سورة البقرة | حـ 286 | آية 241 - 242 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 286 | آية 241 - 242 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح القرآن الكريم في قوله تعالى "وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين" وجوب إعطاء المتعة للمطلقة بحسب العرف وحال الزوج وحاجة المرأة.
  • المتعة تكون لمدة العدة، وهي ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر للمرأة التي انقطع حيضها.
  • في مصر، ظهرت مشكلة حين ادعت نساء كثيرات أن حيضهن يأتي مرة كل سنة، ما يجعل العدة تستمر ثلاث سنوات، رغم أن هذه حالة نادرة طبياً.
  • لمواجهة هذا التحايل، حدد المشرع المصري مدة العدة بما لا يزيد عن سنة.
  • هذه الحالة مثال على شجار الأغبياء، حيث يؤدي الكذب إلى تشديد القوانين وتضييق ما جعله الله واسعاً.
  • الحقوق في الإسلام صارت واجبات، فقوله "حقاً على المتقين" يعني واجباً وثابتاً.
  • الإسلام يجمع بين الدين والدنيا كحياة واحدة متكاملة خلقها الله للسعادة.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

وجوب المتعة للمطلقات وتقديرها بحسب العرف والأحوال

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241]

عندما يطلق الإنسان، فإنه يجب عليه أن يعطي ما يُسمى بالمتعة، وهذه المتعة تُقدَّر بقدرها، تُقدَّر بالعرف السائد بين الناس؛ أن الإنسان منهم غنيٌّ ومتوسطٌ وفقير.

والمرأة المطلقة قد تكون احتياجاتها كثيرة لأنها تربَّت على الرفاهية، وقد تكون احتياجاتها متوسطة مدبِّرة تعرف كيف تعيش بالشيء المناسب، وقد تكون هي نفسها فقيرة وليس لها مصروفات كثيرة. فإذن القضية تختلف باختلاف الأحوال.

نفقة المتعة مرتبطة بمدة العدة وأنواعها الشرعية

﴿وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 241]

أي يجب أن ندخل فيها العرف. وهذا [المتاع] أين قال لك؟ هي في الحقيقة نفقة المتعة هذه تكون لمدة عدتها؛ لأنها ما زالت زوجته.

لماذا؟ طيب، والعدة كم مدتها؟ ثلاثة قروء، وأحيانًا تكون ثلاثة أشهر عندما تكون المرأة ليس عندها الحيض، كبرت والحيض انقطع، [فتكون العدة] ثلاثة أشهر.

قال: طيب، والثلاثة قروء كم مدتها؟ قال: لا نعرف، من يمكن أن يأتي المرأةَ الحيضُ كل سنة مرة، فتبقى هكذا زوجةً لي ثلاث سنوات. فما مقدار هذا [الاحتمال] في البشر؟ قال: هذا واحد من الملايين والملايين من المرات يحدث هكذا، يعني ولكنه وارد. قال: وارد، نعم طبعًا وارد، إنما يعني ما مقداره؟ واحدة من المليون امرأة تحيض كل سنة مرة، أي نادر يعني.

شجار الأتقياء وشجار الأغبياء عند الطلاق في المهر

فجاء في مصر، وانظروا إلى شجار الأتقياء وشجار الأغبياء؛ فهناك شجار الأتقياء وشجار الأغبياء.

شجار الأتقياء رأيناه عندما تطلَّق الزوج والمرأة، كل واحد منهما قال: خذ المهر كله. قال لها: لا، تأخذي المهر كله [وذلك يكون] من قبل الدخول.

شجار الأغبياء إذن: جاءت النساء وطُلِّقت، أحضرها القاضي فقال لها: يا سيدتي، انتهت العدة لأجل النفقة. فقالت له: لا، لم تنتهِ. أنتِ كم مرة يأتيكِ الحيض؟ فقالت له: مرة كل سنة. وبهذا الشكل سيظل الرجل ينفق عليها ثلاث سنوات ما دام [الحيض يأتيها] مرة كل سنة.

تكرار ادعاء النساء بتأخر الحيض وتدخل المشرع المصري بتحديد سنة للعدة

فقال لها: حسنًا، حكمت المحكمة بأن ينفق عليها ثلاث سنوات. القضية التي بعدها قالت له: مرة كل سنة أيضًا. طيب، القضية التي بعدها قالت له: مرة كل سنة.

طب وهذا يُرضي ربنا؟ إن الطب يقول: الحالة هذه تحدث مرة في الزمن، يعني هكذا، وأنتم جميع القضايا أصبحت مرة في كل سنة!

فذهب المشرِّع المصري عندما كتب القانون قال: بشرط ألا تزيد [العدة] على سنة، ولا يُسمع [الادعاء] فوق السنة. فبقي القاضي لا يسمعها ولا يقول لها [شيئًا]؛ لأنه لما قال الناس كذبت، هؤلاء ليسوا أتقياء، هؤلاء أغبياء؛ لأنهم وهم كذبوا على ربنا، هذا خطأ.

الكذب يضيق على الناس ويدفع المشرعين إلى التشديد في الأحكام

ويجعل الناسَ الذين يضعون القوانين يشددون في أمور كلها فيها سعة. ولذلك نحن من نُضيِّق على أنفسنا، ونحن الذين نُغلق على أنفسنا.

فقال القاضي: هي سنة سواء جاءت لكِ الحيضة أم لم تأتِ، فأنتِ حرة؛ لأننا بدأنا نكذب، لأن الطب يقول: مرة واحدة في الدنيا تحدث هذه الحالة، وأصبحت كل القضايا التي في السجل كلها حدثت فيها هذه الحالة، فلا يصح.

فجعلناها سنة، وأصبحت نفقة المتعة سنة جاءت من هنا، لكنها في الأصل هي مدة القروء الثلاثة، إنما جعلناها سنة من كثرة الكذب.

قول عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس من الأحكام بقدر ما يحدثون من الشر

وكما يقول عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: يُحدَث لكم من الأمر بقدر ما تُحدِثون. كلما تخترعون أنواع الشر، كلما يخترع الحاكم سدًّا لباب هذا الشر.

﴿وَلِلْمُطَلَّقَـٰتِ مَتَـٰعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى ٱلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 241]

لدينا في الشريعة الإسلامية أمر عجيب الشكل، مهم جدًّا: أن الحقوق صارت واجبات. بعض الناس لا يعرف هذه الحقيقة: الحقوق صارت واجبات.

الحقوق في الإسلام واجبات والثبوت يجمع بين الحق والواجب

حق الحياة لا، بل صار واجبًا أن تحافظ على حياتك، وأصبح عدم المحافظة على الحياة يُعدُّ من أنواع الهلاك أو الانتحار.

حق التعليم لا، لقد أصبح واجبًا عليك أن تتعلم.

ولذلك فإن الواجبات والحقوق في الإسلام شيء واحد.

فـ"حقًّا على المتقين" ماذا تعني؟ تعني واجبًا على المتقين. "حقًّا على المتقين" تعني ثابتًا.

ما الذي يجمع بين الحق والواجب؟ الثبوت؛ أنه ثابت لا يتغير. فما دمتَ تقيًّا فلا بد عليك أن تلتزم بهذا الأمر، تُراعى النساء حتى لو طلقتم النساء، بعدما أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا.

الآيات القرآنية تربط بين العبادة والحياة الزوجية لسعادة الدارين

كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون، ويوضح لكم أن هذه الآيات إنما هي لسعادة الدارين.

تكلم فيها عن المحافظة على الصلاة، والاهتمام بالصلاة الوسطى، والقيام والتعلق بالله سبحانه وتعالى حتى في أحرج الأوقات وهو الحرب.

ثم بعد ذلك يتكلم وبنفس المستوى عن الرعاية والعناية بين الرجل والمرأة، وكأنه ليس هناك فاصل بين الدين والدنيا، والدنيا والآخرة، وهي حياة واحدة خلقها الله سبحانه وتعالى.

الرجوع إلى الله ليس كلامًا باللسان بل حياة يحياها الإنسان

إذا أردنا أن نحيا فيها حياة السعداء، وأردنا أن نحيا فيها على قلب واحد، فعلينا أن نرجع إلى الله.

هذا ليس كلامًا يُقال بالفم، هذه حياة نحياها ويجب أن نحياها. هذا كلام لا يقف عند اللسان، بل هو كلام يعيشه الإنسان.

فإذا لم يكن كذلك:

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.