سورة البقرة | حـ 245 | آية 219 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 245 | آية 219 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة

8 دقائق
  • الخمر والميسر محرمان في الشريعة الإسلامية، ويرى بعض الأصوليين أن الخمر محرمة في كل الشرائع لأنها تقدح في العقل، أحد الأمور الخمسة التي حافظت عليها جميع الشرائع.
  • الأمور الخمسة المحفوظة في الشرائع هي: النفس، والعقل، والدين، والعرض (الكرامة)، والمال (الملك).
  • المسلمون واليهود يحرمون الخمر، أما المسيحيون فيجيزون شربها بشرط عدم السكر.
  • قال الله تعالى: "فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"، وهذا يقرر مبدأ النسبية في الأشياء.
  • المعصية شيء والضعف البشري شيء آخر، لكن لا ينبغي اليأس من رحمة الله.
  • الإنسان الذي يحاول تحليل المحرمات بحجة وجود منافع فيها يغفل أن الحكم يُبنى على الموازنة بين المضار والمنافع.
  • الميزان الشرعي يقضي بارتكاب أخف الضررين ودفع أشد المفسدتين، فإذا كان الإثم أكبر من النفع كان التحريم.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة تلاوة آية الخمر والميسر وبيان تحريمهما في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله ومع سورة البقرة، مع قوله تعالى:

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219]

وعرفنا أن هذا الخمر وهذا الميسر محرمان في شريعتنا، فهل هما محرمان في الشرائع السابقة؟

تحريم الخمر في جميع الشرائع لأنها تقدح في الضروريات الخمس

لدينا بعض الأصوليين في أصول الفقه يقولون أن الخمر محرمة في كل دين، ولماذا قالوا هذا؟ لأنها تقدح في أمر من الأمور الخمسة المتفق على أنها قد حافظت عليها الشرائع.

ما هذه الخمسة؟ حفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ الدين، وحفظ كرامة الإنسان — كنا نسميها العرض — وحفظ الملك — كنا نسميه المال.

خمسة حافظت عليها كل الشرائع؛ لا توجد شريعة جاءت وقالت إن القتل حلال، ولا توجد شريعة جاءت وقالت إن إذهاب العقل حلال. إذن كانت المخدرات والخمر وما شابه ذلك محرمة في جميع الشرائع.

موقف أهل الشرائع القائمة من تحريم الخمر والميسر

فعندما نأتي لنسأل أهل الشرائع القائمة الآن نجد أن اليهود يحرمون الخمر، والمسلمون يحرمون الخمر. أما المسيحيون فيتناولون من الخمر ما لا يُسكر، يعني يحرمون السُّكر؛ فيقول لك السُّكر حرام، إنما يأخذ شيئًا هكذا وبسيطًا هكذا كأنه يعني رشفة كما يقولوا هكذا، ولكن بشرط ألا يسكر، فإن سكر فقد خرج عن الشريعة وخرج عن الدين؛ يعني لأن السُّكر حرام [عندهم].

﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219]

كذلك الميسر محرم وهو القمار، وأكل أموال الناس بالباطل حرام في كل شريعة قائمة.

التفريق بين المعصية والضعف البشري وعدم اليأس من رحمة الله

الإجابة كانت ماذا؟ ربنا يعلمنا أيضًا أن المعصية شيء والضعف البشري شيء، وأن العقائد والأحكام شيء آخر، وأنك أيها الذي قد غلبتك نفسك للوقوع في هذا [الخمر] أو ذاك [الميسر] لا تيأس من روح الله ولا تيأس من رحمة الله.

بالهدوء هكذا، لا تيأس من روحك، تعال [إلى التوبة]. ولكن بعضهم ييأس فيقول: الخمر حلال والميسر حلال، فيبقى قد ارتكب إثمًا فوق إثم وكبيرة فوق كبيرة تكاد تخرجه من الملة. طيب، ولماذا؟ قل أنا مخطئ فقط!

﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]

مبدأ النسبية في الأحكام واختلاف الفتوى بحسب الزمان والمكان والأحوال

هذا يقرر إذن شيئًا وهو النسبية؛ شيء واقعي خلقه الله، وعليها اختلفت الشرائع من زمن إلى زمن، وعليها تختلف الفتوى في الزمان والمكان والأشخاص والأحوال — أربع جهات نسميها جهات التغيير، قلناها من قبل.

لماذا؟ إن الأمور أحيانًا تكون نسبية؛ مصائب قوم عند قوم فوائد، وفوائد قوم عند قوم مصائب. فيهما أخذ وعطاء.

﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]

سبعون أو ثمانون في المائة [إثم].

﴿وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219]

عشرون في المائة [منافع].

منافع القمار الظاهرية مقابل أضراره الجسيمة على الأفراد والأسر

ما هو القمار؟ يمكن تربح وتزيد ثروتك فتلك منفعة. فماذا عن الذين كسرت خاطرهم وأخذت أموالهم؟ وماذا عن الذي خرب بيته من القمار وأفلس وضيّع أسرته ونفسه؟

﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219]

الرد على من يستحل الزنا بالتراضي وبيان خطره على المجتمع والأسرة

فلا يأتيني أحد ويقول لي إن الزنا حلال. لماذا؟ قال: يا أخي أنا راضٍ وهي راضية، وما دامت راضية وأنا راضٍ، أنت ما شأنك يا قاضي إذا كنا نزني أم لا نزني! لا يصلح هذا الكلام، هذا الكلام كلام سخرية ولا يقوم به المجتمع البشري، لا تتم به عمارة الكون.

وقضية المجتمع البشري وعمارة الكون هذه جزء لا يتجزأ من الدين ومن مفهوم المسلمين. هذا فساد؛ هذا [الزنا] بموجبه تتفكك الأسرة، وبموجبه يقل النسل.

الزنا يقلل النسل ويهدد بقاء المجتمعات وانتماء الأجيال

بعض الناس يقولون لك: لا، إن الزنا هذا سيكثر النسل! أبدًا، إن الزنا هذا يقلل النسل. وإذا قلّ النسل أصبحت المجتمعات في ورطة: أين اليد العاملة؟ أين الجيل الذي سيحمل عن جيل آخر؟ أين الذي سيدافع عن البلاد عند تعرضها للهلاك والإبادة؟

في غاية القسوة أن نتصور أن الأسرة قد ذهبت، وأن الانتماء قد ذهب للأسرة وللعائلة وللوطن وللدين ولكل انتماء، ويعيشون كالأنعام، بل يكونون حينئذ أضل سبيلًا.

﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 219]

إنصاف القرآن في ذكر منافع الخمر مع تأكيد تحريمها وقياس ذلك على التدخين

انظر إلى الإنصاف [في القرآن الكريم]؛ الخمر التي حرمتها عليكم فيها منافع، لكن حرام أيضًا. فلا يأتيني أحد ويؤلف لنا في منافع الخمر ويقول لي هذه الخمر تصبح مباحة!

لما حرمنا التدخين لأضراره البليغة، وجدنا شركة التبغ ألّفت ثلاثة مجلدات في منافع التدخين! افترض أن هذا التدخين فيه منافع، لكن أضراره أكثر من منافعه.

ميزان الشريعة في الموازنة بين المصالح والمفاسد وترجيح الأخف ضررًا

فإن ربنا هنا علمني الميزان. هذا الميزان له كفتان أم كفة واحدة؟ له كفتان؛ كفة فيها المعيار — هو الميزان — وكفة فيها ما أريد أن أقوّمه، وبعد ذلك يظهر إذن هذه [الكفة] التي ترجح أو هذه التي ترجح، كما يقولون: أتنفع هذه أم هذه؟ فربنا يعلمنا الميزان.

فإذن:

﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]

فإذن علمنا الميزان الذي نقيس به الأمور، ونبتعد عن السيئة الكبيرة حتى لو اشتملت على منفعة قليلة. عقل مستقيم وفكر مستقيم: ارتكاب أخف الضررين واجب، ودفع أشد المفسدتين واجب. هو جلبوها من هنا [من هذه الآية].

الإشارة إلى تكملة تفسير آية الإنفاق في اللقاء القادم والختام

﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 219]

في اللقاء الآخر إن شاء الله [نكمل تفسير هذا الجزء من الآية]. وإليه نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.