سورة البقرة | حـ 338 | آية 282 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية الكريمة في سورة البقرة تقر بمشروعية توثيق الدين، وهذا التوثيق قد يكون إرشاداً أو مندوباً أو واجباً حسب اختلاف العصور.
- •أسس المسلمون نظام الشهر العقاري تطبيقاً لقوله تعالى: "وليكتب بينكم كاتب بالعدل"، فهذا النظام مستمد من القرآن الكريم وليس مستورداً.
- •تطور نظام الشهود والتوثيق عبر الزمن، فبعدما كان يوجد عدد كبير من الأشخاص المؤهلين للتوثيق، أصبح عددهم قليلاً مع مرور الوقت.
- •الشهر العقاري يجب أن يتبع العدل، والعدل يتبع القاضي الذي يحكم بين الناس بالعدل امتثالاً لأمر الله تعالى.
- •للقاضي وظيفتان: حل النزاعات بين الناس، والإثبات وتوثيق العقود.
- •يحرم على الكاتب الامتناع عن الكتابة حسب قوله تعالى: "ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله"، وهو ما يعرف حديثاً بجريمة إنكار العدالة.
- •يجب على الكاتب تسجيل الحق كاملاً دون نقصان.
مقدمة وتلاوة آية المداينة في سورة البقرة وبيان حكم الكتابة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَٱكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]
يعني يُقِرُّ [الله سبحانه وتعالى] بالإثبات وبأن الإثبات مأذون فيه. وهذا الإثبات قد يَرِد في عصرٍ فيكون على سبيل الإرشاد، وقد يَرِد في عصرٍ فيكون مندوبًا أشدَّ من الإرشاد، وفي عصرٍ آخر يكون واجبًا؛ والفعل واحد: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾.
الكاتب بالعدل وتطوره إلى نظام السجل العقاري عبر التاريخ الإسلامي
﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]
يبقى إذا هذا الذي يكتب بين الناس، الذي نحن الآن عملناه، ما هو [إلا] السجل العقاري. وكان قديمًا أول ما ينزل القاضي البلدة -كما يقول التنوخي في كتابه [مشوار المحاضرة]- يقوم بالبحث عن الشهود؛ يبحث عن السجل العقاري: من هم الأشخاص الذين سنجعلهم شهودًا يذهب إليهم الناس من أجل عمل العقود؟
ويختار هذا الشيخ وهذا الشيخ وهذا الشيخ. قال: فكنا نجد في القرية أكثر من أربعين يصلحون لكتابة العدل؛ لأن يكون كاتب عدل، يجدون أربعون نفرًا.
تغير الأزمان وقلة الشهود الصالحين لكتابة العدل بين الناس
ثم اختلف الزمان حتى دخلنا القرية فلا نجد إلا الواحد أو الاثنين؛ يعني يجدون الاثنين وهم يريدون أن يُكمِلوا شاهدَيْن، فيجدون الشهود بالكاد بعد مُضِيِّ مائة سنة أو مائة وخمسين سنة.
اختلف الحال، والله هذا يعني أن العصور تختلف؛ ولذلك المسلمون دائمًا تطبيقًا لهذه الآية اخترعوا الشهر العقاري.
أصل نظام الشهر العقاري مستمد من القرآن الكريم لا من غير المسلمين
وأحدهم يقول لي: لا، إن الشهر العقاري هذا موجود لا أدري ماذا [يقصد]. فالشهر العقاري موجود في القرآن ها هو، هم الذين أخذوه منا وليس نحن [من أخذناه منهم].
ها هو يقول، ها هو:
﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]
وله قصة وله تطور عبر التاريخ. لماذا ننكر الواقع؟ هل تنتبه؟ يقول لك: هذا نظام آخر أنتم أخذتموه منه. كيف ونحن آخذوه من القرآن؟ ها هنا، ما انسلخ المسلمون من دينهم قط، وإنما عاشوا عصرهم. نعم.
تبعية الشهر العقاري للقاضي الذي يحكم بين الناس بالعدل
انتبه إلى هذه المعاني:
﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]
فذهب [المسلمون] مُحوِّلًا إياها إلى مؤسسة اسمها الشهر العقاري. حسنًا، لكي يقوم الشهر العقاري هذا بعملٍ منظَّمٍ، يجب أن يتبع من؟ يتبع العدل.
والعدل هذا تابع لمن؟ تابع لحضرة القاضي؛ فالقاضي هو الذي يحكم بين الناس بالعدل:
﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِٓ﴾ [النساء: 58]
فيكون إذن الحاكم بالعدل هو القاضي؛ ولذلك نجعل الشهر العقاري تابعًا لحضرة القاضي. أأنت فاهم؟ بالله.
وظيفتا القاضي: حل النزاعات وتوثيق العقود وإثبات صحتها ونفاذها
وهذا ما معناه؟ معناه أنه يمكن أن تذهب إلى حضرة القاضي لكي توثِّق العقد الذي لم تعرف أو لم ترضَ أن توثِّقه في الشهر العقاري.
هل القاضي يوثِّق؟ قال: نعم، للقاضي وظيفتان: الوظيفة الأولى حل النزاعات بين الناس، والوظيفة الثانية الإثبات.
ولذلك يقول لك: ما هو صحة ونفاذ عقد؟ الصحة والنفاذ هذا يعني ماذا؟ يعني أن هذا العقد صحيح وإثباته موجود. فنذهب لنقوم بإثبات صحة التوقيع، ونقوم بالصحة والنفاذ، ونقوم بالإثبات، ونقوم بكل هذه الأمور عند حضرة القاضي.
وهي قوله تعالى:
﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِٱلْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]
جريمة إنكار العدالة والامتناع عن إجراء الكتابة والشهادة بين الناس
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
التي هي جريمة الآن عرفتها المحافل الدولية، وهي جريمة الامتناع عن إجراء العدالة، وهذه يسمونها رَدّ العدالة. هذه جريمة دولية.
تصوَّر كيف: ذهبتَ إلى القاضي فقلتَ له: يا حضرة القاضي، أنا أخاصم أخي هذا في شيء، واستمع إليَّ لتحكم بيننا. فقال: أنا لن أحكم بينكم! هذا اسمه إنكار العدالة.
إنكار العدالة هذا، فماذا أفعل أنا الآن؟ لقد خنقتني هكذا، فإلى من أذهب إذن؟ إن إنكار العدالة جريمة.
النهي القرآني عن إنكار العدالة والامتناع عن أداء الشهادة وتثبيت الحقوق
فماذا يقول كتابنا [القرآن الكريم] هنا؟ يقول:
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
إياك أن تنكر العدالة، إياك أن تمتنع عن أداء الشهادة وإقامة العدل بين الناس وتثبيت الحقوق؛ وإلا كنت مجرمًا وكنت مرتكبًا لذنبٍ أمام الله.
﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ وَلْيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: 282]
لا بدَّ من ذلك؛ يجب أن يكتب، ما هو ليس باختياره، وإلا كان مجرمًا.
النهي عن بخس الحقوق والفرق بين لا الناهية ولا النافية في الآية
ويجب أن يُسجِّل الحق ولا يبخس منه شيئًا.
﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْـًٔا﴾ [البقرة: 282]
لا يبخس، أي ينهاه هو [الله سبحانه وتعالى]؛ لأنها ساكنة: لا يبخسْ منه شيئًا. ما هو؟ في "لا" ناهية وفي "لا" نافية، فهذه "لا" ناهية.
وما معناها؟ معناها أنه أمره بأن لا يفعل ذلك [أي لا يُنقِص من الحق شيئًا]. وما هو الأمر والنهي وجهان لعملة واحدة؛ إذا نهيتُك فقد أمرتُك. ولا يبخسْ منه شيئًا.
حكم إملاء الولي بالعدل إذا كان صاحب الحق سفيهًا أو ضعيفًا والختام
﴿فَإِن كَانَ ٱلَّذِى عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282]
آه، هذا كلام جديد وكلام آخر واسع [يحتاج إلى تفصيل في لقاء قادم].
ولذلك نستودعكم الله، وإلى لقاء آخر إن شاء الله. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
