سورة البقرة | حـ 299 | آية 251 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير قوله تعالى "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض" يتضمن معانٍ أوسع من مجرد القتال.
- •الدفع يشمل كافة أنواع الحراك والتعاملات بين الناس كالمعاهدات والمفاوضات والتجارة والهجرة وطلب العلم وعمارة الأرض.
- •اختيار المفسرين للقتال كأحد صور الدفع جاء متأثراً بسياق الآيات عن طالوت وجالوت.
- •القرآن يتحرر من خصوصية القصص ليؤسس سنناً إلهية عامة تستمر إلى يوم القيامة.
- •علامات الترقيم الحديثة لا تناسب القرآن، بينما علامات الوقف التي طورها العلماء تنسجم مع طبيعة اللغة العربية والنص القرآني.
- •أحمد زكي باشا نبه في بداية القرن العشرين أن علامات الترقيم لا تستخدم مع القرآن والسنة.
- •علامات الوقف تخدم الفهم بينما علامات الترقيم تخدم الكاتب.
- •فهم القرآن يتطلب رؤية أوسع من التفاسير المحدودة لأنه متحرر من الزمان والمكان.
مقدمة وتلاوة آية الدفع من سورة البقرة وبيان معناها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 251]
ربنا ذكر في الكتاب كلمة قتال وكلمة حرب، لكن هنا قال: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ﴾، فما معنى الدفع؟ الدفع هو الحراك الذي يكون بين الناس، وهو هذه العلاقات والتعاملات، وقد تكون على حد الحرب وقد تكون على حد السلم.
أنواع الدفع المتعددة بين الناس من حرب وسلم وتجارة وهجرة
فالحرب نوع من أنواع الدفع، والمعاهدات نوع من أنواع الدفع، والمفاوضات نوع من أنواع الدفع، والحرب مع المفاوضة والضغط بالحرب على المفاوضة دفع.
والتجارة والتبادل التجاري والصناعي دفع، والسعي في الأرض والهجرة من مكان إلى مكان دفع. وهناك دفع بين الناس يتعلق بالعلم، يتعلق بطلب الأرزاق، يتعلق بعمارة الدنيا، يتعلق ببناء الإنسان.
والزواج بين الشعوب المختلفة نوع من أنواع الدفع. ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 251] يبقى يدخل فيها الحرب ويدخل فيها السلم.
الخطأ في قصر معنى الدفع على القتال فقط وسبب اختيار المفسرين له
تأتي لتقرأ في [التفاسير] تجدها الحرب، ولكن تبقى التفاسير خاطئة؟ لا، التفاسير جاءت بصورة من صور الدفع. وانتبه أن الخطأ هو أننا نقصر الدفع على القتال فقط.
فلماذا اختاروا القتال من ضمن الصور؟ اختاروه لأنه هو الذي يدل عليه السياق؛ طالوت يقاتل جالوت، وبنو إسرائيل تقاتل العماليق هؤلاء الذين هم ضدهم، فسياق القتال نعم صحيح.
تحرر النص القرآني من السياق التاريخي ليصبح سنة إلهية باقية
أنما النص يأتي في النهاية ويتحرر من هذه الحالة [حالة القتال بين طالوت وجالوت]، ومن شخص طالوت ومن شخص جالوت ومن شخص داوود، ومن شخص كل المؤمن الذي شرب والمؤمن الذي لم يشرب [من النهر]، ويتحدث عن سنة إلهية تبقى إلى يوم الدين.
كأنه يقول لك: ضع نقطة هنا، ولكن عندما تقرأ القرآن لا تجدهم وضعوا نقطة.
الفرق بين علامات الترقيم الأجنبية وعلامات الوقوف القرآنية
النقطة والفاصلة والشولة وعلامة الاستفهام والتعجب التي يسمونها ماذا؟ علامات الترقيم. هذا كلام له علاقة بالكلام الأجنبي الإنجليزي والفرنسي، ما له علاقة بكتاب الله.
كتاب الله له طريقة أخرى لقراءته أدركها العلماء والمفسرون، فوضعوا شيئًا يسمى علامات الوقوف: صلى، قلى، جيم، لا، ميم.
ما هذا؟ هذه علامات تساعدك ولكن علامات مرنة؛ فالنقطة تعني نقطة وانتهى الكلام، لا، ليس هناك إقفال للكلام. فأحيانًا يمكن أن تكون الوصل أولى، ويمكن أن تكون الوقف أولى، لكن يجوز أن تصل. ويمكن أن يكون لازمًا أن تقف هنا، ويمكن لازمًا أن تصل هنا، ويمكن هذا يجوز ويجوز.
علامات الوقوف في المصاحف القديمة ونشأتها من طبيعة اللغة العربية
الذين يضعونها جيم، ولما تقرأ في المصاحف القديمة وضعوا طه بمعنى وقف طيب، وكاف بمعنى وقف كاف، وته بمعنى وقف تام، وأشياء كهذه.
ما هذا؟ هذه علامات لكنها علامات نشأت من طبيعة لغتنا العربية، علامات نشأت من سياق كتاب الله سبحانه وتعالى، علامات نشأت من حضارتنا، من أدائنا.
أحمد زكي باشا وترجمة علامات الترقيم وتحذيره من استعمالها في القرآن والسنة
ولذلك أحمد باشا زكي، شيخ العروبة، في أوائل القرن العشرين ألف وتسعمائة وخمسة أو ثلاثة أو أربعة، ترجم علامات الترقيم من الفرنسية. وبعد ذلك قال ماذا في كتاب علامات الترقيم؟ قال: لكن انتبهوا يا أهل الخير، هذه العلامات لا تُستعمل في القرآن ولا في السنة.
أتدرك هذا الوعي؟ هذا الكلام تستعملونه أنت وأنت تكتب رسالة، وأنت عندما تكتب كتابًا، وأنت تكتب شيئًا من إنشائك وتريد أن توصل للناس أنك تستفهم أو تتعجب أو توقفت هنا أو ستبدأ من أول السطر، افعل ذلك فهو يساعدك.
تحريم استعمال علامات الترقيم في القرآن والسنة لقداسة لغتهما ومعانيهما
ولكن إياك أن تستعملها في الكتاب والسنة؛ لأن الكتاب والسنة هذان بلغة أخرى لها قداستها، لها معانيها. إياك أن تحرم الناس من فهم هذه المعاني.
ده [القرآن] لا تنتهي عجائبه، فيبقى متحررًا من الزمان والمكان، يبقى القرآن ونحن نقرؤه اليوم كما لو أنه نزل اليوم، يا للعجب!
أيعني أن علامات الترقيم هذه لو وضعناها في القرآن نُفسد الدنيا؟ قال: نعم تُفسد الدنيا. فقد كنا نظنكم أناسًا متخلفين لا ترضون بوضع علامات الترقيم لأنكم تتمسكون بالقديم.
الفرق بين علامات الترقيم وعلامات الوقوف في خدمة اللغة العربية والفهم
قلنا له: لا، إننا نفهم ما تفعله علامات الترقيم، ونفهم شيئًا آخر يسمى علامات الوقوف، ونعرف معاني العربية وسياقها وأساليبها، ونعرف دلالات القرآن.
ولذلك لم نرضَ أن نضع علامات الترقيم هنا [في القرآن]، ووضعنا علامات الوقوف التي نبعت منا ومن معانينا ومن سنة نبينا ومن قرآن ربنا. وضعناها لأنها هي التي تخدم اللغة العربية، ليست فيها علامات الترقيم التي تخدم اللغة العربية.
علامات الترقيم تخدم الكاتب، ولكن الوقوف تخدم الفهم.
العودة لآية الدفع وموقفنا من التفاسير وتحرر القرآن من الزمان والمكان
لكن هذا كذلك أثناء الأداء قد يحدث هذا.
﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]
كلام كثير جدًّا في كيف نفهم وما موقفنا من التفاسير التي بين أيدينا: لا نحتقرها ولا نرفضها، لكن يمكن أن نأخذ بمعانٍ واسعة عما هي عليه؛ لأن هذا كتاب ربنا فوق الجميع، ومتحرر من الزمان والمكان.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
