سورة آل عمران | حـ 442 | 96-97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 442 | 96-97 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • وصف الله البيت الحرام في سورة آل عمران بأنه أول بيت وضع للناس وهدى للعالمين، فهو معيار للمكان كما النجوم معيار للزمان والاتجاهات.
  • في البيت الحرام آيات بينات ومعجزات منها ماء زمزم الذي يستجاب عنده الدعاء، ويكفي شاربه أياماً طويلة دون طعام.
  • من عجائب الحرم أن الحجاج يعودون سالمين من الأمراض والأوبئة رغم قدومهم من مختلف بقاع الأرض وبأعداد ضخمة تصل إلى ملايين.
  • يتحول الناس في الحرم الشريف رغم الازدحام الشديد إلى حالة روحانية خاصة، فلا تحرش ولا فحشاء بينهم كأنهم ملائكة.
  • قوله تعالى "ومن دخله كان آمنا" جملة خبرية أريد بها الإنشاء، أي آمِنوا من دخل فيه، وليس خبراً محضاً لأن الحرم تعرض للانتهاك في بعض الحوادث التاريخية.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

أول بيت وُضع للناس وهداية المكان المبارك في مكة المكرمة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 96]

وهداية المكان كما هنا [في الآية] تهدي الناس أجمعين، باعتبار أن هذا المكان [البيت الحرام] هو الذي ينبغي للعالمين إذا أرادوا أن يجعلوه معيارًا ومقياسًا لهم؛ فإنهم يضبطون ما هنالك.

الفرق بين هداية الإرشاد وهداية التوفيق في النجوم والعلامات الكونية

كقوله تعالى:

﴿وَعَلَـٰمَـٰتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16]

النجم لا يسبب هداية الناس [هداية دينية]؛ فالهداية نوعان: هداية إرشاد وهداية توفيق، وإنما يسبب [النجم] هداية طرق ويكون رحمة؛ لأن العلامات التي في السماء والتي وضعها الله في النجوم تهدي الناس، إنما تهديهم من الناحية الدنيوية؛ تهديهم في مسالك البحر وفي أفجاج الصحراء.

تهديهم بمعنى أنهم يجعلونها معيارًا لمواقيتهم؛ فاليوم النجمي ثلاث وعشرون ساعة وست وخمسون دقيقة وأربع ثوانٍ، لا يختلف عن اليوم الشمسي أبدًا. أحيانًا يكون أربعًا وعشرين ساعة وسبع عشرة دقيقة، وأحيانًا يكون أربعًا وعشرين ساعة إلا سبع عشرة دقيقة، حسب موقع الأرض [وهي] تدور حول الشمس.

الاسترشاد بالنجوم في الزمان وبالبيت الحرام في المكان وما فيه من آيات

فإذا أردت أن تسترشد في معيار زمانك فاسترشد بالنجوم، وإذا أردتم أن تسترشدوا في معيار مكانكم فليسترشدوا بالبيت الحرام.

هذه [الحقيقة] تفتح لك علومًا لم تعرف؛ علوم عجيبة غريبة ولكن لم يسمع بها أحد.

﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ﴾ [آل عمران: 97]

فيه آيات بينات يعني معجزات، وهذه المعجزات من ضمنها ماء زمزم وأن الدعاء يُستجاب عند شربه.

فكيف تفعل ذلك؟ تشرب ماء زمزم وتدعو الله.

عجائب ماء زمزم وقصة أبي ذر في الصيام أربعين يومًا على ماء زمزم

ماء زمزم عندما تشربه ورد في الحديث أنك تشرب ماء زمزم فيكفيك الأيام الطويلة.

فكيف يحدث ذلك؟ يأتي ذلك بينما نحن نشرب ماءً مقطرًا وكل شيء نظيف وجميل وفيه أملاح وما ليس فيه أملاح، لكن الإنسان لا يستطيع أن يتحمل؛ يخرّ مغشيًّا عليه إذا استمر يومين متتاليين بلا طعام وهو يشرب [الماء العادي].

ولكن هذا أبو ذر [الغفاري رضي الله عنه] صام أربعين يومًا وهو يشرب ماء زمزم [فقط]، عجيبة غريبة [من عجائب هذا الماء المبارك].

من آيات البيت الحرام عدم عودة الحجاج بالأوبئة رغم الزحام الشديد

من الغرائب أن الحجاج لا يرجعون بالأوبئة، يعني الحجاج هؤلاء جميعًا، وأصبحنا الآن أعدادًا ضخمة؛ كان قديمًا مائة ألف أو شيء [من هذا القبيل]، كانوا يملؤون الدنيا، اليوم ثلاثة ملايين وأربعة ملايين، لا أحد منهم لديه إنفلونزا ولا يوجد واحد منهم لديه أي مرض هكذا أو هكذا.

هؤلاء قادمون من أقطار الأرض ومن جميع المستويات؛ الفقير والغني والمتوسط. فكيف لم يعودوا بالوباء؟ لماذا؟ وهناك سنوات انتشر فيها الوباء في الأرض ولم يعد الحج بالوباء أيضًا، وهذا مسجل في التاريخ.

﴿فِيهِ ءَايَـٰتٌ بَيِّنَـٰتٌ﴾ [آل عمران: 97]

سبحان الله!

من آيات الحرم انعدام التحرش بين الطائفين رغم شدة الزحام

يبقى الناس، والناس جميعهم، والناس جميعهم أهم [شيء أنهم] موجودون ونسألهم [عن حالهم]: في زحام شديد تكاد تزهق فيه الأرواح من شدة الزحام، وليس هناك أي تحرش بين ذكر وأنثى ولا بين أنثى وذكر.

الله! ما الذي يحدث للناس؟ كيف هذا العدد الضخم يكون في عالم آخر؟ يكون كأنه لا يملك نفسه التي تأمر بالفحشاء والمنكر وهكذا إلى آخره.

في حين أن هذا [الأمر] متصور أن الإنسان يعصي ربنا، ولكن يا أخي طُف وانظر، طُف أنت بنفسك وانظر ما الحكاية؛ تجد أن الأمور قد نُزعت [من القلوب] وأصبح الناس الذين يطوفون هؤلاء مثل الملائكة.

ما هذا؟ كيف؟ يعني أن فيه آيات بينات، ففي [البيت الحرام] آيات لو جلسنا نتأمل فيها لوجدناها يعني صعب تصديقها وصعب وجودها في غير هذا المكان المقدس.

معنى قوله تعالى ومن دخله كان آمنًا بين الخبرية والإنشائية

هناك آيات بينات ليس آية واحدة:

﴿مَّقَامُ إِبْرَٰهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: 97]

يعني هذا [المقام] الذي قام فيه سيدنا إبراهيم [عليه السلام]، ومن دخله كان آمنًا.

وهذه جملة يقولون عليها: هل هي خبرية أُريد بها الإنشاء أم يُراد بها الإنشاء؟ خبرية يعني ماذا؟ يعني خبر: من دخله سوف يشعر بالأمن والأمان دائمًا.

أم غالبًا؟ لا، غالبًا؛ لأنه يمكن أن يأتي أحد يهددك وأنت بداخله، وتحدث كثيرًا هذه [الحوادث]. لا، هذه حاجة [أمر] نادرة، النادر [لا حكم له].

حسنًا، حتى لو حدثت مرة واحدة: ومن دخله كان آمنًا، دخلتَ ولمّا تأمن! فتكون هذه ليست خبرية بعد [ذلك]؛ لأن خبر الله صادق ولا مرة ولا مرتين.

الجملة الإنشائية في ومن دخله كان آمنًا وأمثلتها في القرآن الكريم

وإنما هذه [الجملة] إنشائية. فما معنى إنشائية؟ أي: آمِنوا من دخل فيه؛ فإنك لو روّعت الحجاج ضيوف الرحمن فإنك ارتكبت إثمًا، لا يمكن أن تروّعهم.

فالقرامطة دخلوا وروّعوا الناس وقتلوا وسرقوا ونهبوا وقتلوا وأفسدوا، الجماعة التابعة لجهيمان دخلوا الحرم وضربوا بالمدافع وجعلوها دمًا.

نعم، فهذه هنا جملة خبرية أُريد بها الإنشاء، أي ما معنى: آمِنوا من دخل فيه.

مثل:

﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233]

أي: أرضِعن أولادكن حولين كاملين.

مثل عندما تقول: صلى الله على سيدنا محمد، أي: اللهم صلِّ على سيدنا [محمد ﷺ].

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.