سورة البقرة | حـ 293 | آية 246 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 293 | آية 246 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • طلب بنو إسرائيل من نبيهم بعد موسى أن يبعث لهم ملكاً يقاتلون تحت قيادته في سبيل الله.
  • القتال في سبيل الله يعني أن يكون لحماية الأوطان وإنقاذ الإنسان واستقرار العبادة دون طغيان أو عدوان.
  • الفرق كبير بين القتل والقتال والجهاد، فالقتل جريمة، والقتال في سبيل الله جهاد.
  • الجهاد في سبيل الله يعني كف اليد عن العدو إذا ارتدع المعتدي أو تحقق الهدف المشروع.
  • المسلمون لم يستعمروا البلاد التي فتحوها، ولم ينهبوا ثرواتها، ولم يهجروا أهلها، ولم يفرضوا عليهم الإسلام.
  • تاريخ الفتوحات الإسلامية نظيف لأنه كان في سبيل الله، بخلاف ما فعله المستعمرون من نهب للثروات وقتل للسكان الأصليين.
  • القتال خلاف الأصل والفطرة الإنسانية، ويجوز بقدر الضرورة.
  • الأصل في الإسلام الدعوة إلى الله بالطرق السلمية، لكن يجب الدفاع عن النفس إذا تعرضنا للهجوم.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تفسير آية طلب بني إسرائيل ملكاً يقاتلون معه في سبيل الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، ومع قوله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلْمَلَإِ مِن بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰٓ إِذْ قَالُوا لِنَبِىٍّ لَّهُمُ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 246]

إذن فالقيادة [المطلوبة كانت من] الملأ بعد موسى [عليه السلام]، وليس في حياته، ولكن الجهاد مستمر. طلبوا من نبيٍّ لهم، إذن فالوحي قد أيّد هذا أيضًا، أن يبعث لهم ملكًا قائدًا للعسكر فيقاتل كلٌّ منهم في سبيل الله.

شروط القتال في سبيل الله وضوابطه الشرعية من حماية الأوطان ومنع العدوان

فالقتال يجب أن يكون في سبيل الله أساسًا؛ فلمّا يكون القتال في سبيل الله تُحمى به الأوطان، ويُنقَذ به الإنسان، وتستقر به العبادة، ولا يكون فيه نوع من أنواع الطغيان والعدوان.

﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

﴿وَقَـٰتِلُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

إذن "في سبيل الله" هذه [الكلمة] جعلت القتال جهادًا، حوّلت القتال من قتلٍ إلى جهاد.

الفرق بين القتل والقتال والجهاد وضابط كونه في سبيل الله

يحدث قتلٌ في القتال، لكن هناك فرق كبير بين القتل والقتال والجهاد؛ القتل جريمة، والقتال له أسباب كثيرة، من ضمنها أن يكون في سبيل الله فيكون جهادًا.

و "في سبيل الله" معناه أنه إذا ارتدع الطاغية أو المعتدي كففتُ يدي عنه. معناه أنني بعد أن أحقق غرضي وطلبي وهو مشروع، إمّا في الدفاع عن النفس، وإمّا في إقرار الحق، وإمّا في تبليغ الدعوة، فإنني أكفّ يدي؛ لأنني قد أنهيتُ العدوان أو أنهيتُ الطغيان. أؤدّيه في سبيل الله، إذن لم يعد هناك استعمار.

المسلمون لم يستعمروا أحداً قط مقارنة بالاستعمار الغربي للشعوب

ولذلك ترى المسلمين لم يستعمروا أحدًا قط. يقول لك هؤلاء: دخلوا البلاد، دخلوا مصر والشام وإيران، وذهبوا حتى تونس، وذهبوا حتى المغرب والأندلس. وبعد ذلك تزوّجوا فيها وأنجبوا فيها وأقاموا فيها، وأخذوا ثروات البلاد ونقلوها إلى الحجاز حتى أصبح الحجاز جنّة الله في الأرض! وهذا لم يحدث.

فلمّا دخل إلينا هنا الإنجليز والفرنسيون والإيطاليون والبلجيكيون والبرتغاليون، ماذا فعلوا؟ أخذوا كل ثروات البلاد وبنوا السكة الحديدية الخاصة بهم، وهي مترو في لندن وفي باريس وهكذا.

الاستعمار الغربي أباد الشعوب بينما المسلمون لم يظلموا أحداً في فتوحاتهم

دخل الاستعمار إلى أستراليا وأمريكا، فماذا فعلوا؟ قتلوا الناس الذين فيها، قتلوا الهنود الحمر.

أمّا نحن، فهل أبدنا شعوبًا؟ لا. هل هجّرنا شعوبًا وطردناها من أرضها؟ لا، شهادةً لله. هكذا، لا. هل أخذنا الثروات ونقلناها إلى الحجاز؟ لا. هل عملنا تمييزًا عنصريًا يميّز بين الدخول في الإسلام؟ لم نقل لهم: إذا لم تُسلموا فسنذبحكم وتُذبَحون. لا والله!

إنه تاريخ نظيف أبيض جميل. لماذا؟ لأنه في سبيل الله.

اتهام الإسلام بالإرهاب هو إسقاط من المستعمرين لجرائمهم على المسلمين

نعم، وبعد كل هذا يخرج الإسلام وهو الإرهاب! ما شاء الله، هكذا هو: "رماني بدائها وانسلّت". عملت [الحضارة الغربية] عملية إسقاط، هكذا هو؛ أخذت بعضها ومضت. مكانك تحمدين الله أو تستريحي، يعني اخجلي! أليس كذلك؟

لأنه، لماذا؟ لأننا نتّبع الرسل الذين ماذا؟ الذين قاتلوا في سبيل الله.

القتال خلاف الأصل والفطرة الإنسانية ويجوز على قدر الضرورة فقط

قال [النبي لقومه]:

﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ أَلَّا تُقَـٰتِلُوا﴾ [البقرة: 246]

فإذن نأخذ من هذا ماذا؟ أنّ القتال خلاف الأصل، وأنّ القتال مكروه للإنسان باعتباره إنسانًا، وليس متشوّقًا للقتل والقتال وللدم والصدام أبدًا.

فيقول لهم [النبي]: يا إخواننا، القتال هذا أتدركون ما معناه؟ قالوا له: نعم. قال لهم: هذا أنتم ربما تموتون أنفسكم وهكذا. قال لهم: ما عليهم شيء. قال: حذاري إذا ربنا قال لنا قاتلوا أن تهربوا.

القتال يجوز على قدر الضرورة والأصل في الإسلام هو الدعوة لا القتال

قالوا: هذا معناه ماذا؟ الحديث هذا معناه ماذا؟ أنّ القتال خلاف الأصل وخلاف الفطرة الإنسانية، وأنه يجوز على قدر الضرورة، والضرورة تُقدَّر بقدرها. فيبقى ليس هو الأصل.

وكذلك في الإسلام ليس هو الأصل، وإنما الدعوة إلى الله هي الأصل. فالدعوة تتمّ بالخير، بالتلفزيون والصحف والمقالات، كان بها [أي: تكفي]، ولا نلجأ للقتال.

وجوب الدفاع عن النفس عند الاعتداء بقوة وحكمة وعزة دون تكبر

طيّب، إذن ونحن جالسون في بلادنا وجدنا الجيوش قادمة علينا ويضربوننا، فيجب أن ندافع عن أنفسنا. نعم!

﴿وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191]

فيكون [الدفاع] في قوة لكن في حكمة، في عزّة لكن ليس فيها تكبّر.

قالوا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ﴾ [البقرة: 246]، هذه سنأخذها المرة القادمة إن شاء الله.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.