سورة البقرة | حـ 318 | آية 266 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 318 | آية 266 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح القرآن الكريم دستور الإنفاق من خلال مثال الجنة في سورة البقرة، حيث يصور مصيبة مركبة لرجل كبير السن له جنة مليئة بالنخيل والأعناب.
  • الجنة تعني الكثافة والستر، وتمثل الأمن الغذائي للإنسان، فالنخيل يأتي بالتمر وهو قوت مدخر أساسي، والعنب يصنع منه الزبيب المدخر.
  • تجري الأنهار تحت الجنة مما يوفر المياه، ويوجد فيها من كل الثمرات التي تظهر حسب مواسمها، مع أن النخيل والأعناب هما القوت الأساسي.
  • المصيبة تتفاقم بأربعة عوامل: إصابة صاحب الجنة بالكبر فلا يستطيع إعادة بنائها، ووجود ذرية ضعاف في مسؤوليته، وإصابة الجنة بإعصار فيه نار، واحتراقها بالكامل.
  • الآية تدعو لإعمال العقل عند الإنفاق والتفكر في مصير من يفقد كل شيء، لتجنب الوقوع في مثل هذا المصير.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة في دستور الإنفاق في القرآن الكريم من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يضع لنا دستور الإنفاق في القرآن في سورة البقرة:

﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَٱحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266]

هذه مصيبة، ما هذه؟ مصيبة كبيرة هكذا! هذه مصيبة مركبة؛ لأن الذي احترق ليس بالشيء الهيّن ولا التافه حتى لا يحزن الإنسان عليه.

معنى كلمة الجنة في اللغة العربية واشتقاقاتها

بل إن الله قد رزقني بجنة، والجنة معناها الكثافة والكثرة؛ لأنها تستر ما فيها. فلما جنّ الليل يعني ستر الليل ما فيه، ومنه سُمّي الجانّ جانًّا، وسُمّي الجنين جنينًا، وسُمّيت الجنة جنة، وسُمّي الجنون بذلك؛ لأن فيه سترًا وخفاءً.

النخيل والأعناب قوت مدخر يحقق الأمن الغذائي للإنسان

﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: 266]

النخيل يأتي بماذا؟ بالتمر. والتمر قوت وليس فاكهة فحسب، التمر قوت مدخر وليس قوتًا موسميًّا فحسب، بل هو: أولًا قوت، وثانيًا مدخر.

وما معنى ذلك؟ معناه أن البلح فيه قوام الإنسان، ولذلك فُرضت فيه الزكاة. أما الثاني فالعنب قوت مدخر؛ يصنعون منه الزبيب ويدّخرونه طوال العام، والبلح يصنعون منه العجوة ويدّخرونه طوال العام ويأكلون منه ويكتفون بذلك.

طعام العرب من اللحم واللبن والتمر والزبيب غذاء كامل

كان طعام العرب عبارة عن اللحم واللبن يشربونه، والبلح والتمر الذي هو البلح والتمر هذا هو، والزبيب فقط. وعائش [الإنسان] على هذا غذاء كامل.

فيصبح إذا جنة من نخيل وأعناب فعلت ماذا؟ فعلت ما يُسمّى بـالأمن الغذائي، يعني أنا مطمئن أن طعامي وشرابي معي في جنتي، لن أمدّ يدي لأحد. أُعطي قطعة [من الثمر]، اطمئناني هي أن قُوتي أصبح ملكي.

تنوع الثمرات في الجنة من فواكه وموالح وأنهار تجري

طيب، ما [الذي في الجنة أيضًا]؟ ليس هناك هكذا [فقط نخيل وأعناب]، أيّ شجرة مانجو، أيّ شجرة موز، أيّ سبحان الله لا إله إلا الله! قليل من الموالح، التين، الزيتون، لا إله إلا الله! شيء هكذا أيّ [نعمة عظيمة]، لا!

فيها تجري من تحتها الأنهار، فيكون عندي المياه والجنة والنخيل والأعناب. والأنهار ليس يعطيني جمالًا فحسب، بل يعطيني أمنًا غذائيًّا؛ أنا أشرب وآكل وأعيش.

الفرق بين القوت المدخر والثمرات الموسمية في الجنة

﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ [البقرة: 266]

التي نقول عنها هذا هو التين والرمان والزيتون وما ليس بزيتون، والطماطم وهكذا، كل هذا موجود بإذن الله.

فلما كانت من نخيل وأعناب فما الحاجة من كل الثمرات؟ إن النخيل والأعناب قوت مدخر، ولكن من كل الثمرات هذا حسب موسمه؛ كالبطيخ تظهر في موسم، المانجو تظهر في موسم، لكن لا تظهر في الموسم الآخر. فيكون إذن وحتى لو ظهرت [بالتهجين]، عملوا تهجينات الآن تجعل المانجو تظهر طوال السنة، لكن ليس بقوت.

التمر غذاء كامل يمكن العيش عليه بخلاف الفواكه الأخرى

سبحان الله! لا يصلح أن يأكل أحد مانجو ويعيش هكذا، لكن يصلح أن يأكل تمرًا ويعيش. أليس هو الغذاء الكامل؟ هذا [المانجو] يمكن أن يعلّي اليوريك أسيد ويصنع حصوة، ولكن هنا ماذا؟

﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ﴾ [البقرة: 266]

يا له من شيء!

نعم الجنة المتكاملة من أمان غذائي ومتعة ونقاء وعسل النحل

حسنًا، وبعد ذلك أضف إلى هذا أيضًا. انتبه أنني الآن لديّ أمان غذائي، ومتعة في المنظر، ومتعة في التكامل، ولديّ جميع الثمرات، وهو جميل جدًّا.

وهذا يفعل ماذا؟ هذا الكلام يصنع نقاءً في الجو. تخيّل أنك أنت جالس الآن في جنة من النخيل والأعناب والمياه، كل الثمار حولك.

وماذا يفعل أيضًا؟ يفعل أن النحل يأتي ليأكل من هذه الأشياء ويأتيني بالعسل. يا الله ما هذه الحكاية!

إصابة الكبر تعني عدم القدرة على إعادة بناء ما فُقد

﴿وَأَصَابَهُ ٱلْكِبَرُ﴾ [البقرة: 266]

هذه هي القضية الرابعة: أنه لن يستطيع أن يفعلها مرة أخرى. يعني هذا نتاج حياته [كلها]، وأصابه الكبر؛ يعني شابٌّ يعملها مرة أخرى، ولكن الآن لن يستطيع أن يعملها مرة أخرى.

وأصابه الكبر أي أنه لن يستطيع أن يعمل شيئًا آخر أيضًا. فلنفترض أن المزرعة فشلت، فماذا أفعل وفي ماذا أتخصص إذن؟ لم يعد عندي عشرون سنة لأذهب وأتخصص في أيّ شيء، أو أتاجر أو أعمل، ولكنني لا أعرف. أي أنه انغلق عليه من كل جهة: من الزمن ومن القوة.

الذرية الضعفاء تزيد من ثقل المسؤولية على صاحب الجنة المحترقة

وله أيضًا رقم خمسة: ذرية ضعفاء، في مسؤوليات عليه؛ لأنه لو كان وحده لكان يقول: انتهى، توكلنا على الله، سأذهب أجلس في المسجد بقية حياتي وعلى الله. لا! هذه القضية متعلقة بأطفال في ذمته يجب أن يربّيهم ويجب أن [ينفق عليهم] ويلزم كذا وكذا.

الإعصار الناري يدمر الجنة بالكامل ولا يبقي منها شيئًا

القضية السادسة:

﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة: 266]

أصابها إعصار وفيه نار، قضى عليها النار. بعد ذلك دمار!

﴿فَٱحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة: 266]

ليس أصابها إعصار فيه نار وسكت؛ لأنه لو كان سكت فيكون معناه أي أنه يعني كان فيها شجرة أو شجرتان [نجتا]، قليل. لا! هذه احترقت [بالكامل].

التفكر في مثل الإنفاق بالمن والأذى وضياع الأجر كاحتراق الجنة

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: 266]

أعمل عقلك الآن وأنت تقوم بالإنفاق التي [تكون مصحوبة] بالمنّ والأذى، تكون مثل هذا المسكين الذي احترق كل شيء له وضاع في داهية.

فهل ترضى لنفسك هذا؟ انظر إلى الشعور وعِش فيه، وإذا كنت ترضى أن تتفضّل على الخلق وأنت تعطيهم الصدقات [فتذكّر هذا المثل].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.