سورة البقرة | حـ 205 | آية 182 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 205 | آية 182 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الآية الكريمة "فمن خاف من موص جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم" تعلمنا كيفية تنظيم إجراءاتنا وإنشاء المؤسسات للحفاظ على تطبيق الشريعة.
  • إنشاء المؤسسات كالسجل العقاري والضوابط التي تمنع الجنف (الميل) والإثم في عملية الإيصاء هو تنفيذ لأمر الله بالإصلاح.
  • الإجراءات التنظيمية مثل تحديد الوصية بالثلث وحصر الممتلكات عند التسجيل تمنع التلاعب وتطبق شرع الله.
  • يختلف فهم الموظف لعمله حين يقرأ القرآن ويرى أنه جزء من منظومة الإصلاح التي أمر الله بها.
  • هناك قراءتان للقرآن: قراءة تطلب الهداية ومعرفة موضعنا في الحياة، وقراءة أخرى تقف عند ظاهر النص.
  • الشريعة بنيت على رفع النزاع والخصام بين الناس من خلال التحكيم والصلح.
  • النبي صلى الله عليه وسلم حرّم الهجران فوق ثلاث، ومن هجر أخاه فوق أربعين فكأنما سفك دمه.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة حول تنظيم الحياة وإنشاء المؤسسات في ضوء سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا كيف ننظم حياتنا وإجراءاتنا، وكيف ننشئ المؤسسات من أجل أن نحافظ على تطبيق الشريعة فينا، وكيف نطور ذلك بأمر الله بما يتوافق مع قدراتنا وإمكاناتنا في حياتنا الدنيا.

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 182]

الخوف من الجنف والإثم في عملية الإيصاء وإنشاء المؤسسات لمنعه

فمن خاف من موصٍ جنفًا أو إثمًا؛ إذا هناك خوف قد يكتنف عملية الإيصاء، وهناك خوف قد يكتنف عملية الإثبات.

﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَآ إِثْمُهُ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُٓ﴾ [البقرة: 181]

فإنشاؤك للمؤسسات التي تمنع هذا الجنف أو الإثم إنما هو تنفيذ لأمر الله.

﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 182]

إذن فإنشاؤنا للسجل العقاري من أجل ألا يكون هناك خوف، ووضع الشروط والإجراءات [التي تضبط عملية الوصية] هو من باب الإصلاح بين الناس.

تطبيق عملي لضوابط الوصية في السجل العقاري وحدود الثلث

لمن يأتي ويقول: أنا أوصي بتركتي كلها، أقول له: فقط توقف، لا يجوز. مدير المكتب [في السجل العقاري] يقول: ماذا؟ لا يجوز، هذا مخالف للوائح والقوانين والإجراءات والتسجيلات، لا يجوز أن كل أملاكك توصي بها لفلان وفلان.

يقول: إذن ماذا أفعل؟ فأقول له: لا يجوز إلا في حدود الثلث. حسنًا، يريد أن يتلاعب، فيقول: لا، هذا أنت يجب أن تحضر حصرًا لممتلكاتك، ويكون من الأوراق المطلوبة في الشهر العقاري حصر للممتلكات؛ كي يتبين لي أن هذا [المبلغ الموصى به] في حدود الثلث.

فيقول: إذن أنا أملك كذا وكذا والمستندات هي هذه، وهذا لا يزيد عن الثلث. فأقول له: أنت طمأنتني.

بناء المؤسسات والإجراءات تطبيق لأمر الله في الإصلاح بين الناس

إذن هذا الإجراء يصلح بين الناس، ينظم المسائل [المتعلقة بالوصايا والحقوق]. فإذا ما قمنا به كان ذلك في بناء هذه المؤسسة [كالسجل العقاري]، في وضع هذه الإجراءات، كان ذلك تطبيقًا لتلك الفكرة التي نبهنا الله إليها:

﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 182]

الموظف المختص بالسجل العقاري ومكانته في كتاب الله وأثر معرفته بالقرآن

فلو أن الرجل الموظف المختص بالسجل العقاري عرف أين هو في كتاب الله، وعرف أنه داخل هذا الإصلاح [الذي أمر الله به]، يعزّ عليه أن ينسب لنفسه فسادًا، وقرأ أن الله غفور رحيم، يعزّ عليه أن يسوّد صفحة بيضاء قد ولّاه الله إياها.

فيه [فرق كبير] لو عرف، لو قرأ هذه الآية وأنها لا علاقة لها بعمله ولا بحياته ولا بأي شيء. تفرق أن تقرأ القرآن وأنت تريد أن تلتمس فيه حياتك وأين أنت فيه، وما الذي يقوله ربك لك، وأين أقامك الله سبحانه وتعالى.

الفرق بين قراءة القرآن بتدبر وطلب الهداية وبين القراءة الصماء

وبين أن تقرأه [القرآن] وكأنه منفصل عن هذه الحياة الدنيا وعن حياتك، وأنك تقرأ شيئًا لا تفهم عمقه، وفي بعض الأحيان لا تفهم ظاهره؛ فلا ظاهره ولا باطنه، وإنما يتحول إلى قراءة صماء.

إذن هناك قراءتان للقرآن: قراءة تطلب منه الهداية، تطلب منه أين نحن فيه، تطلب منه أن يتحول إلى حياة، تطلب منه أن ينبهنا إلى مواضعنا في هذه الحياة وفيما أقامنا الله فيه. وقراءة أخرى تقف عند رسمه وعند اسمه.

ونحن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا مراده من كتابه وأن يفتح علينا فيه.

معنى الجنف والإثم وتحريم الظلم ووجوب الإصلاح بين الناس

فمن خاف من موصٍ جنفًا أو إثمًا؛ الجنف يعني الميل والانحراف، والإثم يترتب على الظلم والميل والانحراف، والإثم يكونان جورًا.

والله سبحانه وتعالى من أسمائه العدل، وهو حرّم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرمًا، والظلم ظلمات يوم القيامة.

والإصلاح واجب بين الناس؛ فالشريعة كلها بُنيت على رفع النزاع والخصام بين الناس. قد يحدث في الحياة الدنيا تقاطع بين مصالحي ومصالحك فتحدث النزاعات، ويظن كل واحد منا أنه على حق، فيحدث الخصام؛ لأنني أظنك ظالمًا وأنت تظنني ظالمًا.

التحكيم والصلح لرفع النزاع وتحريم الهجران فوق ثلاث ليالٍ

ويأتي التحكيم والصلح في هذه الحالة ليرفع النزاع والخصام بين الناس.

ويأتي قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطبق ذلك الكتاب الكريم:

قال رسول الله ﷺ: «من هجر أخاه فوق ثلاث» حرّم الهجران فوق ثلاث.

وقال ﷺ: «من هجر أخاه فوق أربعين فكأنما سفك دمه».

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.