سورة البقرة | حـ 121 | آية 108 : 109 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •ذكر الله قصص بني إسرائيل ليستفيد المسلمون منها، فيتبعوا الخير ويتجنبوا الشر في سيرهم مع الله.
- •قوله تعالى "كما سئل موسى من قبل" استخدم المبني للمجهول لعدم ذكر اسم بني إسرائيل لغضب الله عليهم.
- •سؤال بني إسرائيل لموسى كان للضيق والحرج وليس للعلم، كطلبهم رؤية الله والطعام المختلف.
- •الكافر في حيرة وتيه، بينما المؤمن مع الله في طمأنينة وأمان.
- •أنصف القرآن أهل الكتاب بقوله "ود كثير" ولم يقل "كل أهل الكتاب"، فهم درجات ومستويات مختلفة.
- •حسدهم للمسلمين من عند أنفسهم وليس بأمر من الله.
- •تعامل المسلمين مع أهل الكتاب بالعفو والصفح حتى يأتي أمر الله.
- •الله قادر على هداية من يشاء، وبيده ملك السماوات والأرض.
- •أمر الله قد يكون بالهداية أو بيوم القيامة حيث يحكم بين العباد فيما اختلفوا فيه.
مقدمة الدرس والعبرة من قصص بني إسرائيل في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ينبهنا إلى أن قصة بني إسرائيل إنما ذكرها لنا لنستفيد منها، وجعل في قصصهم عبرة، وجعل فيما فعلوه من خير هداية، وجعل ما فعلوه من شر تنبيهًا لنا نحن في سيرنا مع الله.
وينبهنا ألا نقع فيما وقعوا فيه من أخطاء، وأن نستفيد مما فعلوه من خير.
سر استخدام المبني للمجهول في قوله تعالى كما سئل موسى من قبل
﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ﴾ [البقرة: 108]
وهنا لم يقل [الله سبحانه وتعالى]: "كما سأل بنو إسرائيل موسى من قبل"، إنما قال: "كما سُئل موسى من قبل". لماذا قال [بالمبني للمجهول]؟ كأنه غاضب عليهم؛ عندما تكون غاضبًا على أحد قوم لا تذكر اسمه، فهو غاضب عليهم فلا يكرر أسماءهم مرة أخرى.
فهذا أحد فوائد المبني للمجهول: أنه لا يريد أن يذكر هذا الشخص لأنه غاضب منه، فالله سبحانه وتعالى غاضب عليهم.
أسئلة بني إسرائيل السخيفة لم تكن للعلم بل للضيق والحرج
فالسؤال هنا لم يكن سؤالًا للعلم وإنما سؤال للضيق والحرج، كما سألوه هذه الأسئلة السخيفة: أرنا الله، هات لنا طعامًا آخر، اجعل لنا إلهًا كما لهم إله، اتخذوا العجل، يريدون الطعام أن يتغير، وهكذا.
معنى الباء في قوله تعالى ومن يتبدل الكفر بالإيمان ودلالتها
﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَـٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ﴾ [البقرة: 108]
فهل الباء هنا دخلت على بابها أم لا؟ يتبدل الكفر بالإيمان، الباء تدخل على المتروك، فيكون أنهم تركوا الإيمان وأخذوا الكفر. نعم، هو حدث كذلك فعلًا، فتكون الباء في موضعها؛ لأن الباء تدخل على ماذا؟ على الشيء المتروك.
حال الكافر في متاهة وحيرة وحال المؤمن في طمأنينة وأمان
ضل سواء السبيل، أخبرنا ربنا سبحانه وتعالى أن حال الكافر مع ربه أنه في متاهة، في حيرة. أما مع الله ففي طمأنينة وأمان:
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
فهناك حالتان: حالة الحيرة والتيه، وحالة الأمن والأمان.
إنصاف القرآن في قوله ود كثير من أهل الكتاب وليس كلهم
وهذا كثير من أهل الكتاب، انظر إلى الإنصاف! مرات ومرات كل مرة نقول هكذا: انظر إلى الإنصاف، أنه قال: "ودّ كثير" ولم يقل: "ودّ كل أهل الكتاب". ربنا عليم يعلّمنا نحن أن ننصف في رؤية الناس الآخرين، فلا تضعهم جميعًا في مكان واحد وترميهم في البحر.
فمنهم من لا يعرفك، ومنهم من يتركك في حالك، ومنهم من صورتك مشوهة لديه، ومنهم من يدبر لك المكائد ويريد بحقد وحسد عليك أن تهلك، ومنهم من يفعل هذا في قلبه، ومنهم من يحاربك بالسلاح ويحتل أوطانك وبلادك ويأخذ ثرواتك. مختلفين، ما قام في قلب إنسان واحد [منهم شيء واحد].
حسد أهل الكتاب للمسلمين ورغبتهم في ردهم عن الإيمان
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة: 109]
يا عيني! لا يسمح له أن يتركك في حالك، حسدًا.
هل كانوا [متلبسين بالحسد]؟ ما هذا؟ يعني ما الحال الذي هو متلبس به؟ الحسد عند أنفسهم، حسدًا من عند أنفسهم.
هل يجوز أن يأتي الحال بالمصدر وتأويله بالمشتق
وهل يجوز أن يأتي الحال بالمصدر؟ قالوا: نعم يجوز، مثل: "اجتهد وحدك"، "قم وحدك". ما هذا؟ قال: "وحدك" هذه ليست مشتقة، لكن الحال هذا يجب أن يكون مشتقًا. قال: فيكون في تأويل المشتق؛ المصدر ليس مشتقًا ولكنه في تأويل المشتق، أي "حاسدًا".
كل واحد منهم حاسدًا، يعني ما معنى حاسدًا؟ كل واحد منهم من تلقاء أنفسهم، هذا الحسد لم يأمرهم الله بالحسد، ولم يأمرهم أن يحملوا السلاح ضد أعدائهم [المسلمين].
تناقض الحروب الصليبية مع تعاليم سيدنا المسيح عليه السلام
هذا سيدنا المسيح [عليه السلام] قال ماذا؟ أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم. فلماذا يأتون إلينا هنا بالسلاح في الحروب الصليبية وشاهرين الصليب، والصليب منهم براء!
سيدنا عيسى [عليه السلام] لم يقل هكذا، ولا أحد قال لهم هكذا. [فعلوا ذلك] من تلقاء أنفسهم.
موقف المسلمين من حسد أهل الكتاب والأمر بالعفو والصفح
﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ﴾ [البقرة: 109]
هذا أشد حقدًا وأكثر كراهية؛ أيضًا في بعضهم تبيّن له الحق وما زال أيضًا يحسد ويحقد.
فما هي مواجهتهم؟ ماذا نفعل نحن؟ أنقوم عليهم ونأخذ سلاحًا ونكسر عظامهم؟ أبدًا! فأنا قادر [على ذلك]، هذا نحن في المدينة. قال [الله]: لا تفعل هذا! النبي ﷺ أول من أذن في المدينة عمل معاهدة ودستورًا وصحيفة مع اليهود أن يبقى في مواطنة.
وبعد ذلك فماذا نفعل؟ يعني هذا شخص يريد أن يزيلني من على وجه الأرض، يغمض عينه يفتح عينه ولم يجد أمامه هذا الشخص [المسلم].
أمر الله بالعفو والصفح حتى يأتي الله بأمره وليس عن جبن
أليس قال تعالى:
﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا﴾ [البقرة: 109]
فهل الذي قال لنا هذا خوفنا وجبّننا أو حبنا للدنيا هو الذي قال لنا كذلك، أم رب العالمين؟ رب العالمين هو الذي قال:
﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]
قال له: كيف يأتي الله بأمره؟ قال: أمرين: إما أن يهديه فتجده معك، يبقى أتى بأمره أم لا؟ الله [قادر على ذلك].
الله قادر على هداية الكافرين وانتشار الإسلام دليل على ذلك
أنت تقول: أمعقول هذا السؤال هكذا؟ أمعقول هذا؟ هو ربنا يهديه! أجل، سيهديه وهدى كثيرين. وإلا كيف انتشر الإسلام؟ كيف انتشر الإسلام؟ ما هو بالهداية هذه!
﴿حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]
الاستكبار الذي عندك هذا، الذي تقول أمعقول، أتستكبر يعني أتستكبر على أن هذا يهتدي؟ قوم! إن الله سبحانه وتعالى يقول لك: إن الله على كل شيء قدير. أنت تكلم من؟
ملك السماوات والأرض لله وأمره بالعفو حتى يأتي بأمره
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 107]
ما هو المدخل الخاص لها هكذا في الآية التي في بداية الصفحة: ألم تعلم أن الله له [ملك السماوات] والأرض. طيب، علمنا ذلك.
﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]
قال: طيب، والثانية؟ أنت تقول: "حتى يأتي الله بأمره"، فما فيها اثنان.
المعنى الثاني لأمر الله وهو الرجوع إليه يوم القيامة والحكم بين الناس
الثانية أننا نرجع إلى الله يوم القيامة فينبئنا بما كنا فيه نختلف.
﴿حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ﴾ [البقرة: 109]
أمر الله هو ما يُطلق؛ أمر الله على الموت، يُطلق أمر الله على يوم القيامة. ولذلك فإننا نرجع إلى ربنا سبحانه وتعالى في يوم القيامة فيحكم بيننا، ونحن موافقون؛ لأن نحن على يقين أن هذا الحق أبلج وأن الباطل لجلج.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
