سورة البقرة | حـ 232 | آية 204 : 207 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين القرآن الكريم في سورة البقرة نوعين من الناس؛ الأول من يُعجبك قوله في الحياة الدنيا ويُشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام.
- •هذا الصنف إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد.
- •وإذا نُصح باتقاء الله أخذته العزة بالإثم، فمصيره جهنم وبئس المهاد.
- •الكلام وحده لا يكفي بل لابد من العمل، فلا تقوّم الإنسان بمحض كلامه بل بعمله أيضاً.
- •يجب أن يتوافق الاعتقاد مع اللسان (الجنان مع اللسان) واللسان مع الأركان (الأفعال).
- •الفساد يشمل الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، والعنف، والرشوة، واغتصاب الحقوق، وأكل أموال الناس بالباطل.
- •الصنف الثاني من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد.
- •هذا دستور يتبين به الصالح من الطالح وما يحبه الله وما يكرهه.
مقدمة تلاوة آيات سورة البقرة في بيان طريق الصلاح وطريق الفساد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يُعلِّم البشرية كلها طريق الصلاح وطريق الفساد حتى يجتنبوه:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ۞ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ۞ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ۞ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 204-207]
دستور قرآني يتبين به الصالح من الطالح وما يحبه الله وما يكرهه
دستور [قرآني] يتبيَّن لك به الصالح من الطالح، وما يحبه الله وما يكرهه. ويجب عليك أن تكون في محبة الله وأن تبتعد عن غضبه سبحانه وتعالى؛ فلا طاقة لك بغضبه.
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 204]
كلام مرتب بجانب بعضه البعض، تقرأ فتجد الكلام ظاهريًّا مرتبًا بجانب بعضه البعض هكذا، إنما هو في الحقيقة كلام [فارغ لا حقيقة له].
القاعدة الأولى: الكلام وحده لا يكفي بل لا بد من العمل لتقويم الإنسان
إذن فالقاعدة الأولى هي: الكلام وحده لا يكفي، بل لا بد من العمل. وعندما تريد أن تُقوِّم إنسانًا لا تُقوِّمه بمحض الكلام، بل لا بد عليك أن تُقوِّم عمله.
وإذا وقفنا عند ظاهرة الكلام فإنها ظاهرة مُضلِّلة لا تؤدي بنا إلى تقويم صحيح. هذه القاعدة الأولى.
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة: 204]
لا، بل قوله [وحده لا يكفي]؛ هذه لا بد عليك أن تتأنَّى وأن تحكم عليه من فعله.
وجوب توافق القول مع العمل والاعتقاد: الجنان واللسان والأركان
﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۞ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الصف: 2-3]
ولكل قول حقيقة من العمل وحقيقة من الاعتقاد؛ فلا بد أن يتوافق الاعتقاد مع اللسان، الجنان مع اللسان، واللسان مع الأركان.
انظر ماذا يقولون [العلماء]: يقول لك القلب واللسان والعمل، قالوا: الجنان واللسان والأركان. الأركان التي هي يدك ورجلك وفعلك وعملك، ما [لم] يتوافق الجنان مع اللسان واللسان مع الأركان لا [يكون الإيمان صحيحًا].
التفريق بين القول في الدنيا والقول في أمر الله بالمعروف والنهي عن المنكر
هذا [الصنف من الناس] يعجبك قوله، فقوله المتعلق بماذا؟ بأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر وحثِّك على الخير وفعل الخير وعمارة الأرض وذكر الله؟ لا، هذا قوله في الحياة الدنيا قاصر على الاهتمام بالحسِّ والحياة الدنيا.
ومُصمِّم على أن تعزل هذا [الكلام] عن سياقه؛ فلا ترجع بالدنيا إلى خالقية الله؛ لأنها [هذه النفس] قد همَّشت الله، ولا ترجع بالدنيا إلى مآلها في الآخرة والحساب؛ لأنها لا يؤمن [صاحبها] بالآخرة والحساب.
تلاعب المنافق بالجماهير وادعاؤه إشهاد الله على ما في قلبه
فإذا ما واجهناها [هذه النفس المنافقة] بذلك، وهي نفسها حتى تخاطب الجماهير وتتلاعب بعقولهم ونفوسهم، تبادر — يعلم أن جمهورًا من حوله يؤمن بالله — فماذا يقول؟
﴿وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ﴾ [البقرة: 204]
أشهد الله على ما في قلبي! والحكاية لا تحتاج إلى كلام، وشهادة ربنا عظيمة ولا تحتاج منك إلى دعوة [لإشهاده سبحانه].
مقياس كونه ألد الخصام: السعي في الأرض بالفساد وإهلاك الحرث والنسل
﴿وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]
ما مقياس أنه ألد الخصام؟
﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: 205]
الفساد [يتمثل في]: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، الفساد بإراقة الدماء، بالعنف. من خرج على [الناس] متى يضرب بارَّها وفاجرها كانت له النار.
﴿وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]
قاعدة قرآنية عظيمة: الله لا يحب الفساد بجميع صوره وأشكاله
قاعدة عامة ومبدأ قرآني عظيم يُكتب: الله لا يحب الفساد، الله لا يحب الفساد، الله لا يحب الفساد في كل شيء.
الذي يرتشي، والذي يغتصب، والذي يأكل أموال الناس بالباطل، والذي يُدمِّر الأرض — كل هذا تقول له هكذا: والله لا يحب الفساد.
الذي يحتل الأرض، الذي يظلم الناس، الذي ينهب الثروات — تقول له هكذا: إن الله — والله لا يحب الفساد.
هذا الذي يتلاعب بمقدرات الشعوب ويُحرِّك جيوشه لاحتلال الأرض وانتهاك العرض وإسالة الدم — كل هذا تقول له: والله لا يحب الفساد.
حال المفسد إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم وعاقبته جهنم
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ﴾ [البقرة: 206]
وتذكَّر وكُشِف أمام نفسه وأن الذي يفعله ويدَّعيه خيرًا هو شر، أخذته العزة بالإثم، قال: لا، أنا على حق!
﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ [البقرة: 206]
أجَّل الله عقابه إلى الآخرة؛ ما هو جبار في الأرض، فماذا ستفعل له؟ قال له: بالمناسبة في اليوم الآخر أنت ستتعذب. إذن هو لا يؤمن بالآخرة ولا غيرها، ويقول لك: أنا لا شأن لي إلا بالدنيا فقط.
الصنف المقابل: من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والدعاء بالصلاح
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]
وفي المقابل [من ذلك الصنف المفسد] من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والله رؤوف بالعباد.
فاللهم اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين، وبيِّن لنا مرادك، وافتح علينا فتوح العارفين بك، واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ويسِّر أمورنا كلها، وأعنَّا على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وافتح علينا مرادك في كتابك يا أرحم الراحمين.
وصلَّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
