سورة البقرة | حـ 181 | آية 159| تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 181 | آية 159| تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • القرآن الكريم يبين لنا أساساً للتفكير المستقيم، ومن أسسه عدم كتمان البينات والهدى.
  • البينات هي الأصول الواضحة المتفق عليها التي لا نزاع فيها، والتي يجب أن نسير عليها في مختلف مجالات الحياة.
  • الهدى هو ما جاء في كتاب الله، فلا يصح لمجتمع أن يخالف ما أنزله الله بحجة اتفاق الناس عليه.
  • من كتم البينات والهدى بعد وضوحهما في الكتاب فقد ارتكب كبيرة تفسد العبادة والعمران معاً.
  • بعض الذنوب تفسد العبادة فقط وحسابها مؤجل للآخرة، لكن ما يفسد العمران يُحاسب عليه في الدنيا.
  • كتمان البينات والهدى يستحق عقوبتين: لعنة الله ولعنة اللاعنين من الناس المتضررين.
  • الرسول حذر من الملاعن الثلاثة التي تؤذي الناس، وكتمان الحق يؤذي الناس فيلعنه المتضررون.
  • كتمان الحق يؤدي إلى فساد الدين والدنيا معاً، لذلك استحق عقوبة مزدوجة من الله والناس.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

مقدمة الدرس وأهمية التفكير المستقيم وعدم كتمان البينات

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، نطلب منه الهداية لعلنا أن يستقيم فكرنا وأن نفهم مراد الله من كتابه.

يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يبين لنا أساسًا للتفكير المستقيم، وأن هذا التفكير المستقيم من أساسه ألا نكتم البينات. والبينات هي الأصول التي يجب أن نسير عليها في أي مجال كان.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ﴾ [البقرة: 159]

وسبق أن شرحنا شيئًا مما تدل عليه كلمة البينات؛ والشيء البيّن هو الظاهر الواضح المتفق عليه الذي لا نزاع فيه، فمن نازع فيه فإنه ينازع في أسس يهتز بها التفكير المستقيم.

العلاقة بين البينات والهدى وضرورة الرجوع إلى ما أنزل الله

قال [الله تعالى]: والهدى؛ لأن بعض الأصول التي عليها المجتمعات قبل دخول الإسلام شاعت وذاعت، لا تكون على الهدى. فلا بد إذن من البينات أن تكون على الهدى، فجاءت البينات والهدى.

لا يصح لمجتمع أن يخالف ما أنزله الله ويقول: هذا ما اتفق عليه الناس. لا يصح، فرُدّ كله إلى الله؛ هو الذي يحكم حياتنا ويوضح لنا الهدى فيها من الضلال.

ولذلك يأتي السؤال الآخر: وما الهدى؟ فتأتي الإجابة: لقد عرفنا أن البينات هي الشيء البيّن الواضح، ولا بد أن تكون هذه [البينات] على هدى. طيب، الهدى هذا نأتي به من أين؟ من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب؛ فيكون الهدى من أين؟ أتيتم من الكتاب [كتاب الله].

وجوب استناد الأصول إلى الكتاب وعدم التلاعب بما أنزل الله

حتى لا يأتي أحد ويقول لي: إن لديّ بينات ولديك بينات، وكل واحد يسير وفق بيّناته، إن لديّ أصولًا ولديك أصولًا. قلت له: لا، بل يجب أن تكون الأصول حتى تُعتبر وتُعتمد بين الناس ويكون هناك رضا لله فيها، لا بد علينا أنها تكون من خلال الهدى.

قال لي: إذن أنا سأسمّي الذي أنا عليه هدى؛ لأن فيه منفعة أو مصلحة أو كذا إلى آخره، وها نحن سائرون. قلت له: لا، يجب أن يكون هذا الهدى مما رضي الله عنه.

قال: كيف؟ قلت له: اقرأ الذي بعده مباشرة:

﴿مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [البقرة: 159]

فالذي يريد أن يحرّف البينات، والذي يريد أن يحرّف الهدى، والذي يريد أن يتلاعب بما أُنزل في الكتاب من أصول، فقد ارتكب كبيرة.

التفريق بين الذنوب التي تفسد العبادة والذنوب التي تفسد العمران

ولذلك نرى أن الله سبحانه وتعالى جعل بإزاء ذلك الذنب لعنًا.

هل ارتكب كبيرة تفسد العبادة أم ارتكب كبيرة تفسد العمران؟ لو كان [الذنب] يفسد العبادة فقط، تجد أن هذا الذنب مؤجّل الحساب عنه إلى الآخرة. وعندما تفسد العمران، تجد أن هذا الذنب محاسَب عليه في الدنيا؛ لأنك تقوم بالإضرار بالآخرين.

أما الثانية [إفساد العبادة] تضر نفسك، وهو الطعن في العبادة، وتجد أنه قد أرجأك إلى الآخرة حتى ينبّئك ربك بما كنت تعمل ويحكم فيما كنت فيه تختلف.

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: 29]

سيذهب مرحها [أي عقوبتها] إلى الآخرة؛ كفرك وإيمانك أنت حر، لن يفسد العمران البشري.

كتمان البينات يفسد العبادة والعمران معًا فيستوجب اللعنة من الله والناس

لكن انتهاك البينات والهدى من بعد ما بيّنه الله في الكتاب يفسد العمران البشري. فربنا يقول: إن هذه [الكبيرة] تفسد العبادة وتفسد العمران معًا.

أفسدوا العبادة فما جزاؤهم؟

﴿أُولَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 159]

وكفى الله لعنه؟ لا، هذا هكذا يصبح إفسادًا للعبادة [فقط].

﴿وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]

هذا في الدنيا. اللاعنون هؤلاء هنا [في الدنيا].

حسنًا، يلعنون لماذا؟ لأنه يتأذّى منه [أي من فعله].

حديث اتقوا الملاعن الثلاثة وبيان معنى اللاعنين في الآية

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«اتقوا الملاعن الثلاثة: أن يتغوّط أحدكم في الظل، أو في وسط الطريق، أو في مجاري الماء»

حسنًا، وعندما يُفسد هذا المكان الذي يأتي فيه الإنسان فيجلس فيتأذّى، فيقول: لعنه الله الذي فعل هذا! ليُفسد عليه الماء فيقول: خرّب الله بيتك الذي فعل [هذا]! لعنه الله يا شيخ! وهو في الطريق يسدّ عليه الطريق فيقول: لعنه الله!

اللاعنون هؤلاء اللاعنون يلعنون لماذا؟ لأنه تأذّى [من فعلهم].

كتمان البينات يؤدي إلى فساد الدين والدنيا معًا ويستوجب اللعنة

إذن ففي ذلك إشارة إلى أن كتمان البينات سيؤدي إلى فساد الدين والدنيا. ما هو في ذنوب تؤدي إلى فساد الدين فحسب، وفي أمور تؤدي إلى فساد الدنيا فقط، وهناك أمور تؤدي إلى فساد الدين والدنيا معًا.

فالكتمان هذا من أي نوع من الثلاثة؟ مما يؤدي إلى فساد الدين والدنيا، ولذلك استحق لعنة من الله ولعنة من الناس.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَـٰبِ أُولَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ﴾ [البقرة: 159]

فاللهم سلّم، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.