سورة البقرة | حـ 165 | آية 150 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 165 | آية 150 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الأمر بتحويل القبلة للمسجد الحرام لم يكن خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل للأمة جميعاً، لقوله تعالى: "ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره".
  • غالب الأوامر الموجهة للنبي تشمل أمته، وليس كلها، فبعضها خاص به.
  • حديث "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا" متعلق بمشركي العرب الذين حاربوا النبي وآذوه وأجبروه على الهجرة.
  • تكرار الخطاب القرآني للأمة بعد خطاب النبي يدل على عدم خصوصية الحكم، كقوله تعالى: "ونساء المؤمنين" بعد ذكر أزواج النبي وبناته.
  • الإسلام دين عقل يحث على التفكير والفهم والحوار.
  • مهمة الداعية تبليغ الإسلام بصورة لافتة دون إكراه، والهداية بيد الله وحده.
  • التقصير الحقيقي للمسلمين في عدم إقامة الإسلام الصحيح ليكونوا شهداء على الناس.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة الدرس والتلاوة من سورة البقرة في أمر القبلة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله في سورة البقرة، حيث يقول الله سبحانه وتعالى مكررًا مؤكدًا نافيًا للمجاز مقرًّا للحقيقة:

﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 149-150]

سبب تكرار الأمر بالقبلة لقطع احتمال الخصوصية بالنبي ﷺ

كل كلام للنبي ﷺ وكل أمر له في الكتاب خوطبت به أمته؛ فلو أنه قال له وحده لكفى، ولكنه يريد أن يقطع كل احتمال أن يكون هذا خاصًا بالنبي ﷺ، والمسلمون يتفرقون على قبلة، كل فريق منهم يذهب إلى قبلة.

لذلك يؤكد ويؤكد ويؤكد، لم يقتصر على الكلام مع النبي ﷺ بالرغم أنه لو اقتصر لكفى، ولكن لئلا يخرج أحد ويقول: هذا أمر للنبي فقط فحسب.

وقال له:

﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: 149]

وهذا وارد أن يجعل أحد شيئًا خاصًا بالنبي ﷺ، وهو وارد في الشريعة هكذا؛ إذ يكون أمرًا خاصًا بالنبي ﷺ ومفهومًا من خلاله.

أغلب الأوامر الموجهة للنبي ﷺ تشمل أمته من بعده

في حين أن أغلب الأوامر هي للنبي ﷺ وللأمة من بعده:

﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]

له ولقومه وللمسلمين.

﴿فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94]

له ولمن بعده.

﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]

له ولمن بعده.

حديث أمرت أن أقاتل الناس ودلالته على الخصوصية بالنبي ﷺ

إنما عندما يأتي [النبي ﷺ] يقول:

قال النبي ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ»

قال: «أُمِرْنَا» أم قال «أُمِرْتُ»؟ قالوا: لا، قال «أُمِرْتُ».

و«الناس» هنا باتفاق المفسرين والشارحين جميع الناس أم المشركون من العرب؟ قال: لا، المشركون من العرب. تقرأ في التفاسير وفي شراح الحديث تجد أن «الناس» هنا معناها مشركو العرب.

فلما حاربوه وآذوه وهددوه في حياته وحياة أهله وحياة أتباعه، وأجبروه على أن يهاجر الضعفاء إلى الحبشة، وأجبروه ﷺ أن يهاجر إلى المدينة، وأحاطوا به في الشمال [في] خيبر وفي الجنوب مكة؛ قال: «أُمِرْتُ أنا، أُمِرْتُ أن أقاتل هؤلاء الذين يحيطون بي، ولو ضحيت بحياتي، حتى أبلغ عن ربي».

رد شبهة من يستدل بالحديث على الإكراه في الدين

فيأخذها أعداء الإسلام، يقول لك: انظر أنت، هو تقولون: سنجعلها دمًا! لا، لن نجعلها دمًا.

الحديث يقول «أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا»، وليس «أُمِرْتُم»، وليس «أُمِرْنَا».

واحد يقول لي: حسنًا، ألست تقول إن كل شيء وُجِّه للنبي ﷺ يكون موجَّهًا لأمته غالبًا وليس دائمًا؟ ولأجل «غالبًا» هذه، ربنا يعلمنا أنه غالبًا؛ قوم يقول: ماذا؟

﴿وَمِنْ حَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 150]

أتعلم، لو كانت كل واحدة لا بد أن تسري من خطاب النبي ﷺ إلى خطاب الأمة، ما كان يبقى لهذه ضرورة؛ فلماذا جاء بها؟ جاء بها لكي يبين أن هذا ليس من الصنف الذي فيه خصوصية للنبي ﷺ، وإنما تخاطب به الأمة كلها.

آية الحجاب دليل على شمول الأحكام للأمة لا للنبي وحده

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لِّأَزْوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ [الأحزاب: 59]، فيقول له: ماذا يقول الله تعالى؟

﴿وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَـٰبِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: 59]

فيصبح الحجاب لأهل النبي ﷺ وبناته فقط، ولكنه يقول: «ونساء المؤمنين».

فيأتي أحد الآن من غير الفاهمين فيقول: لا، هذا كان لأيام النبي ﷺ فقط، كان لبنات النبي ﷺ فقط. أتعلم، لو لم يقل «ونساء المؤمنين» لكان ممكنًا، يمكن، ولكنه قال «ونساء المؤمنين»، يكون إذن لا يمكن.

وهكذا نفهم النصوص: أن غالب الأوامر التي وُجِّهت إلى النبي ﷺ والأحكام التي تعلقت به انتقلت إلى أمته غالبها وليس كلها؛ إذ يكون هناك مساحة اختصت به ﷺ.

جمال الإسلام في كونه دين عقل وحوار لا هيمنة وسيطرة

ما رأيك؟ هذا الدين جميل، هذا الدين جميل حقًا، دين عقل؛ يجعلك تفكر، يجعلك تفهم، حتى لو اختلفت في الرأي يجعلك أنك تفهم الذي أمامك وترد عليه وتقول له: لا، أنا غير مقتنع بكلامك هذا، هو هذا يمكن كذا، فيرد عليك ويقول كذا، وتأخذ وتعطي في الكلام.

ما فيه هيمنة وسيطرة، وإنما فيه علم؛ ومن كان قد استوفى العلم يبقى له وجه يقول لي: لا، أنا رأيي كذا، وأنا أقول له: رأيي كذلك، فتتسع الأمور، وكلها من خلاف التنوع إلى خلاف التضاد، والحمد لله الذي بلغ بنا دينه.

السنة الكونية في الدعوة وأن الهداية بيد الله لا بيد الداعية

قال:

﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى﴾ [البقرة: 150]

إذن فإن ربنا يرشدنا إلى سنة كونية: لن يتركوك، لن تقتنع [بعض الناس] هكذا.

بعض الناس يظن أنه لو شددنا حيلنا الأرض كلها ستصبح مسلمة. لا، الدعوة لا يُقصد بها أن تحول الناس من غير الإسلام إلى الإسلام؛ الدعوة هي أن تبلغ الناس بصورة لافتة للنظر حقيقة الإسلام، وكلمة تقولها وتقول لهم: السلام عليكم، وامضِ.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ﴾ ماذا؟ ﴿حَفِيظٌ﴾ [الشورى: 6]

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [القصص: 56]

قل الكلمة وخذ نفسك وامضِ، هذه هي الدعوة.

تقصير المسلمين ليس في عدم إسلام العالم بل في إقامة الإسلام في أنفسهم

ولذلك لا يتصورن أحد من الناس أن المسلمين في تقصير وقصور وأنهم لماذا لم يصبح العالم كله مسلمًا. لا، هذه سنة الله في كونه، غير ذلك.

ولكن القصور والتقصير الخاص بالمسلمين في أنهم لم يقيموا الإسلام الصحيح في أنفسهم ويكونوا شهداء على الناس؛ هذا المطلوب منا.

أما الذي يخلق الهداية في قلوب العباد فهو الله:

﴿وَمَا أَرْسَلَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الشورى: 6]

﴿وَمَا أَرْسَلَكَ عَلَيْهِمْ مُسَيْطِرًا﴾

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.