سورة البقرة | حـ 144 | آية 135 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 144 | آية 135 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • الإسلام يأمر بالإيمان بجميع الأنبياء ويجعله ركناً من أركان الإيمان، فمن كفر بأي نبي فليس بمؤمن.
  • عند السؤال عن نبي لم نسمع به، نقول: آمنت به إن كان نبياً، حرصاً على إقرار النبوة والحق.
  • جميع الأنبياء يدعون إلى توحيد الله، ويبشرون بالنبي محمد ﷺ، وأخذوا الميثاق على أتباعهم باتباعه إذا ظهر.
  • حدث تحريف وانحراف بعد الأنبياء، فأرسل الله الرسل تباعاً لتصحيح هذا الانحراف.
  • القرآن يرشدنا للتمسك بملة إبراهيم الحنيفية البعيدة عن الشرك، وهي نقطة اجتماع للديانات.
  • الدعوة للبحث عن المشترك بين أهل الديانات للعيش في مجتمع واحد متناغم.
  • إبراهيم عليه السلام نقطة اتفاق بين الديانات، لأنه لم يشرك بالله ولم يدّعِ الألوهية وكسر الأصنام.
  • المشترك الذي به الاجتماع البشري هو التوحيد وملة إبراهيم.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

الإيمان بجميع الأنبياء ركن من أركان الإسلام لا يتجزأ

﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]

فإذا ينبّهنا ربنا سبحانه وتعالى وقد أمرنا أن نؤمن بالأنبياء جميعًا، وجعل الإيمان بهم ركنًا من أركان الإسلام؛ فمن كفر بعيسى فليس بمؤمن، ومن كفر بموسى فليس بمؤمن، ومن كفر بإبراهيم فليس بمؤمن.

موقف المسلم إذا سُئل عن نبي لم يسمع به من قبل

إن العلماء يقولون: لو سألك سائلٌ عن نبيٍّ لم تكن قد سمعت به من قبل، يقول لك مثلًا: يوشع بن نون نبيٌّ أم ليس بنبي؟ ماذا تعتقد؟ أنت لا تعرف، هذه أول مرة تسمع عنه. حزقيال نبيٌّ أم ليس بنبي؟ دانيال نبيٌّ أم ليس بنبي؟ يسألك: أتؤمن به أم لا؟

قال: أنت لا تعرف، ماذا تفعل إذن في هذه الورطة؟ إذا قلت: لا، ليس بنبي، وظهر أنه نبيٌّ، فستكون قد أنكرت نبيًّا، والمسلم لا ينكر أبدًا الأنبياء. وإذا قلت: إنه نبيٌّ، وظهر أنه ليس بنبي، فستكون قد أفسدت الدنيا.

فماذا أفعل؟ قال: تقول: آمنت به إن كان نبيًّا. ما هذا؟ ولستَ تعرف، ولم تسمع به من قبل، ولم تبحث! أنت جالسٌ هنا في المجلس هكذا، قالوا لك: فلانٌ نبيٌّ أم ليس بنبي؟ قل لنا. تقول: آمنت به لو كان نبيًّا، ها، على الفور هكذا آمنت به لو كان [نبيًّا].

حرص الإسلام على إقرار النبوة وانحراف الأتباع عن مسيرة الأنبياء

انظر حرص الإسلام على إقرار النبوة؛ لأنه الحق على الإنصاف. ولكن نبّهنا [الله سبحانه وتعالى] عندما أحدث الناس بعد الأنبياء من قبل، أن أتباعهم انحرفوا عن مسيرة الأنبياء.

جميع الأنبياء يدعون دعوةً واحدةً وهي أنه لا إله إلا الله. جميع الأنبياء يبشّرون بالنبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم. جميع الأنبياء أخذوا الميثاق على أتباعهم أنه إذا ظهر ذلك النبي الذي بشّر به الله اتّبعوه وانصروه.

التحريف والانحراف وإرسال الرسل لتصحيح المسار عبر التاريخ

ثم بعد ذلك حدث ما حدث من تحريفٍ وتخريف، ثم بعد ذلك حدث ما حدث من انحرافٍ عن الجادّة. أرسل الله الرسل تباعًا تصحّح ذلك الانحراف.

في كل مرةٍ لم يستقم أحدٌ على وصايا موسى على الجبل [الوصايا العشر]، لم يستقم أحدٌ على زهد عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

ولذلك ماذا كان؟ كان أن علّمنا الله سبحانه وتعالى الأدب بأن آمنّا بالكل، وجعلنا ذلك الإيمان ركنًا وجزءًا لا يتجزأ من إسلامنا، وفي الوقت نفسه ثباتٌ على العقيدة وعلى العمل الصالح وعلى فعل الخير.

الدعوة إلى ملة إبراهيم كأرضية مشتركة بين المسلم وغيره

﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: 135]

قال لهم [الله سبحانه وتعالى يفتح الله]:

﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: 135]

قل: من الذي يقول؟ أنت تقول هكذا، أنت تريد ماذا؟ قال: أريدك أن تكون معي. أنا أريدك أن تكون معي. قالوا: حسنًا، ما دمت إذا أصبحت يهوديًّا فلن أكون معك أنت [أيها] المسيحي، وإذا أصبحت مسيحيًّا فلن أكون مع اليهودي.

وبعد ذلك، حسنًا، ما رأيك الآن في أن أكون مع إبراهيم؟ الله! هذا يرشدنا إلى المشترك.

أمر الله بقول ملة إبراهيم حنيفًا ونفي الشرك عنه

ما رأيك يا أخي، أنت وهو، إن كنت مع إبراهيم؟ قل: من الذي يقول؟ سأقول وأنت ستقول. كل واحدٍ يقرأ القرآن يقول له: قل، وتقول له هو أيضًا: قل.

﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: 135]

وأنكد من هذا:

﴿وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]

وما كان من المشركين. يقول لك: أنا لست مشركًا. قلت له: انتهى الأمر والحمد لله.

الحوار مع من يدّعي عدم الشرك بين تاريخ الأوثان والإلحاد

ولكنني أتصوّر أنه عبدتم الوثن، وأن بني إسرائيل فتحوا خمسة معابد للأوثان كما هو مذكورٌ في تاريخكم، وليس نحن من نقول ذلك.

قال لي: أنا الآن لم أعد مشركًا، لقد أصبحت ملحدًا. ولكن حسنًا، لماذا تقولون مشرك، ملحد، مؤمن؟ الأمر بينك وبين ربك، وأنت ستعود إليه وهو الذي يعرف ويعلم ما الذي حدث.

ولكن ما رأيك أن المشترك الذي بيني وبينك هو إبراهيم، والمشترك الذي بيني وبينك أنني أحترم جميع أنبياء الله، فهل تحترم محمدًا أم أنك تتطاول عليه كل يوم؟

قال: إنني أحترمه. فقلت له: حسنًا، إذا احترمته فقد أصبحنا أحبابًا.

البحث عن المشترك مع الآخر من خلال ملة إبراهيم عليه السلام

فقال لي: وهذا الذي يظهر حتى على التلفاز هذا ويتكلم بطريقةٍ مضطربةٍ هكذا، هذا ليس منّا. قلت له: انتهى. وآخر قال: لا، هذا منّا. قلت له: حسنًا، لا يحدث شيء.

لكن الذي بيننا سيدنا إبراهيم؛ لأنني إذا قلت لك: محمد، ستقول لي: أنا كافرٌ بمحمد.

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

سأقول لك: عيسى، فستقول لي: أنا كافرٌ بعيسى [أنت أيها] اليهودي. فماذا أقول لك حتى نجلس معًا؟ لأنني مسلمٌ وأريد أن نجلس معًا.

أنا ليس لديّ مشاكل في أنني مؤمنٌ بالجميع. أنت لديك مشاكل: أنت [أيها اليهودي] مع سيدنا عيسى ومحمد، وأنت [أيها المسيحي] مع سيدنا محمد. فلماذا لا تأتي لنرى المشترك حتى نجلس مع بعضنا البعض ونكون في مجتمعٍ واحدٍ جميلين هكذا.

الاتفاق على ملة إبراهيم كأساس للاجتماع البشري بين الجميع

من هذا قال: إبراهيم. هل يوجد أحدٌ منكم قال إن إبراهيم سيّئ؟ قال: لا. قلنا له: حسنًا.

﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]

أأنت مشرك؟ قال: لا، أنا لست مشركًا. أنتم تظنوننا عندما نقول ونعيد هذا إشراك، أبدًا هذا ليس إشراكًا. قلت له: حسنًا، دعوه ليس بشركٍ، ولنرَ يوم القيامة أهو شركٌ أم لا.

إبراهيم لم يكن مشركًا، ولا قال عن نفسه إنني ربكم، ولا ربكم حلّ فيّ، ولا أيّ شيء، ولا عبد الوثن، بل كسر الأصنام. متفقون؟ قالوا: متفقون.

ملة إبراهيم حنيفًا هي المشترك الذي يجمع البشرية جمعاء

قلنا: لا إله إلا الله، هذا ربنا الذي قال:

﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَٰهِـمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135]

لأنه أرجعنا إلى المشترك الذي به الاجتماع البشري، وقوام هذا الاتفاق بين الجميع: إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.