سورة البقرة | حـ 126 | آية 114 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية الكريمة تستنكر ظلم من يمنع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه ويسعى في خرابها.
- •المسجد في اللغة مصدر ميمي يدل على ثلاثة أمور: مكان السجود، وزمن السجود، ونفس فعل السجود.
- •منع المساجد يشمل منع الطاعة في أشكالها المختلفة سواء كانت في مكان معين أو زمن معين.
- •تطلق كلمة المسجد على الجوامع التي تقام فيها الصلوات والعبادات باعتبار أن أهم ما يقام فيها هو السجود.
- •الأمة الإسلامية تفردت بالسجود لله رب العالمين، فلا يسجد لله أحد في العالم الآن سوى المسلمين.
- •الفرق بين المنع والتخريب: المنع يقتصر على الحاضرين المعاصرين، أما التخريب فيتعدى إلى الأجيال اللاحقة.
- •السعي في الخراب يشمل من يساعد على الهدم ولو لم يباشره بنفسه.
- •توعد الله هؤلاء المفسدين بالخزي في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.
مقدمة الدرس وبيان موضوع الآية من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه الدقائق المعدودة في سورة البقرة، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا كيف ننقل العلم لمن بعدنا، بعد أن أكد لنا أن عقلية العلم هي العقلية التي يرضى عنها ربنا، وأن هذا العلم لا يكون تامًّا إلا بإسلام الوجه لله وإلا بالإحسان.
وأن ربنا سبحانه وتعالى غفور رحيم يقبل التوبة عن عباده، وأنه يحكم فيما بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.
تلاوة آية تحريم منع مساجد الله وبيان عظم الظلم فيها
يقول ربنا [سبحانه وتعالى]:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ أُولَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 114]
هل هناك أظلم ممن يمنع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه؟ هذا هو السؤال، وكان الله يقول لنا: ليس هناك أظلم من هذا المفسد في الأرض حيث يمنع مساجد الله.
معنى كلمة مساجد في اللغة العربية وصيغة منتهى الجموع
وبما هي له مساجد؟ مساجد جمع مسجد، وهو يسمونه منتهى الجموع. مساجد منتهى الجموع، كلمة مسجد منتهى الجموع يعني لا جمع له آخر، ولذلك يُمنع من الصرف.
مسجد يعني ماذا؟ المسجد هذا في اللغة العربية اسمه المصدر الميمي. سجد يسجد سجودًا، هذا الذي هو المصدر العادي، هو الذي يتعلق بالحدث أنك أنت تسجد.
فمسجد قال: لا، هذا مصدر ميمي. يعني ما هو مصدر ميمي؟ قال: يعني مصدر أيضًا هذا الذي يتعلق بالحدث ولكن أوله ميم. ما أوله؟ ما مسجد هو ما أوله؟ ميم.
دلالة المصدر الميمي على المكان والزمان والحدث في كلمة مسجد
فما المصدر الميمي هذا؟ لماذا يأتي في لغة العرب؟ العرب صنعوه لماذا؟ كيف؟ قال لك: إن المصدر الميمي يدل على المكان والزمان والحدث، ثلاثة أشياء: على مكان السجود، وعلى زمن السجود، وعلى نفس السجود.
حسنًا، إذا جاء أحد ومنع المسجد، فماذا سيمنع؟ سيمنع السجود، إذن منع ماذا؟ الطاعة. وسيمنع أن تشغل أوقاتك بالطاعة.
الفرق بين أنواع المنع من الطاعة في المكان والزمان والحال
ما الفرق؟ الفرق أن الأول منعك من أن تصلي، قال لك: احذر أن تصلي. والثاني قال لك: صلِّ ولكن تفرَّغ لي قليلًا هكذا؛ لأن هذا القليل لا نعبد الله فيه.
الأول منعك من كل خير، أي منعك من السجود فمنعك من الطاعة كلها. والثاني منعك من السجود في زمن معين.
حسنًا، والثالث منعك من الطاعة في مكان معين، قال: لا يا حبيبي، لا تُطِع هنا وتُطِع في بيتكم.
أمر الله بالطاعة في كل مكان وزمان وحال
فإذا كان الله سبحانه وتعالى وهو يأمرنا بالطاعة، كأنه يأمرنا بالطاعة في كل مكان:
قال النبي ﷺ: «اتقِ الله حيثما كنت»
انظر إلى الكلام، ويأمرنا بالطاعة في كل زمان، ويأمرنا بالطاعة المطلقة، يعني في كل الأحوال، سواء كنا في حالة ضيق أو فرج، سِلم أو حرب، شدة أو رخاء.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 114]
المسجد يُطلق حقيقةً على ما ذكرنا، الذي هو موضع السجود، ونفس السجود، وزمن السجود.
إطلاق كلمة مسجد على الجامع مجازًا وبيان وظائف المسجد
ويُطلق [المسجد أيضًا] على الجامع الذي مثلما نحن فيه هذا، إنه مسجد. الجامع الذي نحن فيه هذا اسمه مسجد السلطان حسن؛ بسبب السلطان حسن هو الذي بناه. نحن نقول عليه جامع لأنه يجمع الناس ونصلي فيه الجمعة والجماعات.
ونقول عليه مسجد لأن أهم ما نقوم به إنما هو طاعة الله، التي أهم شيء فيها الصلاة، التي هي أهم شيء فيها السجود.
فإطلاقه على هذا الجامع مجاز؛ لأن الجامع نصلي فيه فقط، ولكن أيضًا نقيم، يوجد فيه أيضًا نعقد الزواج فيه، وأيضًا نصلي على الجنازة فيه، وأيضًا نحل مشاكل الناس، وأيضًا هذه وظائف المسجد كثيرة.
تفرد الأمة الإسلامية بالسجود لله وتسمية الجامع مسجدًا مجازًا
أهم شيء ما هو؟ الصلاة، وأهم شيء في الصلاة السجود الذي تفردت به الأمة الإسلامية. لا يسجد لله رب العالمين أحد في العالم الآن سوى المسلمين فقط. المسلم فقط هو الذي يسجد لله رب العالمين.
فسُمِّي هذا الجامع مسجدًا على سبيل الحقيقة أم على سبيل المجاز؟ قال: على سبيل المجاز.
ترجيح المعنى المجازي لكلمة مساجد بقرينة الظرفية في الآية
ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه. فتبقى كلمة "فيها" ترجح المجاز أم ترجح الحقيقة؟ قال: لا، هذه كلمة "فيها" تبقى ترجح المجاز.
"فيها" تقتضي الظرفية، وهذه الظرفية لا تتحقق إلا في المسجد الجامع؛ لأن له جدرانًا وله بابًا، فإذا دخلت فيه فهو ذلك. فإذا رشَّحت "فيها" الظرفية فرشَّحت المجاز فيها.
و"سعى في خرابها" رشَّحت أيضًا المجاز، سعى في خرابها.
المساجد تعني الطاعة في كل زمان ومكان والتحذير من منعها وتخريبها
فالمساجد وإن كانت تعني بها الطاعة، وإن كانت نعني بها عبادة الله في كل زمان ومكان، في كل الأحوال، وكل الأشخاص يجب أن يفعلوا هذا، إلا أن هنا نريد بها هذه المؤسسة التي فيها العلم، التي فيها العبادة، التي فيها الطاعة.
إياك أن تمنعها فتمنع كل هذا، وإياك أن تخربها فتؤدي إلى المنع، منع آخر.
ما الفرق بين المنع والتخريب؟ المنع يقتصر على الحاضرين المعاصرين: سنغلق المسجد ولن يأتي أحد إلى هنا، لكن المسجد يبقى لمن بعدنا. التخريب يتعدى إلى الآخرين اللاحقين بنا؛ أولادنا يخرجون فيجدون المسجد قد هُدِم.
أنواع الفساد في الأرض ودرجاته بين القاصر والمتعدي عبر الزمان
فإذن الفساد في الأرض على أنواع وعلى درجات: منه فساد لأمور هامشية وهو حرام، ومنه فساد لأمور أساسية وهو أشد.
وهذه الأمور الأساسية منها فساد قاصر، ومنها فساد متعدٍّ عبر الزمان، أي تفعله اليوم فيؤثر على من بعدك بأن تهدم ولا تبني. فالمنع شيء والخراب شيء آخر.
إذن نحن مأمورون بماذا؟ بأن تحذر من أن تفعل ذلك [أي منع المساجد وتخريبها].
الفرق بين التخريب المباشر والسعي في الخراب وعقوبة المفسدين
ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يُذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، وهذا شيء آخر. فالخراب مصيبة كما قال، والسعي فيه مصيبة أيضًا.
يعني أحيانًا الإنسان لا يخرب ولكن يذهب ليكتب تقريرًا للخراب، لخراب العمران البشري، فنقول له: أنت تساعد الآن على الخراب. "سعى في خرابها" وليس خرَّبها فعلًا، هذا سعى في خرابها فقط.
﴿أُولَـٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ﴾ [البقرة: 114]
الله يلقي الرعب في قلوب هؤلاء المفسدين الذين يفسدون ولا يصلحون. لهم في الدنيا خزي حتى تجدوهم مخزيين، ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
كفانا الله شرهم، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
