سورة آل عمران | حـ 365 | آية 14 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 365 | آية 14 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يشرح النص الآية الكريمة "زين للناس حب الشهوات" في سورة آل عمران، مبيناً أن هذه الشهوات محرومٌ منها أغلب البشر.
  • أوضح أن رغبات الإنسان غير محدودة في النساء والبنين والثروات، فحددها الله تعالى لمصلحة العباد.
  • ابن آدم لا يشبع من الدنيا حتى لو امتلك واديين من ذهب لطلب ثالثاً، ولا يملأ جوفه إلا التراب.
  • شهوة الملك أصبحت مستقلة عن التمتع بما يُملك، فصارت الشهوة في الرقم ذاته.
  • استخدام "ذلك" في الآية "ذلك متاع الحياة الدنيا" يفيد العظمة في لغة العرب.
  • "ذلك" إشارة للبعيد وفيها تعظيم، إما حقيقي كما في "ذلك الكتاب لا ريب فيه"، أو وهمي كما في "ذلك متاع الحياة الدنيا".
  • الله يخاطب العرب على قدر عقولهم، فيقول "ذلك" لما يعظمونه ليخبرهم بحقيقته.
  • كلمة "عند" في "والله عنده حسن المآب" ظرف له معانٍ متعددة في لغة العرب.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

افتتاح الدرس والدعاء مع بداية تفسير آية زين للناس حب الشهوات

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا وعلمنا مرادك من كتابك.

ومع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقصّ علينا قصة الفطرة التي فطر الناس عليها والخلق الذي خلقه سبحانه:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 14]

الفرق بين ذلك وهذا في الإشارة إلى البعيد والقريب ودلالة استخدام ذلك في الآية

و"ذلك" إشارة للبعيد، و"هذا" إشارة للقريب، والكلام [عن الشهوات المذكورة في الآية] قريب.

فلماذا يقول "ذلك" [بدلًا من "هذا"]؟ قال: لأن هذه الأشياء [المذكورة من النساء والبنين والقناطير] محروم منها أغلب البشر؛ يعني أغلب البشر ليسوا أغنياء، وإنما هو مُزيَّن له. ماذا [زُيِّن له]؟ فكل هذا مُزيَّن له؛ النساء ومحروم من النساء.

شهوة النساء والبنين وكيف حدد الشرع حدود الإنسان فيها

ما نحن لو تركنا الرجال على هواهم، كل واحد يريد أن يتزوج مائة، مائتين، ثلاثمائة! فحدّدها ربنا، قال له: قف عند حدّك، إذن كفى هكذا، ستضيع وقتك ووقت الدنيا وتخرب الدنيا.

البنين: كل واحد يريد أن يكون عنده ستون واحدًا، سبعون واحدًا، عِزوة [أي كثرة وقوة].

شهوة المال والذهب وحديث لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب

القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، كل واحد لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.

ما هذا [المعنى]؟ قال:

قال النبي ﷺ: «لو أن لابن آدم واديًا من ذهب لطلب ثانيًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب»

وادٍ [أي] مساحة شاسعة من الأرض تبلغ ألفًا أو ألفين فدان هكذا ذهب، ألفا فدان الأرض كلها ذهب، لطلب ثانيًا! الله، طيب.

شهوة التملك المستقلة عن التمتع وحقيقة لذة الأرقام عند الإنسان

وماذا ستفعل بكل هذا الذهب؟ هذا الذهب لو أردت أن تنفق منه كل يوم قنطارًا فلن ينفد. فأصبحت شهوة المُلك شهوة مستقلة لا علاقة لها بالتمتع؛ كم لديّ؟ أصبحت شهوة مستقلة لا علاقة لها بأنه ليس لديّ كم [أحتاج].

كيف سأتمتع بها إذن؟ آكل، أشرب، أسافر، أعمل... لا، ليست القضية هكذا، لم تعد كذلك. هذه القضية أصبحت: أنا ما حجم ما أملك؟ كم الرقم؟ هذه لذة في حد ذاتها.

بُعد الشهوات عن أغلب الناس وسبب استخدام ذلك للإشارة إلى البعيد

حسنًا، لا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب. "ذلك" لأنه يعني ليس كل واحد لديه وادٍ من ذهب، ولا لديه قناطير مقنطرة من الذهب والفضة.

وخيلٌ ليس مجرد حصان واحد؛ هذا الذي يملك حصانًا واحدًا يفرح حتى لو كان يجرّ عربة كارو! فما بالك بالخيل المسوّمة؟ مزرعة خيول! فيصبح هكذا يمشي متبخترًا في الأرض، وعندما تقول له شيئًا يقول لك: ألا تعرف مع من تتكلم؟ إنني أملك مزرعة خيول! حسنًا.

دلالة ذلك على التعظيم في نفس العربي وكيف يخاطبه الله على قدر عقله

ولذلك ولأن هذا [المذكور من الشهوات] بعيد [عن أغلب الناس]، رقم اثنين: العربي عندما يسمع كلمة "ذلك" يحدث عنده شعور بالعظمة، وهو يُعظّم هذه الأمور ويعتبرها من ملامح القوة والصدارة.

فالله يخاطبه على قدر عقله، يقول له: "ذلك" الذي أنت تُعظّمه هذا وتتباهى به:

﴿ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 14]

يعني ذلك الذي أنت تراه عاليًا جدًّا، هذا هو متاع الحياة الدنيا.

قاعدة تفسيرية في دلالة ذلك على العظمة الحقيقية أو الوهمية بحسب السياق

"ذلك" يقول لك ماذا؟

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]

"ذلك" أول ما يقول له "ذلك" يكون في عظمة، هكذا صفته ما هي؟ لا ريب فيه، هدى للمتقين. ما زالت العظمة. وعندما يأتي يقول لك:

﴿ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ﴾ [السجدة: 6]

نعم، ما زال هناك عظمة. إذن هكذا هي [القاعدة]: عندما تأتي ["ذلك"] لتشير إلى القريب فيكون معناها العظمة.

التفريق بين التعظيم الحقيقي والوهمي في استخدام ذلك من خلال ما بعدها

"ذلك" أن العظمة موضوعة هكذا لكي تشير إلى البعيد، ولكن هذه [في بعض الآيات] أشارت إلى القريب. وإذا أشارت إلى القريب فإن فيها عظمة. هذه العظمة إما حقيقية وإما باعتبارك أنت [أي باعتبار المُعتبِر]؛ أنت ترى أن هذا عظيم، أي وبعد ذلك.

فإما أن يُقرّها لك [الله تعالى]:

﴿ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ﴾ [السجدة: 6]

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: 2]

وإما أن يسحبها منك ويُفهمك أن:

﴿ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [آل عمران: 14]

تطبيق قاعدة ذلك في التفسير والتفريق بين التعظيم الحقيقي والوهمي بالنظر لما بعدها

فعندما تجلس في "ذلك" تمسكها هكذا وتقف عندها: هي أشارت هنا إلى بعيد أم قريب؟ إلى بعيد. إذن هي من بابها هكذا، هو صحيح هكذا أو على قريب.

فلماذا إذن؟ يجب أن تسأل؛ لأن في "ذلك" تعظيمًا. فهل هو تعظيم حقيقي أم وهمي؟ انظر إلى ما بعدها ماذا يفعل: فما بعدها يُقرّ العظمة فيكون حقيقيًّا، وأما ما بعدها يسحب العظمة يكون وهميًّا.

وهكذا افهم هذه القاعدة التي يريدون أن يُفهموها من قواعد التفسير؛ إنها قاعدة من قواعد التفسير.

معنى عند في قوله تعالى والله عنده حسن المآب ومعانيها المتعددة في اللغة

﴿ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ﴾ [آل عمران: 14]

"عند" هذه يُقال عنها ظرف. ظرف ماذا إذن؟ هناك ظرف مكان وظرف زمان. قيل والله هذه تصلح للاثنين.

"عند" هذه بالتحديد لها معانٍ كثيرة في لغة العرب. أهل النحو والمدققون يقولون لها ثمانية معانٍ. نحن إذن أناس بسطاء هكذا، سنرى لنا معنيين، ثلاثة، أربعة، حتى خمسة، ولكن يعني ثمانية! قال: أه، "عند" لها معانٍ كثيرة.

وإلى لقاء آخر نتحدث عن "عند". نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.