سورة البقرة | حـ 223 | آية 196 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •أمر الله في سورة البقرة بإتمام الحج والعمرة لله بإخلاص، وبيّن أحكام الإحصار وما يترتب عليه.
- •من أُحصر في حجه أو عمرته -بسبب حسي أو معنوي، بحق أو باطل- فعليه ما استيسر من الهدي، وله أن يوكل من يذبح عنه.
- •لا يجوز حلق الرأس إلا بعد وصول الهدي محله، إلا لمن كان مريضاً أو به أذى فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك.
- •اختلف الأئمة في مقدار الصيام البديل عن الهدي، فالشافعي قدّره بحساب قيمة الهدي وما يعادلها من طعام، مما قد يصل إلى خمسة أشهر صياماً.
- •بينما رأى الإمام أحمد أن الصيام لا يزيد عن عشرة أيام قياساً على صيام التمتع: ثلاثة أيام في الحج وسبعة بعد الرجوع.
- •استدل الإمام أحمد بقوله تعالى: "تلك عشرة كاملة"، فلا يلزم أكثر من ذلك.
- •أهل مكة (حاضرو المسجد الحرام) لا هدي عليهم ولا صيام.
أمر الله بإتمام الحج والعمرة وإخلاصهما لوجهه سبحانه وتعالى
مع كتاب الله، وفي سورة البقرة حيث أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتم الحج والعمرة له ولوجهه سبحانه، وقال:
﴿وَأَتِمُّوا ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]
ثم أخذ [الله سبحانه وتعالى] يفصّل الأحكام تفصيلًا، يشير بذلك إلى أنه يجب أن نخلص الحج لله وحده، وأن هذا مما يثيب عليه الله سبحانه وتعالى، وأنه يختص به دون سواه.
معنى الإحصار في الحج وأنواعه الحسية والمعنوية بالحق والباطل
فقال [الله تعالى]:
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: 196]
يعني تمت محاصرتكم، بماذا؟ بأي شيء حسيًّا أو معنويًّا، بالحق أو بالباطل.
كيف نُحصَر حسيًّا؟ قطّاع الطريق قطعوا عليك الطريق، هذا حسيًّا بالباطل. وحسيًّا بالحق: وجدت التأشيرة الخاصة بك مزوّرة، الرجل الذي أحضرها لك خدعك وزوّرها.
حسنًا، وبعد ذلك ما هو؟ لا يصح أن تدخل لأنك في مخالفة هنا، فمنعك بالحق.
حكم المحصر عن الحج وكيفية ذبح الهدي المتيسر له
فماذا أفعل وأنا محرم؟ قال [الله تعالى]:
﴿فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ﴾ [البقرة: 196]
يعني الهدي إذا استيسر لك، استيسر يعني ماذا؟ يعني كان في مقدوره. ومقدوره هذه كيف يفعلها الآن؟ اتصل بصديقي الذي في مكة وأقول له: الله يحفظك، اذبح لي هديًا لأنني مُنعت في المطار، وسأضطر أحلّ الإحرام الخاص بي، فيقول لك: حاضر.
هذا ما تيسّر من الهدي.
كيفية التحلل من الإحرام بعد ذبح الهدي المتيسر للمحصر
ماذا يفعل [المحصَر بعد ذلك]؟ أحلّ الإحرام. ووجدت هديًا فعلًا أمامي، مكان يُباع فيه الهدي، هو في المطار مكان يُباع فيه الهدي؟ قالوا: نعم، هذه الأوراق الخاصة بالهدي الآن تجدها في البنوك تُباع.
إذن عليك بثلاثمائة وأربعمائة ريال، هاهو ما ستدفعه، وفي جيبك ما تدفعه، فيكون الاستيسار من الهدي [متحققًا] وهكذا.
حكم من لم يجد الهدي وعدم حلق الرأس حتى يبلغ الهدي محله
فإن لم تستيسر من الهدي فماذا نفعل؟ قال [الله تعالى]:
﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْىُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]
لا تحلق رأسك إلا إذا وصل الهدي إلى البيت الحرام.
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِٓ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]
مقدار الصيام والصدقة والنسك في فدية الأذى عند الإحصار
حسنًا، والصيام هذا كم مقداره؟ قال: الصيام هذا هو عشرة أيام.
قال: حسنًا، والصدقة كم مقدارها؟ قال: الصدقة تقدّرها طبقًا للصيام.
قال: حسنًا، والنسك؟ قال: النسك أن تعيد مرة أخرى العمرة. فماذا ستفعل، أيهما [تختار]؟
تشدد الإمام الشافعي في مسألة الإحصار وحساب أيام الصيام بدل الهدي
الإمام الشافعي تشدّد كثيرًا في هذه المسألة، الذي هو الإحصار. قالوا لي في المطار: إن التأشيرة لا تصلح، أو جواز السفر الخاص بي ضاع، وذهبت وأنا محرم هكذا أبحث، فلم نجد جواز سفر ولا شيء. قالوا لي: من أنت؟ أجئت بطريقة قانونية أم غير قانونية؟ قلت لهم: إنني محرم. قالوا: لا يصلح هذا الكلام، اذهب إذن.
طيب، بعد ذلك ما سأفعله في الهدي؟ فالإمام الشافعي قال: حسنًا، كم ثمن الهدي اليوم؟ قلت له: بثلاثمائة ريال.
طريقة الإمام الشافعي في حساب الصيام بدل الهدي بالمد والكيلوغرام
قال [الإمام الشافعي]: هذه الثلاثمائة ريال كم تشتري من الحبوب؟ قلت له: هذه تشتري شيئًا يقارب مائة وخمسين كيلوغرامًا من الأرز مثلًا؛ لأن كيلوغرام الأرز بجنيه ونصف، أو ربما مائتي كيلوغرام أيضًا.
فقال لي: حسنًا، هؤلاء مائتان، هؤلاء المائتان عندما يكون كل يوم فيه مُدّ. قلت له: المُدّ كم؟ قال: كيلو وربع. فيكون هؤلاء كم يومًا؟
قلت له: نقسم إذن مائتين على كيلو وربع، فكم يكون هذا؟ يكون مائة وخمسين. قال: إذن تبقى تصوم مائة وخمسين يومًا، تقعد صائمًا مائة وخمسون يومًا!
صيام خمسة أشهر عند الإمام الشافعي بسبب فقدان جواز السفر أثناء الإحرام
الله! خمسة أشهر يا فضيلة الإمام؟ قال: نعم، خمسة أشهر. خمسة أشهر أصومها بسبب الورطة التي وقعت فيها، بسبب أن الجواز ضاع!
قال لي: نعم، تصوم عن كل يوم مُدًّا، عن كل يوم من التقويم هذا تصوم مدة، عن كل يوم واليوم عن كل مُدّ.
قلت له: كيف يكون الترتيب؟ فقال لي: إما ستشتري الهدي وتتصدق بثمنه، أو تصوم، والصيام الخاص بك عن كل يوم مُدّ.
رأي الإمام أحمد في تيسير الصيام بدل الهدي وعدم تجاوز عشرة أيام
جاء الإمام أحمد فقال: لا، أنا لست مع هذا الاجتهاد، وهذا نفتي به نحن تيسيرًا.
إذن مع ماذا يا فضيلة الإمام أحمد؟ قال: ما يزيد عن عشرة أيام؛ لأن ربنا سبحانه وتعالى لمّا جعل التمتع مع فضل الهدي جعله عن عشرة أيام، فالصيام هذا لا يزيد عن عشرة أيام.
يبقى الإمام الشافعي أخذها من ناحية الحساب، والله نحن نرى: نقوّم الذبيحة ثلاثمائة ريال، يبقى تشتري كم كيلو، المُدّ كيلو وربع، نقسم ونعمل ونطرح ونجيب، ونجدنا سنصوم خمسة أشهر. هذا الذي يريد أن يسير وراء الإمام الشافعي.
اختلاف العلماء رحمة للأمة وجواز اتباع الأيسر من أقوالهم
فقال الناس: إذن وبعد ذلك هذه ورطة، فأنا لا أعرف كيف سأصوم خمسة شهور! قلنا لهم: إذن تسير وراء الإمام [أحمد]. من قال للإمام أحمد؟ الإمام أحمد أتى بها كيف؟ قال: لا يمكن، عندما وضع الله سقفًا سقف عشرة أيام، تزيد لماذا عن عشرة أيام؟
ما هي عشرة أيام؟ تصوم ثلاثة وتفطر أربعة أيام، وتصوم بعد ذلك سبعة. ولماذا الأيام الأربعة هذه؟ قال: الأيام الأربعة هذه هي مدة الإقامة [أي مدة السفر والعودة]؛ فلأنك أنت لم تصم هناك ثلاثة في الحج وسبعة في المنزل إذا رجعت، كما ترى ورجعت، تعمل ماذا؟ تصوم ثلاثة وتفصل بينهم مدة السفر تكون إقامة لأربعة أيام، وبعد ذلك ترجع مرة أخرى تصوم السبعة.
الخلاف بين الشافعي وأحمد في مرجع آية الصيام بدل الهدي في سورة البقرة
﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِى ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196]
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]
هنا يقول [الله تعالى]:
﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلْعُمْرَةِ إِلَى ٱلْحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ﴾ [البقرة: 196]
الإمام الشافعي قال: هذه [الآية] راجعة إلى أقرب مذكور فقط، فما استيسر من الهدي الأخيرة هذه. الإمام أحمد قال: هذه راجعة على الآية كلها من أولها إلى آخرها.
نسير خلف من؟ أنا أسير خلف الإمام أحمد؛ لا أقدر أن أصوم خمسة شهور هكذا، وأقول للناس: امشوا في هذا المكان خلف الإمام أحمد.
جواز الأخذ بأقوال الأئمة المختلفة لأن اختلافهم رحمة من الله للأمة
طيب، هو هذا ينفع في الدين؟ نعم، ينفع في الدين. فماذا إذن؟ نعم، ينفع في الدين هكذا. هم قالوا لنا هكذا:
وكلهم من رسول الله مُلتَمِسٌ ** غَرفًا من البحر أو رَشفًا من الدِّيَمِ
وواقفون لديه عند حدّهم ** من نقطة العلم أو من شَكلة الحِكَمِ
فهو الذي تمّ معناه وصورته ** ثم اجتباه حبيبًا بارئُ النَّسَمِ
نعم، يبقى كل هؤلاء الناس: الشافعي وأحمد ومالك وغيرهم من العلماء العظام، أتباع سيدنا رسول الله ﷺ، ربنا جعلهم يختلفون لأنها رحمة لنا نحن.
تأكيد أن العشرة أيام كاملة وحكم حاضري المسجد الحرام في الهدي والصوم
فيقول [الله تعالى]: هاهي:
﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]
انظر إلى اليقين، إذن ما الذي قاله؟ ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجعتم. فواحد يمكن أن يقول: لو كان الأمر كذلك، يقول: هي ثلاثة أم سبعة؟ يعني إما ثلاثة في الحج، إذا رجعت بدلهم سبعة، رجعت بدلًا منهم سبعة؟ لا، بل ثلاثة وسبعة عشرة كاملة.
﴿ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196]
أما الحاضرون في المسجد الحرام فلا صوم عليهم ولا شيء ولا هدي.
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ [البقرة: 196]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
