سورة البقرة | حـ 322 | آية 270 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 322 | آية 270 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يوضح الله في القرآن الكريم أنه عليم بذات الصدور وأنه مطلع على سرائر الناس وأعمالهم.
  • الله يعلم النفقات مهما كانت قليلة، فلا ينبغي احتقار الصدقة ولو كانت بسيطة كشق تمرة.
  • أحب الأعمال إلى الله جهد المقل، فمن تصدق بنسبة كبيرة من ماله القليل أثقل في الميزان ممن تصدق بنسبة ضئيلة من ماله الكثير.
  • النذر نوعان: نذر مطلق وهو أن تجعل شيئاً في سبيل الله، ونذر معلق بشرط كقول: إذا نجح ابني سأتصدق.
  • كره النبي ﷺ النذر المعلق ووصف فاعله بالبخيل، قائلاً: "إنما يستخرج بالنذر من البخيل".
  • كان النبي ﷺ أجود الناس وخاصة في رمضان، وكان يدخر لأهله قوت عام لكنه ينفد سريعاً لكثرة عطائه.
  • من لا ينفق يظلم نفسه ولا يجد له نصيراً يوم القيامة.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

افتتاح الدرس والتعريف بالآية الكريمة من سورة البقرة عن الإنفاق

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، اللهم اشرح صدورنا للإسلام وافتح علينا فتوح العارفين بك.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270]

وهذه حقيقة إيمانية شرعية يوضحها الله لنا في القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا، وهو أن الله عليم بذات الصدور، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن الله ليس هناك حجاب يحجبه عن خلقه؛ بل إنه مطلع على الناس وعلى السرائر وعلى ذات الصدور وعلى أفعالهم وأعمالهم بالليل والنهار، وأنه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

صفة الرحمة الإلهية ومعنى الإنفاق من أي نفقة قلّت أم كثرت

بالإضافة إلى أنه رحمن رحيم، كما بدأ كل سورة في القرآن بهذه الصفة العظيمة سوى [سورة] براءة.

﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾ [البقرة: 270]

يعني قلّت أم كثرت. وما أنفقتم من نفقة، وما أنفقتم نفقة، لم يقل "من نفقة" حتى يبيّن جنس النفقة وإن قلّ ولو كان قليلًا.

حديث النبي ﷺ عن اتقاء النار ولو بشق تمرة وأهمية النية في العمل

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يدلنا على ألا نحتقر صغيرة:

قال ﷺ: «اتقوا الله، اتقوا النار ولو بشق تمرة»

نصف تمرة هكذا، فهو نصف تمرة، ماذا تفعل؟ إنها النيات.

قال ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»

فمرادك أن لا يهلك من أمامك [من الفقراء]، فأعطيته ولو نصف تمرة من أجل أن تمنحه طاقة ولا يموت، فتكون بذلك قد أحييت بني آدم ولو بالقليل.

معنى جهد المُقِلّ وكيف يكون أثقل في الميزان من الإنفاق الكثير

أحب الأعمال إلى الله جهد المُقِلّ. جهد المُقِلّ يعني ماذا؟ يعني أنا معي عشرة جنيهات التي في جيبي كلها، ذهبت فأعطيت منها ثمانية جنيهات للفقير؛ ثمانين في المائة من ثروتي أعطيتها للفقير.

واحد معه مليون جنيه أخرج عشرة آلاف جنيه، عشرة من المليون يبقى كم؟ واحد في المائة، وأنا ثمانون في المائة. فقط هذا أنا، ماذا؟ بالكاد ثمانية جنيهات وهو عشرة آلاف جنيه.

قُم، الميزان الخاص بي أنا يبقى ثقيلًا يوم القيامة إن شاء الله. لماذا؟ لأنه جهد المُقِلّ.

المقارنة بين ثواب المُقِلّ وصاحب المال الكثير في ميزان الأعمال

هو نعم ثمانية جنيهات في عشرة في سبعمائة [حسنة]، لن تأتي كذلك العشرة آلاف، ولكن العشرة آلاف من أي شيء؟ من صاحب الكيلو أم الرطل، والآخر من صاحب الوقية؟ أي تختلف الموازين.

أحب الأعمال إلى الله يكون لها ثقل في الميزان: جهد المُقِلّ، أي بذلت جهدي. ما دمت تبرعت بثمانين في المائة من ثروتي، هو ماذا فعل؟ ولا شيء! دفع جنيهًا كل ألف مثلًا، لو ألف أو عشرة جنيهات من كل ألف، فيصبح واحد في المائة.

كثر خيره وسيُثاب كل شيء، وسيأخذ الرقم عشرة آلاف في عشر حسنات فيصبح مائة ألف حسنة وكل شيء، لن يُغضَب يعني، ولكن من النوع الخفيف قليلًا هكذا. ولكن أبو ثمانية جنيهات، ها هو من النوع الثقيل! سبحان الله.

معنى النذر المطلق والنذر المعلق وحكم كل منهما في الشريعة

﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ﴾ [البقرة: 270]

يعني كثرت أو قلّت، والله عليم بذات الصدور.

﴿أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ﴾ [البقرة: 270]

النذر أن تقول: أجعل هذا في سبيل الله، أنذر هذا [لله]. وفي نذر آخر وهو أن تعلّق أمرًا على أمر: إذا نجح ابني سأتصدق للفقراء، إذا أقام الله مريضي سأتصدق للفقراء، إذا فعل كذا وكذا حدث كذا [من] ترقية في العمل وهكذا.

والنبي عليه الصلاة والسلام كره هذا النوع من النذر [المعلّق]، وإن كان واجبًا أن توفيه بعد ما فعلته؛ الوجوب شيء [والكراهة شيء آخر].

والنبي قال:

«إنما يُستوفى بالنذر من البخيل»

يعني فلماذا لا تعملها لله هكذا من غير شرطك هذا؟

وصف النبي ﷺ لصاحب النذر المعلق بالبخل وجود النبي في الإنفاق

إلا إذا كان لازمًا تقول: لو حدث كذا فسيحدث كذا، هكذا هو، أنت بخيل يا أخي! فلماذا لم تتركها لله؟ حدث أو لم يحدث، فيكون ذلك من عندك وراحة هكذا.

النبي عليه الصلاة والسلام كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان كأنه الريح المرسلة عليه الصلاة والسلام. وكان يدّخر لأهله قوت عام، يضع مخزونًا لمدة سنة.

فإذا مضى الشهر أو الشهران لم يبقَ منه شيء! أنت منتبه؟ يعني خزّنوا كل هؤلاء [المؤونة]، ماذا؟ ضمنوا طعام السنة هذه. بعد شهرين لا تجد شيئًا؛ لأن هذا يطلب أن يعطيه، وهذا يطلب أن يعطيه، وهذا يطلب أن أعطيه، ولا يقول لا أبدًا! فكان أجود الناس، ولذلك علّم أتباعه أن يكونوا من أجود الناس.

أنواع النذر بين المطلق الواجب والمعلق المكروه ووصف فاعله بالبخل

والنذر الذي هو مطلق [كأن يقول: لله عليّ أن أتصدق بكذا] لا بأس به وهو واجب [الوفاء به]. والنذر المعلّق بفعل شيء، هذا [يسمى نذر] اللجاج؛ لو فعل كذا لكان كذا.

فما هذا؟ النذر [المعلّق] مكروه عند سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث وصف فاعله بأنه بخيل.

علم الله بالإنفاق يقتضي الإكرام والثواب وعاقبة الظالمين البخلاء

﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270]

حسنًا، وعلم الله هذا يقتضي ماذا؟ يقتضي إكرامه وثوابه؛ لأنه لمّا يعلم أن أنت فعلت الخير قُم يجعلك تفلح:

﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]

يُفلحوا ويعطيك أجرًا في الآخرة.

﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: 270]

﴿وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: 270]

يبقى الذي لا ينفق ظالمًا. قد ظلم من؟ ظلم نفسه! وماذا يجد يوم القيامة بعد أن بخل على نفسه؟ لا شيء؛ فقد ظلم نفسه ولا يجد لنفسه نصيرًا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.