سورة آل عمران | حـ 381 | 26 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 381 | 26 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الآية الكريمة "قل اللهم مالك الملك" تعلمنا أن الملك الحقيقي لله وحده.
  • يجب على من آتاه الله الملك أن يكون عابداً لله به، سائراً على الصراط المستقيم.
  • السلطان إذا خرج عن حد العدل يكون منكراً لنعمة الله عليه.
  • الله هو من يؤتي الملك لمن يشاء، ويرقق القلوب ويوجه الأفئدة نحو الحاكم.
  • على من يملك في قرار العباد أن يتعبد بأخلاق الله، فالله عادل لا يظلم.
  • العدل أساس الملك، وهذا خطاب للعالمين جميعاً.
  • ذكر علماء الإسلام أن الكافر العادل من ناحية الحكم أولى من المسلم الظالم.
  • من تولى الحكم فقد كُلِّف قبل أن يُشَرَّف، فعليه تقوى الله في رعيته.
  • العزة غير الملك، فقد تكون بالعلم أو المال أو بحب الناس.
  • قصة موسى مع فرعون تبين كيف أن الله يحول بين المرء وقلبه، فقد ألقى محبة موسى في قلب فرعون رغم أنه كان يقتل الأطفال.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تفسير آية قل اللهم مالك الملك من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، ومع قوله تعالى:

﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]

الملك الحقيقي لله وحده ووجوب عبادة الملوك لله بالعدل

يُعلّمنا ربنا سبحانه وتعالى أنه لا مُلك في الحقيقة إلا له، وأن الإنسان عندما أخذ الملك فكان ينبغي أن يكون عابدًا لله به؛ لأنه هو الذي أعطاه ذلك الملك ووفّقه إليه.

فكان ينبغي على ملوك الأرض ومن بأيديهم السلطان أن يسيروا على الصراط المستقيم، وأن يعدلوا في أممهم، وأن السلطان إذا خرج عن حدّ العدل فإنه يكون مُنكِرًا لنعمة الله عليه.

ارتباط آية مالك الملك بالعدل الإلهي يوم القيامة في السياق القرآني

لأن الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة [من سورة آل عمران] يتحدث عن العدل، وأنه سبحانه يعدل بين الناس يوم القيامة، فيقول:

﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَـٰهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 25]

﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَـٰلِكَ ٱلْمُلْكِ﴾ [آل عمران: 26]

أي: يا ملوك الأرض وأنتم ملوك في الصورة وليس في الحقيقة، يا ملوك الأرض وأنتم قد أنعم الله عليكم بمُلكٍ من عنده لا من حولكم وقوتكم.

أمر الله للملوك بالتعبد بأخلاقه والنهي عن الظلم

وإن اعتقدتم غير ذلك [أي أن الملك من حولكم وقوتكم] فأنا [الله] لا أظلم، فكان ينبغي أن تتعبّدوا بأخلاق الله فلا تظلموا، لا تظلموا، أي إنه يأمرهم بعدم الظلم وينهاهم عنه.

مالك الملك هو [الله سبحانه وتعالى]، وهو الذي يُعطي الملك لمن يشاء:

﴿تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: 26]

هذا دعاء نصف به ربنا، وحقيقة في نفس الأمر أن الذي أعطى الملك للملوك هو الله.

الرد على من يدعي أن الملك من اختيار الشعب لا من الله

وأحد يقول لي: لكن هذا الملك الذي اختاره شعبه، ومن الذي رقّق له القلوب، ومن الذي وجّه له الأفئدة؟ الله [سبحانه وتعالى هو الذي فعل ذلك].

لا فائدة أيضًا [من الاعتراض]، سنخرج من سمائه أم من أرضه؟ ما هو لا فائدة. إنما أُوتيتَ على علمٍ عندي [أي عند الله]، لا أنت لا عندك علم ولا أُوتيتَ على علمٍ عندك ولا ما عندك، إنما يؤتي الملكَ اللهُ.

واجب من تولى الحكم التعبد بأخلاق الله والعدل أساس الملك

إذن فمن تملّك في قرار العباد ما الذي يجب عليه؟ يجب عليه أن يعبد الله بأن يتعبّد بأخلاقه سبحانه.

فكيف يتعبّد بأخلاقه؟ إن ربنا عادل ولا يظلم، ولذلك قالوا: العدل أساس الملك.

وهذا الكلام هل يُخاطَب به المسلمون أم يُخاطَب به العالمون؟ أبدًا، هذا يُخاطَب به العالمون، العدل أساس الملك كله.

رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في تفضيل الكافر العادل على المسلم الظالم في الحكم

ولذلك بحث علماء الإسلام عن الكافر العادل وعن المسلم الظالم، أيهما أفضل؟ قالوا من ناحية الحكم: الكافر العادل.

شيخ الإسلام ابن تيمية يقول هكذا: الكافر العادل من ناحية الحكم أولى من المسلم الظالم؛ لأن الله لا يحب الظلم وحرّمه على نفسه وجعله بينكم محرّمًا.

تولي الحكم تكليف قبل أن يكون تشريفًا ووجوب تقوى الله في الرعية

ولذلك من تولّى الحكم على الناس في أي مرتبة من مراتب الحكم، فإنه قد كُلِّف قبل أن يُشرَّف، كل هذا تكليف قبل أن يكون تشريفًا.

فاتّقِ الله، اتّقِ الله أيها الملك في رعيتك وما أقامك الله فيه.

﴿تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: 26]

يبقى [الملك] في يد الملك ويُنزع منه، ولا تحنّ عليه قلوب العباد، ما هو بيده الملك [سبحانه وتعالى].

العزة من الله تكون بالعلم والجاه والمال وحب الناس

طيب وبعد ذلك ماذا نفعل في هذه الحكاية؟ سِرْ على الصراط المستقيم، أقِم نفسك حيث يُقيمك الله سبحانه وتعالى.

﴿وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ﴾ [آل عمران: 26]

هذه قضية أخرى غير الملك؛ العزّة قد تكون بالعلم، وقد تكون بالجاه، وقد تكون بالمال، وقد تكون بحبّ الناس لك.

ما دمتَ تسير هكذا [على الصراط المستقيم] الناس يحبّونك، ألقى الله عليك القبول وألقى عليك محبّة مني:

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]

قصة إلقاء المحبة على موسى عليه السلام في قلب فرعون وهو يبحث عن قتله

هذا [موسى عليه السلام] كان ملكًا؟ هذا أبدًا! هذا كانوا يبحثون عنه لكي يقتلوه. فلما نظر إليه فرعون — سيدنا موسى وهو صغير هكذا ملقًى في السَّبْت [أي التابوت في النهر] —

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

وهذا واحد مجهول [أي طفل لا يُعرف أصله]، وهو [فرعون] جالس يقتل الأطفال ويريد أن يقتل هذا [الطفل بالذات]، فنظر إليه فأحبّه!

فما هذا، أنتبه؟ فنظر إليه هكذا فأحبّه:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾ [طه: 39]

جبروت فرعون في القتل بالنظرة وعجزه أمام موسى عليه السلام

فرعون يقولون عنه إنه كان يقتل بالنظرة، أي ليس يقول "اقتلوه"، لا، بل ينظر بعينه هكذا فقط للسيّاف، فالسيّاف يقتل الإنسان. هذا [فرعون الذي قال]:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]

يقول هكذا، يفعل هكذا بعينه هكذا فقط. فلما نظر إلى موسى قال: ما هذا يا مسكينة؟ آه! فرعون قال هكذا: يا مسكينة ما هذا، ما هذا! انظروا إلى ما يفعله الغلام!

والله ما هذا الجبروت الذي تملكه؟ هذا أنت ربهم الأعلى وهكذا وما إلى ذلك! والله ما قال [اقتلوه]، لا! هذا أنا أحبّه.

عجز فرعون عن قتل موسى بعد كبره لأن الله يحول بين المرء وقلبه

سيدنا موسى كبر وتعرّف [على حقيقته]، وقتل المصريّ عن طريق الخطأ:

﴿فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ [القصص: 15]

أصبح مطلوبًا في الأدلة الجنائية، يبحثون عنه لكي يُحوّلوه إلى فضيلة المفتي ليرى إعدامه أم شيئًا آخر. فدخل على فرعون، وبعد ذلك يقول له ماذا؟ قال:

﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: 18]

يعني: يا ابني ليس هكذا، اتّقِ الله! أين أنت يا فرعون؟ ألا تقتله بالنظرة؟ لا يستطيع!

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

سبحانه وتعالى. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.