سورة البقرة | حـ 266 | آية 233 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 266 | آية 233 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تحدث الله تعالى في سورة البقرة عن الرضاعة بقوله: "والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة".
  • الرضاعة هي وصول اللبن إلى جوف الطفل وهو دون السنتين، والمقصود بالحولين هما سنتان قمريتان.
  • المسلمون يحسبون الشهور بالقمر وليس بالشمس، وتختلف السنة القمرية عن الشمسية بحوالي أحد عشر يوماً سنوياً.
  • الأمومة تثبت أصلاً بالولادة، لكن الله أناط بالوالدة مهمة الرضاع أيضاً، فمن أرضعت صارت أماً للولد.
  • قال النبي ﷺ: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب"، والرضاعة المحرمة هي خمس رضعات متفرقات.
  • يترتب على الرضاعة تحريم الزواج بين المرضع ومن أرضعته، وكذلك بين أولادها وإخوتها وزوجها.
  • على والد الطفل (المولود له) أن ينفق على المرضعة رزقاً وكسوة بالمعروف، سواء كانت زوجته أم مطلقته.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تفسير آية الرضاعة في سورة البقرة وبيان معنى الوالدات

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا شأنًا من شؤون الأسرة:

﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233]

وعرفنا عندما وقفنا على كلمة «والوالدات» معانيَ أخذناها من لغة العرب، وعرفنا معنى الرضاعة وأنها وصول اللبن إلى جوف الطفل وهو دون السنتين.

الفرق بين السنين القمرية والشمسية في حساب الشريعة الإسلامية

أيُّ سنتين [يُحسب بهما مدة الرضاعة]؟ السنون التي يحسب بها المسلمون في شرائعهم هي السنون المنضبطة بالقمر دون السنين المنضبطة بالشمس، وإن كان الله سبحانه وتعالى قد خلق الشمس وخلق القمر بحسبان وجعلهما مقياسًا للزمن.

ولكن المسلمين اختاروا باختيار الله لهم الشهور التي تنضبط بالقمر، التي نسميها الشهور العربية، أحيانًا نقول الهجرية؛ لأننا بدأنا بها من هجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أو نقول القمرية وهي نفسها.

وهذه تختلف عن الشهور الشمسية كل سنة أحد عشر يومًا أي شهرًا تقريبًا وقليلًا، كل ثلاث سنوات، أي ثلاث سنوات في اثني عشر تصبح كل حوالي أربع وثلاثين سنة تختلف سنة واحدة.

تطبيق الحساب القمري على مدة الرضاعة والعدة وحكم الرضاعة فوق الحولين

فالشهور التي لدينا عندما يقال إن مثلًا الرضاعة سنتان تكونان سنتين قمريتين، وعندما تعتد المرأة أربعة أشهر وعشرة أيام تكون أربعة أشهر وعشرة أيام قمرية وهكذا.

وبعد ذلك هنا يقول [الله تعالى]: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، حسنًا إذن الرضاعة إذا كانت فوق الحولين لا تسمى رضاعة [مؤثرة في التحريم]، والرضاعة إذا كانت من غير لبن الأم لا تسمى رضاعة [شرعية].

هل يصبح اثنان شربا من شاة واحدة أخوين من الرضاعة والرد على ذلك

ولذلك من الأسئلة الطريفة يقول لك: اثنان شربا من شاة واحدة أو من بقرة واحدة، أيصبحان أخوين من الرضاعة؟ لا، لا يصبحان أخوين من الرضاعة.

الاستهانة العقلية بالمرأة من أين يأتي هذا؟ يريد أن يشبه المرأة بالبقرة لأنها ترضع! انظر إلى الفرق بين مراد الله في تكريم المرأة وتكريم البشر، وانظر إلى الفرق بين هذا المفكر، ما عاد مفكرًا بل هذا فكر منحط حين يقول لك إنهما الاثنان يصبحان أخوين في الرضاعة، شيء فيه استهانة بكلام الله وبحدود الله.

ثبوت الأمومة بالرضاعة وحديث يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب

﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]

فإن الأمومة تثبت بالولادة أصلًا، ولكن هذه الوالدة أناط الله بها مهمة أخرى وهي مهمة الرضاع وليس مهمة الولادة فقط. فمن أرضعت صارت أمًّا للولد، سواء كان ذكرًا أم أنثى؛ فالولد يُطلق ويُراد منه الفرع سواء كان ذكرًا أو أنثى، فهي أم للولد هذا من الرضاعة.

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم نظّم هذا فقال:

«يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب»

شروط الرضاعة المحرِّمة وعدد الرضعات الخمس المتفرقات

والرضاعة [المحرِّمة] أن نأتي بالطفل فنضعه على ثدي المرأة، إذا ما وضعناه على ثدي المرأة صار ابنًا لها؛ لأنه رضع منها الرضاعة الكافية لإنشاء العظم واللحم، وهي خمس رضعات متفرقات.

وبعضهم من المتأخرين قال «مشبعات»، والأولون لم يشترطوا الإشباع أن الولد يشبع، ولكنه مشترط التفرق؛ حتى نعرف ونعدّ خمس رضعات متفرقات. خمس رضعات متفرقات فيصبح الولد ابنها.

آثار ثبوت الرضاعة في التحريم بين الأخوة والأقارب من الرضاع

فلنُجرِ الحديث: عندما يصبح [الطفل] ابنها فماذا سيحدث؟ سيحرم عليه أن يتزوجها لأنها أمه، ويتزوج أختها لأنها خالته. ولو كانت بنتًا يحرم عليها أن تتزوج زوج هذه المرأة [المرضعة] لأنه أباها [من الرضاعة]، في حالة أن رجلًا كانت متزوجة منه من قبل فيكون زوج أمها وهكذا.

طيب أولادها من بطنها أليسوا إخوتها [من الرضاعة]؟ وهكذا.

طيب ابن أختها [من النسب] يتزوج هذه الفتاة [الرضيعة]؟ نعم، هؤلاء أولاد خالة من الرضاعة يتزوجها.

وهذا الرجل [زوج المرضعة] له أبناء من أخرى، أليسوا إخوتها لأبيها [من الرضاعة]؟ نعم، فلا يجوز أن يتزوجوها. وأولاد أخيه يصبحون أولاد عمها وهكذا.

القاعدة الذهبية في الرضاعة أن الرضيع يُنسب للمرضعة كأنه ابنها تمامًا

يصبح الأمر كأننا أحضرنا الطفل ونسبناه للمرأة التي أرضعت وجعلناه في حجرها هكذا، وقياسًا على ذلك فليكن ابنها كأنه ابنها تمامًا. وقياسًا على هذا الكلام لا تخطئ أبدًا [في تطبيق أحكام الرضاعة].

حكم الرضاعة على سبيل الجواز لا الإلزام وأسباب امتناع بعض النساء

حسنًا، ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ بيّن لنا أن ذلك [إتمام الحولين] على سبيل الجواز لا على سبيل الحزم. فالتي تريد أن تمتنع عن الرضاعة لسبب ما كأنها تتألم وهي ترضع — هناك نساء يتألمن — أو كأنها تريد أن تحافظ على جمالها، في نساء هكذا لديهن هوس بالحفاظ على الجمال حتى ضد طبيعتها؛ لأن المرأة تتمتع وهي ترضع الولد، الله خلقها هكذا. إنما في حالات لا تريد أن ترضع الولد فلها هذا [الحق].

وجوب نفقة الأب على المرضعة سواء كانت زوجته أم مطلقته

﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾من هو المولود له؟ أبوه. ما هو هذا المولود له؟ ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣].

يبقى إذن لا بد أن ينفق على هذه المرضعة سواء كانت في ذمته أم لا؛ ولذلك لم يقل [الله تعالى] «وعلى أزواجهن»؛ لأنه يمكن أن يكون طلقها. وعلى المولود له، نعم أنت طلقتها، نعم، لكن يجب أن تنفق على الولد وعلى المرضعة أيضًا التي خلقها الله للعناية والرعاية.

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.