سورة آل عمران | حـ 422 | 76 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يؤكد القرآن الكريم في سورة آل عمران أن الله يحب المتقين الذين يوفون بعهودهم.
- •يجب على المسلمين الوفاء بالعهود وتقوى الله، وأن يحبوا ما أحب الله ويكرهوا ما كره.
- •حذر الرسول من اتباع أخطاء الأمم السابقة، وأمرنا بالاستفادة من تجاربهم بأخذ الخير وترك الشر.
- •الإسلام يعظم الأنبياء السابقين كموسى وعيسى ويحترم الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.
- •ينتقد الإسلام الانحراف عن تعاليم الأنبياء وليس الأنبياء أنفسهم أو أتباعهم الصادقين.
- •ليس كل أهل الكتاب سواء، فمنهم المؤمنون الصادقون الذين لا يستكبرون.
- •من الخطأ تصوير المسلمين كأعداء للبشرية، فهذا ناتج عن سوء فهم بعض المسلمين للإسلام.
- •من الخطورة أن يكون المسلم حجاباً بين الناس وكتاب ربهم بسبب سوء الفهم أو التطبيق.
- •ينبغي تصحيح المفاهيم الخاطئة وإظهار حقيقة الإسلام القائم على الوفاء بالعهود والتقوى.
مبدأ الوفاء بالعهد والتقوى في سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 76]
وجعل [الله] هذا مبدأً عامًّا للبشرية كلها؛ من أوفى بعهده واتقى، يبقى لا بد أيها المسلمون عليهم أن يوفوا بعهدهم، ولا بد أيها المسلمون من أن تتقوا الله وأن تحذروه، ويحذركم الله نفسه.
محبة الله سبيل السعادة وكراهيته سبيل الشقاء
﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 76]
وما يحبه الله هو سبيل السعادة، وما تتبعونه هكذا [من غير تقوى] ليس سبيل السعادة. وما لا يحبه الله هو سبيل الشقاء.
والقاعدة هكذا: أنا أحب هذا [ما يحبه الله] وأكره هذا [ما يكرهه الله]، فنحب ما [أحبَّ] الله ونكره ما كره الله.
﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 76]
التحذير النبوي من اتباع أخطاء الأمم السابقة والاستفادة من تجاربهم
قال رسول الله ﷺ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ وَرَاءَهُمْ»
ينهانا رسول الله ﷺ أن نتبع ما وقع من خطأ في التجارب السابقة؛ ما هو [الأمر]؟ هناك أناس عندهم كتاب وعندهم نبي وعندهم دين وعندهم تطبيق لهذه الأشياء، وقعت في أخطاء تاريخية يجب علينا أن نستفيد منها.
وهذه الاستفادة تأمرنا ألا نتبعهم في الشر، وهذه الاستفادة تأمرنا أن نتبعهم في الخير، وهذا هو أساس الكتاب [القرآن الكريم].
الرد على من يتهم المسلمين بسب أهل الكتاب وبيان حقيقة النقد
بعض الناس يأتي ويقول هنا: تعالوا أنتم تشتموننا! لأن الحديث [حديث اتباع سنن الأمم السابقة] في آخره ماذا يقول؟ ماذا قالوا [الصحابة]؟ اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال ﷺ: ومن [الأمم] غيرهم.
فلماذا تسبوننا هكذا؟ نحن نسبُّ الانحراف الذي تسبُّونه أنتم أيضًا، وإلا فإنكم تأمرون بالمنكر وتنهون عن المعروف.
كلا، نحن عظَّمنا سيدنا عيسى وعظَّمنا سيدنا موسى وعظَّمنا التوراة وعظَّمنا الإنجيل وعظَّمنا الصالحين وعظَّمنا التجربة الراقية في عبادة الإنسان لربه، أيَّ دين كان من آدم إلى سيد الخلق محمد ﷺ، عظَّم [الإسلام] كل هذا.
دعوة أهل الكتاب للوقوف مع الحق ونقد الانحراف لا الأديان
عندما أتى [الإسلام] وانتقد الانحراف، يجب أن تقف معي أنت يا يهودي إذا كنت متمسكًا بما كان عليه موسى [عليه السلام]، تقف معي. وأنت يا مسيحي إذا كنت متمسكًا بما جاء به سيدنا عيسى [عليه السلام]، فيجب أن تقف معي.
ولكن رأينا [من يأخذ النصوص] من انتزاعًا من سياقاتها، وكأن المسلمين ضد موسى وضد كتابه وضد اليهود وضد تاريخهم، وكأن المسلمين ضد عيسى وضد كتابه وضد المسيحيين وضد تاريخهم. والحاصل غير ذلك.
الإنصاف مع أهل الكتاب وعدم الظلم في الحكم عليهم
هذا [القرآن الكريم] يعلمني الإنصاف ويأمرني بالمعروف وينهاني عن المنكر، ولا بد أن أفهم هذا. ولكن كلما فهمنا كلما نسينا هذا [المبدأ].
وإذا أخذنا هذا [الفهم المغلوط] يبقى أننا هكذا نحن نظلم. لماذا؟ لأنه قال لك إن المسلم مثلًا غير مؤمن بالله! لماذا؟ قال إنه يقول: لا إله.
فهل هذا يصح يا إخواننا يا بشر؟ نحن نخاطب البشر. أيصح أن نقول "لا إله" ولا نقول "لا إله إلا الله"؟ أليس هناك فرق كبير بين "لا إله" وبين "لا إله [إلا الله]"؟ فرق كبير!
تعظيم الأنبياء والكتب السماوية والإنصاف مع أهل الكتاب الصالحين
فأنا أقول: سيدنا موسى وعيسى وإبراهيم وكذا إلى آخره، والتوراة التي هي هدى ونور، والإنجيل الذي هو بشرى، كل ذلك صحيح.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]
إذن نقول إن هناك أناسًا لا يستكبرون.
﴿لَيْسُوا سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ﴾ [آل عمران: 113]
هؤلاء ليسوا سواء. يبقى إذا كان هؤلاء الناس على حق وعلى نور وما إلى ذلك، طبعًا هذا ما يقوله ربنا: ليسوا سواء.
تصحيح صورة الإسلام وعدم كون المسلم حجابًا بين الخلق والخالق
فلماذا تجعلني وكأنني وتُظهرني أنني عدو للبشرية وعدو لجميع الناس وأكره جميع الناس؟ من أين يأتي هذا؟ يأتي من تصرفات بعض المسلمين حتى الذين لم يفهموا الكلام [كلام الله ورسوله].
انتبه كذلك يا عزيزي، نريد أن نصحح أخطاء هؤلاء وأفكارهم، ونريد أن نقول للناس الحقيقة؛ حتى لا نكون حجابًا بين الخلق وبين كتاب ربهم.
أخطر شيء أن تكون أنت عائقًا وحجابًا بين الخلق والخالق؛ لأنه سيأتي يوم القيامة وتكون مضطربًا. أنت ربما قصدت بحسن نية شيئًا ولكنه انقلب عليك ولم يوفقك الله فيه.
ختام الدرس بالتذكير بمحبة الله للمتقين والتوديع
﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 76]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
