سورة البقرة | حـ 314 | آية 260 - 261 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 314 | آية 260 - 261 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • تفسير قصة سيدنا إبراهيم في سورة البقرة حين طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى، فأمره بأخذ أربعة من الطير وذبحها وتقطيعها ووضع أجزائها على جبال مختلفة ثم دعوتها فتأتي سعياً.
  • المغزى من هذه المعجزة هو إثبات قدرة الله على إحياء الموتى بصورة حقيقية وليست مجازية.
  • اختتام الآية بـ"عزيز حكيم" وليس "عليم خبير" إشارة إلى أن القضية ليست مجرد علم بل امتثال وتقوى.
  • رفض التأويلات الباطلة لهذه القصة التي تحاول صرفها عن ظاهرها إلى معانٍ غير مقصودة.
  • ضرورة تقديم الحقيقة على المجاز في تفسير القرآن ما لم توجد قرينة تمنع ذلك.
  • ربط الآية بمفهوم الإنفاق في سبيل الله الذي يشمل مجالات البحث العلمي وبناء الجامعات والمعامل، وليس فقط بناء المساجد ورعاية الأيتام.
  • أهمية ربط العلوم بالله والتوصل إليه من خلال البحث العلمي.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية سؤال إبراهيم عليه السلام عن إحياء الموتى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يخاطب سيدنا إبراهيم [عليه السلام] لما سأله اليقين وطمأنينة القلب:

﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260]

تفسير المفسرين لمعنى فصرهن إليك وكيفية تنفيذ الأمر الإلهي

﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260]، يعني ماذا إذن؟ فصرهن إليك؟

فالمفسرون يقولون: اذبحهن وافرمهن واجعلهن جميعًا في مكان واحد، وخذ ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا؛ خذ جزءًا من هنا وضعه على هذا الجبل، وهذا الجبل، وهذا الجبل، وهذا الجبل.

﴿ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: 260]

فبذلك رأى [سيدنا إبراهيم عليه السلام] بعينيه كيف يحيي الله الموتى، حقيقةً أو خيالًا ومجازًا ومنامًا؟ حقيقة، حسنًا.

دلالة ختام الآية بعزيز حكيم بدلاً من عليم خبير

وهذا لماذا؟

﴿أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259]

﴿وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260]

لم يقل عليم خبير، قال عزيز حكيم. فإنك عندما تبحث البحث العلمي وترى الله سبحانه وتعالى وراءه، ثم لم تنفذ [أوامره] بعد ذلك، فإن الله عزيز حكيم.

فنهاية الآية غريبة جدًّا؛ لأن عزيز حكيم هذه معناها أنه قوي، وأنه سيحاسب، وأنه ما فعل هذا عبثًا. والقضية ليست قضية علم فحسب، هذه قضية امتثال وتقوى بعد ذلك، والعلم هذا أمر سهل في الطريق.

رد تأويل الفرق الضالة لقصة إبراهيم بتربية الحمام

بعض الناس من الفرق الضالة قالوا: لا، نحن ننفي هذا الظاهر، هذا الكلام الظاهر ننفيه. قال فما الذي يريدونه؟ قال: إنه يقصد أن تأخذ أربعة حمامات وتربيها عندك، برج الحمام الخاص بك، وبعد ذلك ضع واحدة هنا وواحدة هنا وهكذا، وبعد ذلك صفّر لها أو اعمل لها بالعلم الأحمر هكذا، فستجدها تأتي إليك.

وهذا [التأويل عندهم] يدل على أنك إذا ربيت أحدًا فأنت تملكه وتعرف، كما يقولون في المثل الشعبي: زوجك على ما عوّدتيه وابنك على ما ربّيتيه، فأمر كهذا.

فهل يصلح هذا في تفسير آيات الله؟ آيات الله الأصل فيها الحقيقة ببساطة.

بطلان التأويل المجازي لقصة إبراهيم ووجوب تقديم الحقيقة على المجاز

ثم إذا كان الأمر كذلك [مجرد تربية حمام]، فلماذا سيدنا إبراهيم يسأل ربنا؟ وربنا سبحانه وتعالى يوحي إليه، يعني ما لزوم هذه القصة الطويلة العريضة؟ هذا نبي وهذه معجزة، ولكنها معجزة نحن نأخذ منها الهداية لحياتنا؛ بوجوب البحث العلمي، وبربط المعلومات بالله، وأنه لا بد في النهاية أن توصلنا إلى الله. فإذا وقفت وقصرت بنا عن الوصول إلى الله فليست على مرتبة العلم كما ينبغي أن يكون.

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

إذن هذا النوع من أنواع التأويل باطل؛ لأنه لا يتسق مع جلال النبوة، ولا يتسق مع معجزات الأنبياء، ولا يتسق مع ختام الآية، ولا يتسق مع السؤال أصلًا، ولا يؤخذ منه شيء؛ لأنه أمر معتاد وتحصيل حاصل وكلام عبث.

قاعدة تقديم الحقيقة على المجاز في تفسير كتاب الله

إذن لا بد علينا كقاعدة في الاطلاع وتفسير كتاب الله وتأويله أن نقدم الحقيقة على المجاز، ولا نلجأ إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة، إلا بوجود علاقة، إلا بوجود قرينة، إلا وهكذا [من شروط المجاز المعتبرة عند العلماء].

آية مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله وعلاقتها بالسياق السابق

يقول سبحانه وتعالى:

﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَٱللَّهُ يُضَـٰعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]

إذن هذا معنى جديد، فكيف نربطه بما مضى؟ الذي مضى ماذا يقول فيه؟

﴿ٱللَّهُ وَلِىُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ﴾ [البقرة: 257]

نقول فيه:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِـمَ فِى رَبِّهِٓ﴾ [البقرة: 258]

نقول فيه:

﴿أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: 259]

فما علاقة الإنفاق بهذا الكلام؟ هذا الكلام يتحدث عن الدعوة، يتحدث عن المحاورة والمجادلة بالتي هي أحسن، يتحدث عن اليقين بالله وعن البحث العلمي وعن ربط العلوم بالله والتوصل إليه. إذن هذه مجالات الإنفاق في سبيل الله.

أهمية الإنفاق في البحث العلمي وبناء الجامعات لا في المساجد فحسب

فنجد الآن الناس تنفق في بناء مسجد بكثرة، في رعاية يتيم وهو أمر مهم، بناء المسجد مهم ورعاية اليتيم مهم، لكن قليلًا من الناس من يصرف ماله في البحث العلمي، في بناء الجامعات والمعامل، في شراء الحاسوب، في التدريب، في نحو ذلك مما يفيد الأمة ويفيد مستقبلها.

وهنا معجزة [في الآية]:

﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 261]

فأين هم حتى تتضاعف سبعمائة ضعف؟ هذا ما كنا نقوله في العلم وفي الدعوة إلى الله.

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.