سورة البقرة | حـ 237 | آية 213 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة
- •الأصل في الخلق أن الناس كانوا أمة واحدة، فالله خلقهم من أب واحد وبث منهم رجالاً كثيراً ونساء.
- •بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، فمن أطاع فله البشرى ومن عصى فله الإنذار والتذكير.
- •أنزل الله مع الرسل الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فالحاكم هو الله لا غيره.
- •لا يجوز لمن يمثل الناس أن يخرج عن أمر الله أو يشرع ما يخالف شرعه، كإباحة الزنا أو الشذوذ.
- •الحكم لله وحده، وهو الذي يبين معالم الحلال والحرام، وليس للبشر أن يحكموا بغير ما أنزل الله.
- •ما اختلف الناس في الحق إلا بعد مجيء البينات بغياً بينهم، وذلك بتحريف الوحي والكتب وتراث الأنبياء.
- •يهدي الله المؤمنين لما اختلف فيه الناس من الحق بإذنه، فالهداية منه سبحانه إلى صراط مستقيم.
مقدمة في وصف الله تعالى لعلاقته بخلقه في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول الله سبحانه وتعالى وهو يصف لنا الخلق والحياة والاجتماع البشري، ويصف لنا علاقته سبحانه وتعالى بخلقه؛ فهو الذي بدأنا بقوله بسم الله الرحمن الرحيم، وهو الذي خلقنا، وهو الذي أقامنا، وهو الذي كلّفنا، وهو الذي نرجع إليه يوم القيامة فينبئنا بما كنا نعمل وفيما كنا نختلف، ويحكم بيننا سبحانه وتعالى بالعدل؛ فمن أسمائه العدل.
أصل وحدة البشرية وبعثة الأنبياء مبشرين ومنذرين
يقول [الله تعالى]:
﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَٰحِدَةً﴾ [البقرة: 213]
إذن فالأصل الوحدة، لا النزاع والخصام والشقاق والنفاق. الأصل أننا من أب واحد، والأصل أن الله خلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً.
والأصل أن الناس كانوا أمة واحدة:
﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]
إذن فالله لم يترك الدنيا عبثًا، وأرسل النبيين مبشرين لمن عمل صالحًا، ومنذرين لمن عمل سيئًا؛ فمن أطاع فله البشرى، ومن عصى فله الإنذار والتذكير.
بقاء الكتب السماوية بعد الأنبياء للحكم بين الناس بالحق
وأنزل [الله] معهم الكتاب؛ فالرسل من البشر ينتقلون إلى الله، إلى رحمة الله تعالى ويموتون:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30]
سنة الله في خلقه، إلا أنه يبقى بعد النبي الكتاب يتوارثه الناس من بعده، وفي هذه الكتب موعظة من ربنا، هدى ونور.
﴿وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقِّ﴾ [البقرة: 213]
وفي هذه الكتب حكم فيما بين الناس:
﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213]
يبقى إذن: الله يرسل الرسل، والله ينزل الكتب، والله يحكم بين الناس، ولا حاكم إلا الله.
حاكمية الله في التشريع ورفض تحليل ما حرّم الله من الفواحش
هناك يقول [بعض الناس]: ماذا؟ لا حاكم إلا الشعب، أو لا حاكم إلا البشر! قد يكون هذا الإنسان هو الذي يحدد معالم الحلال والحرام أو المقبول والمردود، هو الذي يحدد ما هو الخطأ وما الصواب؛ الديكتاتور أو الطبقة أو عموم الشعب بالتمثيل النيابي أو ماذا.
إنما هنا الحاكم هو الله؛ فلا يجوز لمن اجتمع ممثلًا للشعب أن يخرج عن أمر الله. لا يجوز أن يُقِرّ أن الزنا مباح وحلال، أو أن يجعل الشذوذ من حقوق الإنسان، عملًا هو من عمل الشيطان.
نتائج إخراج حكم الله من التشريع وسيطرة أهواء البشر
ما هو [الذي حدث]؟ جعلوا [أي: أصحاب هذا الفكر] أخرجوا الله من الحكاية، وما دام الله قد أُخرج فيبقى الشياطين على الفور، لا كلام فيها. وما دام الأمر كذلك فيبقى أن أعمل لهم ما يريدونه؛ فارتأوا أن الشذوذ [من] حقوق الإنسان، وارتأوا أن الزنا هذا حلال، دعونا لا شيء فيه، صنعوا القوانين لهذا.
إنما أنا [المسلم] لا أعرف أن أعمل كذلك، والسبب أن الحاكم هو الله.
ما الحاجة إذن للحاكم أو النظام الحاكم أو المجلس التشريعي الحاكم أو للحاكم بمعنى القاضي؟ [الحاجة أنه] ينفذ أمر الله، إنما هذا [النظام البشري المنفصل عن الله] يوجد للبشرية ما يريد، ما يريد حتى لو كان هذا الذي يريده عبثًا كله.
خلق الله البشرية من آدم وحواء لا من آدم وستيف وحاكمية الله في بيان الحلال والحرام
خلق الله الخلق من آدم وحواء، لا من آدم وستيف! آدم وستيف هؤلاء رجلان اثنان، رجلان. آدم وحواء رجل واحد وامرأة واحدة.
كيف خلق الله الخلق؟ من آدم وحواء، أم من آدم وستيف؟ فما المشكلة في ذلك إذن؟ أتعبوا عقولنا!
والسبب [في هذا الضلال هو إنكار] حاكمية الله. هو [الله] الحاكم الذي يبين لنا معالم الحلال والحرام، أم البشر هم الحاكمون؟
﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ [يوسف: 40]
انظر كيف أن الحكم إلا لله:
﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]
يعني لا حكم إلا لله.
سبب اختلاف أهل الأرض هو التحريف والتلاعب بتراث الأنبياء
﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 213]
وهذا سبب خلاف ثلاثة أرباع أهل الأرض: باللعب بالوحي وبالكتب وبتراث الأنبياء، بكل أنواع اللعب من تحريف وتخريف، وتقديم وتأخير، وكتمان وتبديل وتغيير.
﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا ٱخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 213]
هكذا ربنا يهدي من يشاء ويريه النور، في إزالة كل الاضطراب.
هداية الله للمؤمنين الذين ساروا على منهج الأنبياء دون تحريف
إذا لم يكن [الإنسان] يسير على ما كان عليه آدم فإبراهيم فسائر الأنبياء، ما يوجد تحريف، ما يوجد تغيير، ما كان أحد تعب؛ كان كله علم الحق ومشى خلفه.
﴿وَمَا ٱخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 213]
ظلمًا بينهم، عملٌ دنيوي [هو الذي دفعهم إلى الاختلاف].
﴿فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا ٱخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ ٱلْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213]
اللهم يا ربنا اجعلنا هادين مهديين، غير ضالين ولا مضلين. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
