سورة البقرة | حـ 316 | آية 264 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يوضح القرآن الكريم في سورة البقرة أن المؤمن عندما يتبع صدقته بالمن والأذى فإنه يبطلها.
- •المن هو التعيير والأذى هو ما يكسر خاطر الفقير.
- •يشبه الله المؤمن الذي يتبع صدقته بالمن والأذى بالمنافق الذي ينفق رياء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر.
- •ثم يشبه المنافق بالصفوان (الصخرة) عليه تراب قليل، فإذا أصابه مطر (وابل) تركه صلدا لا شيء عليه.
- •هذا تشبيه مركب: التراب القليل فوق الصخرة يمثل الصدقة القليلة فوق أساس من المن والأذى.
- •يوم القيامة، يزيل الحساب (كالمطر) أثر الصدقة ولا يبقى إلا المن والأذى الذي سيحاسب عليه الإنسان.
- •النتيجة: "لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين".
- •المؤمن الذي يمن ويؤذي تشبه بالكافرين في أفعالهم، فهو وإن كان مؤمناً في عقيدته، لكنه فعل فعلا من أفعال المنافقين.
مقدمة وتلاوة آية النهي عن إبطال الصدقات بالمن والأذى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَـٰتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلْأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264]
إذن لا بد علينا إذا ما قدمنا عملًا لله، من الصلاة، من الصيام، من الصدقة، ألا نُبطله. والإبطال يكون بالمنّ والأذى؛ فالمنّ هو التعيير [أي تذكير المُتصدَّق عليه بالفضل]، والأذى هو ما يكسر خاطر الفقير [من كلام جارح أو إهانة].
تشبيه من يمنّ بصدقته بمن ينفق رياءً ولا يؤمن بالله واليوم الآخر
كالذي ينفق ماله رئاء الناس؛ أنت وأنت تصدقت، أولًا تصدقت فسُئلت: أنت تُخرج هذا لماذا؟ قلت: لأن الله فرضه عليّ، هذه زكاة، أو لأنني أريد وجه الله، فقد عملت ذلك في سبيل الله.
وبعد ذلك أبطلت صدقاتك هذه بالمنّ والأذى، فيُقال لك إذن: ما الفرق بينك وبين الذي ينفق رئاء الناس؟ رياءً! ما الفرق؟ هو لأنه أنفق رئاء الناس ولم يكن في سبيل الله أولًا فلا يأخذ ثوابًا، وأنت لن تأخذ ثوابًا أيضًا، فتساويتَ في النهاية معه.
﴿وَلَا يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [البقرة: 264]
أنتما الاثنان مع بعض [في ضياع الأجر].
التشبيه المركب بين المؤمن المانّ والمنافق والصفوان
هذا المثال الأول؛ فيكون [المؤمن الذي يمنّ بصدقته] شبيهًا بمن أنفق في سبيل الله ثم أتبعه بالمنّ والأذى، فشبّهه بالمنافق الذي ينفق رئاءً وينفق مع عدم الإيمان بالله واليوم الآخر. شبّه المؤمن بالمنافق.
ثم شبّه المنافق تشبيهًا آخر، فيكون تشبيهًا كأنه تشبيه مركب؛ شبّه المؤمن بالمنافق، وشبّه المنافق بذلك المثل الذي سيضربه. قال:
﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: 264]
تبقى هذه بلاغة لم نعهدها شائعة في لغة العرب، أن يُشبَّه شيئًا بشيء ثم يُشبَّه هذا الشيء الآخر الذي هو المنافق بالصفوان [أي الصخرة الملساء]. نقول عليها ماذا هذه؟ إذن تشبيه مركب.
مثل الصفوان عليه تراب أصابه وابل فتركه صلدًا
يمكن أن نقول عليها ماذا؟
﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ [البقرة: 264]
صخرة وعليها تراب، إذن التراب هذا ليس شيئًا عميقًا؛ صخرة وعليها قليل من التراب هكذا. التراب ليس ثابتًا، ليس هو تربة الأرض التي فيها النخيل والزرع وما شابه، هذا قليل من التراب فوق صخرة هكذا.
صفوان عليه تراب، فأصابه وابل [أي مطر شديد]، نزل عليه قليل من المطر، وابلٌ فتركه صلدًا [أي أملسَ نظيفًا]، فأخذ قليلَ التراب ومسحه. إن المطر قد غسل الصخر، هكذا أصبحت صخرة حلوة [ملساء نظيفة] في أمانة الله، ما عليها ولا ذرة من التراب.
إسقاط مثل الصفوان على من يبطل صدقته بالمن والأذى يوم القيامة
هذا الذي سيحدث معك؛ أنك أنت بالأذى والمنّ جعلتهما هما الأساس، ووضعت قليلًا من النفقة والصدقات فوقهما، مثل التراب الذي لا أساس له.
جاء الحساب يوم القيامة كالمطر، فأزال الصدقة ولم يبقَ لك إلا الصخرة التي هي الأذى والمنّ. والأذى والمنّ ستُحاسب عليه؛ فبدلًا مما كان سيكون لك عند الله، أصبح عليك.
﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: 264]
هم أنفقوا، سيأتي [يوم القيامة] يقول له: يا رب أنا أنفقت مائة ألف جنيه ودفعتها يا رب في الدنيا، وأنت تقول بسبعمائة، فيكون لي سبعون مليونًا عندك، أنا أريد سبعين مليونًا!
ضياع ثواب الصدقة بالكامل وبقاء المن والأذى للحساب
يُقال له: أأنت غير مدرك [لما حدث] أم ماذا؟ أين السبعون مليونًا؟ أين المائة ألف التي أنفقتها؟ ابحث عنها! هكذا فيبحث فلا يجد إلا الأذى والمنّ.
إذن أين ذهبوا؟ من أين أتوا [أي كيف ضاع كل شيء]؟
﴿لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 264]
ولذلك قلنا إن هذا المثل إنما هو لمن لم يؤمن بالله واليوم الآخر، إنما هو لمن أنفق ماله رئاء الناس، ما هو بالمؤمن الذي ربنا يريد أن يجذبه إليه. فيبقى [المعنى أنه] شبّه المؤمن بالمنافق، وشبّه المنافق بالصخرة التي عليها التراب.
ختام الآية بتحذير المؤمن من التشبه بالكافرين في المن والأذى
ولذلك ونحن نتكلم في الصخرة التي عليها التراب، ختمها بماذا؟
﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 264]
فقال [المؤمن]: هذا أنا مؤمن! قال [الله]: نعم، أنت مؤمن تتشبه بالكافرين؛ أنت مؤمن في عقيدتك، في نيتك، في عطائك أولًا أنفقت في سبيل الله ولله، ثم أتبعت ما أنفقت منًّا وأذى، فمحا هذا العطاءَ وهذه الصدقةَ.
وأدخلت نفسك في مشكلة أخرى، وهي أنك قد فعلت فعلًا من أفعال المنافقين الذين لا يهديهم الله؛ لأنهم كفروا بالله واليوم الآخر، ولأنهم قبل ذلك أنفقوا مالهم رياء الناس.
خلاصة التشبيه المركب والدعاء بالتحلي بصفات أهل الجنة
يبقى إذن الختام:
﴿وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 264]
بيّن لنا ذلك التشبيه المركب [الذي شبّه فيه المؤمن المانّ بالمنافق، والمنافق بالصفوان الذي عليه تراب].
فنعوذ بالله من الخذلان، ونسأله سبحانه وتعالى أن نتصف بصفات أهل الجنة، وألا نتصف بصفات أصحاب النار.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
