سورة البقرة | حـ 340 | آية 282 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 340 | آية 282 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • يوضح قوله تعالى "ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا" وجوب تلبية الشهود لاستدعاء القاضي دون تأخير.
  • هذا المبدأ ينطبق على كل الأعمال الخيرية وخاصة الشهادة، فيجب نفع الآخرين وعدم كتم الحق.
  • إنقاذ الغريق واجب حتى لو كان المرء منشغلاً بأمر آخر، بل ويجوز قطع الصلاة لإنقاذه.
  • تحريم قول "أف" للوالدين يعني تحريم ما هو أكبر من ذلك كالضرب والإيذاء من باب أولى.
  • تحريم أكل مال اليتيم يشمل أيضاً إتلافه بالحرق، بل إن الإتلاف أشد وأخطر لاقترانه بالحقد.
  • أمر الله بكتابة الديون صغيرة كانت أم كبيرة لمنع النزاعات والخلافات.
  • يستنبط من هذه الأحكام قاعدة: إذا حرم الشيء الأصغر فالأكبر منه أشد تحريماً، وإذا وجب الأقل فالأكثر أهمية أولى بالوجوب.
  • هذه قواعد في فهم النصوص تعتمد على القياس والاستدلال بالمعنى.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

افتتاح الدرس والدعاء مع بيان وجوب تلبية الشهود لاستدعاء القاضي

اللهم اشرح صدورنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وافتح علينا فتوح العارفين بك.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى في آية الدَّين، يقول بعد أن انتهى من [الحديث عن] الشهادة:

﴿وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]

هذه وحدها قضية كبيرة؛ ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، إذن الذين شهدوا لا بد عليهم أن يلبوا استدعاء القاضي إذا دعاهم للشهادة، ولا يجوز لهم أن يتأخروا أبدًا.

هل وجوب عدم التأخر مختص بالشهادة أم يشمل كل نفع للمسلم

فهذا [الحكم المذكور] في الشهادة، فهل هذا يكون في كل نفع أم هو مختص بالشهادة فقط؟ قال: هذا يكون في كل نفع وخاصة في الشهادة.

لماذا؟ لأن الشهادة هي المنصوص عليها وهي التي ذكرها الله سبحانه وتعالى، فإذا كانت مثلًا فهي أعلى الأفعال التي تُطالَب بها ألا تتأخر عن نفع أخيك.

فيجب عليك أن تنفع أخاك، ويجب عليك أن تقول الحق، ويجب عليك ألا تكتم هذا الحق فتضيع الحقوق على الناس بكل وسيلة أن تنفع أخاك.

وجوب إنقاذ الغريق حتى لو كنت في الصلاة وأصله من آية الشهادة

أنت تعرف السباحة ورأيت شخصًا يغرق وأنت مشغول، هل تجلس تكمل صفحة القراءة أم تنزل لتُحضره؟ أواجبٌ عليك أم ليس واجبًا؟ قال: واجب عليك.

قال: حسنًا، افترض أنك كنت تصلي، قال: تقطع صلاتك وتنزل لتُحضره وتُلحقه.

قال: يا الله، من أين هذا الكلام؟ أين في القرآن إذا رأيتم رجلًا يغرق فإنكم تنزلون وتتركون أعمالكم؟ قال: قوله تعالى:

﴿وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]

الله يبقى إذن إنقاذ الغريق واجب. من أين يأتون بهذا؟ من ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾.

بيان أن إنقاذ الغريق أولى من أداء الشهادة بالقياس الأولوي

قالوا: لماذا؟ قال: هو ربنا أوجب هذا، ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، احذر أن تتأخر. عندما تتأخر عن المحكمة لا تذهب هذا اليوم وتعتزل وتذهب اليوم التالي، هل سيحدث شيء؟ لا، لكن الله حرّم عليك هذا.

فما بالك بالمسكين الذي سيغرق؟ فيكون المثال الذي أتينا به أعلى من النص الموجود، والاثنان يشتركان في ضياع الحقوق.

فيجب أن تقول إنه يجب أن تُنقذ الغريق؛ لأنه إذا كانت الشهادة لا يجوز تركها، فإنقاذ الغريق من باب أولى لا يجوز تركه. عقلك منظم هكذا [بالقياس الأولوي].

النهي عن التأفف للوالدين وبيان أن الضرب أشد حرمة بالقياس

﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]

إياك أن تقول لأبيك وأمك الألف والفاء التي هي أصغر كلمة «أف»، والتي تخرج ربما غير مقصود بها شيء، هذا صوت «أف» يعني صوت. فيقول لك لا تقلها.

الحكاية الصغيرة هذه، إن كانت كلمة تفيد التضجر والملل، أو إذا كانت تعني شيئًا خرج من فمك هكذا، لا تقولها أمام من؟ أبيك وأمك.

قال: فهل يجوز أن تضربهما؟ هل يجوز أن تمسكهما وتضربهما يعني؟ قالوا: لا، هذا الإيذاء في الضرب هذا شيء لا يتصوره عقل عاقل، ابنٌ يضرب أباه وأمه، ما هذا؟ ما هذا الفساد؟

استنكار ضرب الوالدين وبيان اشتراك التأفف والضرب في الأذى والإهانة

هذا شيء لا من غير المعقول أن يضرب أحدٌ أمه، وعندما يحدث أن يجنّ أحدٌ أو يُصاب في عقله ويمد يده على أبيه، تجد الناس تلعنه وتقول لعنك الله، وتخرج هذا من أفواههم بسرعة.

فما الذي اشتركت «أف» فيه مع الضرب؟ في الأذى والإهانة، والضرب أشد بطبيعة الحال؛ لأن الولد ملّ من نفسه وتعالَ فقال «أف».

وربنا قال له أيضًا لا تقل هكذا، أقل شيء هذا لا تقله. إنما الضرب أذى كبير جدًا وبلاء كبير ومصيبة كبيرة.

حرمة إتلاف مال اليتيم بالحرق أشد من أكله بالقياس الأولوي

قال لك:

﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: 152]

طيب، وبعد ذلك قال [أحدهم]: وبعد ذلك قال أنا لن آكله سأحرقه. أنت مزعج صحيح، حسنًا.

هذا إذا كان أحدٌ سرقه وأكله فهو قد استفاد منه يعني أكله، لكن أنت تحرقه. ما رأيك أنه اشترك مع الطعام في الضياع؟ لأنه ضاع؛ طعامه ضاع، حرقه ضاع.

لكن الأكل له معنى [وهو الانتفاع]، لكن الحرق هذا معناه أنك حاقد أم حاسد أم قلبك أسود. في الطعام يمكن أن يقول لي: ما عليه، ما أنا أكلت به أستفيد يعني. لكن في الحريق تستفيد في ماذا؟

خلاف العلماء في التسوية بين أكل مال اليتيم وحرقه وترجيح أن الحرق أشد

ولذلك بعض العلماء قالوا: ماذا؟ قالوا: هذان الاثنان مثل بعضهما البعض، الطعام مثل الحريق.

نحن لسنا معهم في ذلك، لا، بل الحريق أشد؛ لأن الحريق هذا معناه أنه حقد زائد ضياع، هو أشد. هو متساوٍ معه في ماذا؟ في الضياع. وهكذا، حسنًا.

وجوب الاهتمام بتسجيل الديون صغيرها وكبيرها والختام

قال:

﴿وَلَا يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]

طيب:

﴿وَلَا تَسْـَٔمُوٓا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا﴾ [البقرة: 282]

يقول لنا: يجب أن نهتم بالتسجيل [تسجيل الديون]؛ تتسع التجارات، تتسع المديونيات، يتعدد المدينون، وبعد ذلك سنقع في بعضنا البعض.

﴿إِلَىٰٓ أَجَلِهِ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَـٰدَةِ وَأَدْنَىٰٓ أَلَّا تَرْتَابُوٓا﴾ [البقرة: 282]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.