكون لدي برنامج فيه يسارعون في الخيرات.
خاتمة الدرس والدعاء بأن يجعلنا الله من الصالحين
﴿وَأُولَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [آل عمران: 114]
نعم، فاللهم يا ربنا اجعلنا من الصالحين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
