سورة آل عمران | حـ 447 | 102 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" من سورة آل عمران.
- •كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشهد بهذه الآية في خطبة الحاجة وخطب الجمعة وعقود الزواج.
- •التقوى تعني الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل، والرضا بالقليل.
- •"حق تقاته" تعني الاستمرار في التقوى، فلا تكون مؤقتة أو موسمية بل دائمة وشاملة.
- •الاستمرار على الطاعة أحب الأعمال إلى الله، فكان عمل النبي دائماً غير منقطع.
- •يجب تحقيق التوازن في العبادة ليتجنب المسلم الغلو والتطرف عن سنة النبي.
- •التوازن يكون بالاتصال بالناس والحياة وعدم الانعزال.
- •قوله "ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" يتطلب الاستمرار على الإسلام في كل لحظة.
- •الالتجاء إلى الله والاعتماد عليه هو السبيل لتحقيق التقوى، فيقول العبد: "لا حول ولا قوة إلا بالله".
- •التبرؤ من الحول والقوة والدخول في حول الله وقوته، فهو رؤوف بعباده.
آية التقوى في سورة آل عمران واستشهاد النبي بها في خطبه
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
وهذه الآية كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشهد بها في خطبة الحاجة التي كان يبدأ بها كلامه، والتي كان يعقد بها عقود الزواج، والتي كان يخطب بها في يوم الجمعة. فكان صلى الله عليه وسلم في خطاباته الشفوية يأتي بهذه الآية.
معنى التقوى وأركانها الأربعة عند العلماء
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 102]
حسنًا، طيب، واتقوه، ما هي [التقوى]؟ قال [العلماء]: هذه التقوى هذه عملية صعبة؛ أولًا:
- الخوف من الجليل [سبحانه وتعالى].
- والعمل بالتنزيل [أي العمل بما أنزل الله].
- والاستعداد ليوم الرحيل [يوم القيامة].
- والرضا بالقليل.
طيب، وبعد ذلك هذه العملية أمسكت بحياتك من أولها؛ أنت لأجل حكاية الرضا بالقليل هذه يجب أن تريد تسليمًا ورضًا لله رب العالمين. الرضا بالقليل في مأكلك ومشربك وشأنك جميعًا.
وبعد ذلك الخوف من الجليل سبحانه وتعالى، والاستعداد ليوم الرحيل؛ هذه ستشمل إذن جميع المأمورات وجميع المنهيات.
معنى حق تقاته واستمرار التقوى في كل الأوقات والأحوال
﴿ٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 102]
كانت ستبقى صعبة، ولكن جاء [الأمر الإلهي] وقال ماذا؟ حق تقاته. والحق هو الثابت، والثابت هو المستمر؛ أي ليس أن تتقي الله في شهر رمضان وتترك تقواه في شهر شوال، لا!
قال النبي ﷺ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ»
فيكون إذن هذا تقوى مستمرة.
«وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»
حق تقاته ليبقى تقوى مستمرة، عامة، شاملة، مؤكدة؛ حتى تدخل في دائرة المتقين.
الانتقال من دائرة الإيمان إلى دائرة الإحسان وأهمية الاستمرار
وهذه عملية صعبة؛ لأن:
قال النبي ﷺ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»
هذه عملية تدعو الناس إلى الانتقال من دائرة الإيمان إلى دائرة الإحسان. ودائرة الإحسان هي أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك.
كيف يستطيع الإنسان أن يصل إلى الاستمرار؟
قال النبي ﷺ: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ»
كان عمله صلى الله عليه وسلم ديمةً [أي مستمرًا لا ينقطع]. يبقى إذن البرنامج هنا هو أن تستمر وتستمر في الخلق الحسن، وتستمر في التوبة، وتستمر في التصحيح، وتستمر في العمل الصالح وتستمر. والاستمرار هذا يفتقده كثير من الناس؛ يمشون قليلًا ثم يتركون ولا يستمرون.
التوازن في التقوى وعدم الغلو على هدي النبي صلى الله عليه وسلم
كيف تفعل هذا [الاستمرار في التقوى] من غير غلو؟ هذه صعوبة أخرى؛ لأنك إن استمررت بهذا الشكل فستجد نفسك محتاجًا للتوازن؛ حتى لا تتطرف وتزيد عن سنة رسول الله [صلى الله عليه وسلم].
فالصحابة عندما دخلوا في التقوى ثم في حق التقوى اجتمعوا فاستقلّوا عبادة رسول الله [صلى الله عليه وسلم]؛ فواحد قال: إني أصوم ولا أفطر، والآخر قال: أقوم ولا أنام، والثالث قال: إني أعبد الله لا أتزوج النساء.
فقال النبي ﷺ لما سمع بذلك: «أَلَا إِنِّي أَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»
يحقق لهم التوازن؛ لأنك عندما تسير في حقيقة تقواه هذه تجد نفسك تنغلق على ذاتك، ويحدث لك نوع من أنواع العزلة، والدين يأمرك بعدم العزلة. فيجب أن تعمل توازنًا وتخرج من هذه العزلة وتتحمل الاتصال بالناس والاتصال بالحياة.
شدة الآية في وجوب الثبات على الإسلام حتى الموت في كل لحظة
وهنا:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: 102]
تصبح هذه الآية فعلًا إلى هذا الحد شديدة.
﴿ٱتَّقُوا ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
فهل أنا أعلم متى سأموت؟ لست أعلم. إذن أنا مطالب بأن أكون مسلمًا في كل لحظة، في كل لحظة والتي تليها؛ أن أكون متمسكًا بإسلامي الواضح الجلي فأستمر عليه.
فإذا ما جاءني الموت في أي وقت -وهو يأتي في أي لحظة وهو مخفيٌّ عنا- هذه هي الشدة من هنا؛ وجدني مسلمًا.
﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]
فقالوا [العلماء]: هذه أشد آية في القرآن الكريم.
الدعاء والذكر والتبرؤ من الحول والقوة سبيل لتحقيق التقوى
حسنًا، وبعد ذلك ماذا نفعل إذن في هذه الشدة كلها؟ قال [العلماء]: تفعل أن تدعو ربك وتكثر من ذكره؛ لا حول ولا قوة إلا بالله.
يا رب، تقواي هي من عندك، وحق تقواي هو من عندك، واستمراري على الإسلام إلى أن تتوفاني هو من عندك؛ فالكل منك وإليك، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم ارحمنا وارحم ضعفنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وتوفنا مسلمين.
هذه هي الحكاية: تبرَّأ من حولك وقوتك وادخل في حول الله وقوته؛ فإنه رؤوف بعباده وهو قد بشَّرك فقال.
بسم الله الرحمن الرحيم، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
