سورة البقرة | حـ 238 | آية 214 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 238 | آية 214 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة

8 دقائق
  • التكليف الإلهي يحمل مشقة، فطريق الجنة محفوف بالمكاره وطريق النار بالشهوات، وهذا اختبار لمن أراد السير في سبيل الله.
  • الالتزام بالأوامر واجتناب النواهي ليس طريقاً سهلاً مفروشاً بالراحة، بل فيه كلفة ومشقة.
  • الفرق بين الجنة والدنيا كبير، فالجنة خالدة ونعيمها دائم وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
  • الدنيا دنيئة فانية، لا توجد فيها متعة إلا ويكتنفها الألم، وفيها الأمراض والظلم والموت.
  • الجنة مشرقة بنور الله، خالية من الحقد والحسد، لا شمس فيها ولا زمهرير.
  • مثل من يختار الدنيا ويترك الآخرة كمن يأخذ قطعة طين كريهة الرائحة ويترك إبريقاً من ذهب خالص.
  • المؤمن يثق في وعد الله ويصبر على البأساء والضراء ويوقن أن نصر الله قريب.
  • الاختبارات والابتلاءات سنة إلهية لمن سبقنا، ولا بد من الصبر عليها.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

مقدمة في حقيقة التكليف وأن طريق الجنة محفوف بالمكاره

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى لحزبه وأهله ومن آمن به أن التكليف فيه مشقة، وأن طريق الجنة محفوف بالمكاره، وأن طريق النار محفوف بالشهوات.

وهذا اختبار وابتلاء لمن أراد أن يسير في طريق الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى يستحق منا هذا الجهد وهذا العطاء وهذا البذل، ونحن نفعله لله يعود إلينا في صورة ثواب وفي صورة بركة وفي صورة نصرة وفي صورة حفظ، فهو من الله خلقًا ثم منه ثوابًا وأجرًا، سبحان الله.

معنى التكليف وأن طريق الطاعة ليس مفروشًا بالورود

فأنت أيها الإنسان مكلف، والتكليف إلزام أو طلب ما فيه مشقة. ولذلك فلما كان من الواجب عليك أن تبتعد عن عبادة الشيطان وأن تعبد الله، وكان من الواجب عليك أن تتبع الوحي، وكان من الواجب عليك أن تلتزم بالأوامر وتقف عند النواهي؛ فإن هذا الأمر ليس هو طريق الورود والراحة، ليس مفروشًا بالورود هكذا والراحة أبدًا.

هذا طريق كلفة ومشقة:

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا ٱلْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 214]

ما الفرق إذن بين الجنة وبين الدنيا؟

الفرق بين الجنة والدنيا في الخلود والنعيم والكدر

الجنة غيب لم نرها ولم ندخلها، والدنيا مشاهدة. الجنة فيها خلود أبدًا، والدنيا فانية. الجنة نعيمها الدائم كيفيته عالية جدًا، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

والدنيا ليس فيها متعة إلا ومعها ألم. يقول الإمام القرافي رحمه الله: حتى إذا أردت أن تنضج شيئًا من اللحم مستك النار، وأنت تشوي اللحم تتأذى، سبحان الله! ما فيها متعة إلا وتكتنفها شيء من الآلام والمشقة وما إلى ذلك.

فرق كبير جدًا بين الجنة الخالصة الدائمة العالية الراقية الفائقة، وبين الدنيا التي اشتملت على كل الكدر كما هو مشاهد؛ ففيها الأمراض وفيها الظلم وفيها الموت. وفيها تجلس تتأمل هكذا تجد أن هذه الدنيا دنيئة، وسُميت دنيا من دناءتها.

وصف نعيم الجنة وإشراقها بنور ربها والرد على شبهة الملحدين

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا ٱلْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 214]

طالما أقول لك الجنة فإنك تعرف الخلود وتعرف الرقي وتعرف العلو، وتعرف خلوها من الحقد والحسد وكذلك إلى آخره، وأنها منورة بنور ربها:

﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: 13]

يقولون زمهرير هذا القمر. فأحد الملحدين سمعته يقول: الجنة ما فيها شمس ولا قمر، فما هي إذن؟ تبقى رطبة! لم ينتبه الغافل إلى قوله تعالى:

﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: 69]

لم ينتبه، هو يريد أن يشتم فقط. لكن هذه [الجنة] ليس فيها شمس ولا قمر، نعم ليس فيها شمس التي تصنع حرارة وتصنع ضربة شمس وما شابه ذلك؛ إنك تعيش في الأنوار:

﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [النور: 35]

أنت أين هذا؟ نور الله الذي في الجنة التي أشرقت بنور ربها شيء آخر، تشعر كأنك تسبح فيه.

تشبيه الإمام الغزالي لمن يؤثر العاجلة على الآخرة بقطعة الطين

انظر إلى الذي يريد العاجلة [الدنيا]، يشبهه الإمام الغزالي حجة الإسلام أبو حامد رحمه الله تعالى بمن عُرض عليه قطعة من الطين الحمأ المسنون الذي له رائحة كريهة، وقالوا له: خذ هذه الآن، أو خذ إبريق ذهب خالص مشغول مليء بخيرات الله غدًا.

فالتعيس أخذ قطعة الطين، تعيس منحوس أخذ قطعة الطين وضاع عليه الإبريق! ومن وفقه الله قال: لا، تنتظر الغد، إن غدًا لناظره قريب، فانتظر فأخذ الإبريق.

الثقة في الله أساس الإيمان والدعاء والاستجابة

وهذا [الفرق بين من اختار الآخرة ومن اختار الدنيا] جاء من أين؟ من الثقة في الله أم عدم الثقة في خبره.

يقول لك: أرح عقلك، أنت لماذا واثق في الله؟ نحن رأيناه يا أخي! نحن رأيناه [رأينا فضله وعطاءه] يا أخي! يا أخي دعوناه فاستجاب، يا أخي! يا أخي ندعوه، قاعدين ندعوه ليلًا ونهارًا ويستجيب ليلًا ونهارًا ويستجيب. قال: أين هذا؟ ويسخر منه!

الابتلاء سنة الله في الأمم السابقة وقرب نصر الله

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا ٱلْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 214]

هكذا!

﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: 214]

aتخنقوا!

﴿حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]

ألا إن نصر الله قريب!

﴿أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَـٰنَهُ وَتَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 1]

ألا إن نصر الله قريب!

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.