سورة آل عمران | حـ 405 | 58 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 405 | 58 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تتحدث الآية "ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم" عن مضمون السبع والخمسين آية السابقة في سورة آل عمران.
  • كلمة "ذلك" تشير إلى ما سبق من آيات ومعجزات تلاها الله على نبيه.
  • وصف القرآن بأنه "ذكر" لأنه ضد النسيان، فمن تذكر أحكامه سار على الصراط المستقيم، ومن نسيه ضل.
  • الذكر هو استحضار حقيقة الله تعالى والإيمان به، وأهل القرآن هم المتدبرون لمعانيه المطبقون لأحكامه.
  • وصف القرآن بأنه "حكيم" أي محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
  • معيار معرفة أن هذا الكلام من عند الله: الاعتراف بحقيقة الوحي، وعدم الاختلاف في الكتاب، والائتلاف.
  • الاعتراف يتضمن الإيمان بوجود الله والإقرار بأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب.
  • عدم الاختلاف دليل على أن الكتاب من عند الله، والائتلاف يعني موافقته للعقل والمبادئ العليا والعلم.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تلاوة سورة آل عمران ومعنى الإشارة بكلمة ذلك إلى ما سبق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 58]

كلمة "ذلك" تشير إلى مضمون ما سبق؛ يعني نحن الآن في الآية رقم ثمانية وخمسين، فيكون "ذلك" يعني مضمون السبع والخمسين آية التي مضت. أتذكرونها هكذا؟ يعني يكون "ذلك" يعني مضمون ما سبق.

كان مشايخنا يقولون لنا هكذا: "ذلك" يكون معناه ما ذلك؟ مضمون ما سبق. ما الذي سبق؟ السبع والخمسون آية.

معنى كلمة آيات في القرآن ودلالتها على المعجزات الإلهية

﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ ٱلْـَٔايَـٰتِ وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 58]

فيكون إذن السبعة والخمسون آية ومجموع آية كلمة آيات. وما معنى آية؟ يعني معجزة. فيكون نحن قلنا لك سبعة وخمسون معجزة.

"ذلك" كل الذي مضى، هذا هو نتلوه عليك من الآيات؛ أي نأتي لك به من صنف المعجزات.

حسنًا، والآيات هذه تعني آيات، لماذا هي معجزات؟ قال:

﴿وَٱلذِّكْرِ ٱلْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 58]

فيكون وصف الكتاب بصفتين [هما: الذكر، والحكيم].

الصفة الأولى للقرآن أنه ذكر يهدي إلى الصراط المستقيم

الصفة الأولى أنه ذكر، والذكر ضد النسيان. فيكون إذا هذا كتاب إذا ما تذكرنا أحكامه وهدايته فإننا نسير على الصراط المستقيم.

وهذا الكتاب إذا ما نسيناه ونسينا أحكامه وتلاوته وهداه، فنكون سرنا على الصراط غير المستقيم. وهذا معنى الذكر؛ سُمِّي ذكرًا لأنه يجب علينا أن نذكره.

الذكر معناه أنك تستحضر حقيقة كبرى هي أظهر الحقائق، وهي الله سبحانه وتعالى. هذه الحقيقة هي الإيمان بالله.

أهل القرآن هم الذين يتدبرون معانيه ويطبقونه في حياتهم

فإذا لم تكن من أهل القرآن — وأهل القرآن هم الذين يتدبرون معانيه، هم الذين لا يقفون عند رسومه بحفظها بل بتطبيقها في حياتهم، هم الذين يستهدونه فيهديهم — فلو كنت من أهل القرآن كنت من أهل الذكر.

والذكر بمعنى الهداية، والذكر بمعنى التذكر، والذكر بمعنى الإيمان؛ لأن كل هذه الأشياء هي الذكر.

الصفة الثانية للقرآن أنه حكيم محكم لا يأتيه الباطل

والذكر [أي القرآن الكريم] وهذا في تلاوته وفي نظمه الشريف وفي أدائه الرباني حكيم محكم.

حكيم يعني ماذا؟ "فعيل" والفعيل يُطلق على اسم [الفاعل] واسم المفعول، فأَجْرِها على اسم المفعول تجده محكمًا. نعم، هو محكم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ما فيه كلمة هكذا ولا هكذا [أي لا خلل فيه ولا تناقض].

ما المعيار [لمعرفة أن هذا الكلام من عند الله]؟ يقول لك: ما هو معيار معرفة أن هذه الكلمة من عند الله؟ فقال لك: الاعتراف وعدم الاختلاف مع الائتلاف.

المعيار الأول لإثبات كلام الله وهو الاعتراف بالوحي والإيمان به

يقولون هكذا رضي الله تعالى وأرضاهم مشايخنا في الأزهر يقولون هكذا: الاعتراف مع عدم الاختلاف والائتلاف؛ يعني ومع الائتلاف.

ما هو الاعتراف؟ هذا قال لك أن تعترف بقضية الوحي؛ فإنك لو أنكرتها فلا يوجد مانع [من النقاش]، يعني الآن لا يوجد وحي، فكيف سنناقش إذا كان هذا كلام ربنا أم لا؟

أول شيء أن تؤمن أن هناك اتصالًا بين الله وبين البشر. فالاعتراف هو الاعتراف بكلمة الله؛ أن لله كلامًا قد أنزله على البشر.

الاعتراف بالوحي عند أهل الكتاب ولوازمه من الإيمان بالله والرسل

ولذلك تجد اليهودي معترفًا بهذه القضية ويقول: نعم، هذا سيدنا موسى نزل عليه كلام. نقول له: إذن، إذا لم ندخل [في تفاصيل]، إذن أصل هذا معناه ماذا؟

هذا معناه أشياء كثيرة جدًّا؛ هذا يعني أنك اعترفت بوجود الإله، واعترفت بأنه حكيم، واعترفت بأنه هو الخالق، واعترفت بأنه لم يتركنا عبثًا، واعترفت بأنه قد أرسل الرسل وأنزل الكتب. انظر إلى الاعتراف!

مناقشة مواقف الملحد واليهودي والمسيحي من الاعتراف بكلام الله

فعندما نأتي لنبحث في الأرض نجد واحدًا ملحدًا قال: لا، لا يوجد ربنا، انتهى. أسندخل إذن هل هذا كلام ربنا أم لا؟ إذا كان [الله عنده] غير موجود فلا ينبغي أن نجلس ونخوض معه في مناقشة.

والثاني يقول لي ماذا؟ نعم موجود ولكن ليس له علاقة بنا [أي لا يتدخل في شؤون البشر].

والثالث قال: لا، بل موجود وأرسل الرسل، هذا سيدنا موسى نبي. نقول له: حسنًا، وسيدنا عيسى؟ لم يعرفوه [أي اليهود لم يعترفوا به]، فلا يوجد اعتراف.

حسنًا، والمسيحي يقول هكذا: سيدنا عيسى، ما هو سيدنا عيسى نزل [عليه الوحي]. فماذا عن سيدنا محمد ﷺ؟ أليس كذلك؟ ما دام لا يوجد اعتراف [بنبوته] فليكن.

المعايير الثلاثة لإثبات أن القرآن كلام الله: الاعتراف وعدم الاختلاف والائتلاف

ولكن يوجد كتاب، يوجد كلام. فاليهودي والمسيحي والمسلم يقولون: نعم، يوجد كلام. إذن أول شيء لكي نعرف الكلمة [أنها من عند الله] هو الاعتراف.

﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

إذن عدم الاختلاف [هو المعيار الثاني]: من عند الله عدم الاختلاف.

والثالثة التي هي حكيم محكم ستأتي في الائتلاف. والائتلاف يعني أنه موافق للعقل، موافق للمبادئ العليا للإنسان، موافق للعلم.

ولذلك بهذه الثلاثة [الاعتراف وعدم الاختلاف والائتلاف] تثبت أن هذا كلام الله.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.