سورة البقرة | حـ 114 | آية 102 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 114 | آية 102 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يحذرنا الله تعالى من اتباع ما تتلو الشياطين كما فعل بنو إسرائيل بدلاً من اتباع أوامر الله ورسله.
  • الشهوات لا تنتهي ولا تحقق الراحة بل تورث الضيق والإدمان، بينما في ضبطها كما أمر الله يجد المرء النور في قلبه.
  • من يغض بصره عن المحارم يجد حلاوة ذلك في قلبه، وهي نعمة لا تُشترى بالمال بل بالطاعة.
  • الشياطين كانت تتلو الكفر على ملك سليمان وتعلم الناس السحر، مع أن سليمان لم يكفر.
  • السحر قوة مؤثرة، واختلف العلماء في حقيقته؛ فأهل السنة يرون أنه يقلب الحقائق، والمعتزلة يرونه تخييلاً وتوهيماً.
  • تعليم السحر للناس عامة يعني نشر الفساد بشكل واسع.
  • الدعوة العامة للشر أشد إثماً من الإضلال الخاص، لأنها تشيع الفاحشة في المجتمع.
  • ينبغي أن نعد الدعوة لشيوع الفساد من الكبائر اتباعاً لهدي الكتاب.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضوع اتباع الشياطين في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة البقرة وهو يقصّ علينا شأن بني إسرائيل، قال تعالى:

﴿وَٱتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾ [البقرة: 102]

إذن نحن أمام حالة فريدة يحذّرنا الله منها، وهي أن الله يأمر والشيطان يأمر، والله سبحانه وتعالى يأمر والذين يتّبعون الشهوات يأمرون. فإذا بالإنسان الذي لا يوفّقه الله يتّبع ما تتلو الشياطين ولا يتّبع ما يتلو الله، ولا ما تتلو الأنبياء عن الله.

اتباع الشهوات وتقديم العاجلة على الآخرة وعاقبة ذلك

ويتّبع [هؤلاء] الذين يتّبعون الشهوات، ولا يتّبع ما أمر الله به. وذلك لأنهم قد قدّموا العاجلة وتركوا الآخرة، وظنّوا أن في تحقيق الرغبات والشهوات راحة، وفيها تعب وليس فيها راحة؛ لأن الشهوات لا يمكن أن تُقضى ولا أن تنتهي.

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَـٰطِيرِ ٱلْمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلْأَنْعَـٰمِ وَٱلْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَـٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ ٱلْمَـَٔابِ﴾ [آل عمران: 14]

إذا الإنسان كلّما ترك نفسه لشهواته كلّما ضاق عليه الحال.

إرادة الله التخفيف عن العباد مقابل إرادة أهل الشهوات الإضلال

﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [النساء: 28]

يخفّف عنكم، الله يعني هو في التكليف تخفيف. قال: نعم، باعتبار المآل، والكلّ فيه تخفيف؛ لأنك لو ركبت الشهوات وجدت نفسك في جهنم. والمصيبة أنك في بعض الأحيان لا تستطيع أن تخرج منها؛ تُدمن الشهوات فلا تستطيع أن تخرج منها، ولا تستطيع أن تقضي حاجتك منها.

وفي هذه الحالة تكون في حالة عجيبة الشكل، حالة إدمان كالمدمن يدمّر نفسه.

كبح الشهوات وغض البصر يورث النور والحلاوة في القلب

وإذا نظّمت تلك الشهوات كما أراد الله سبحانه وتعالى، أن تكبح جماح شهواتك كما أراد الله، فإنك حينئذٍ تجد النور دخل في قلبك.

قال رسول الله ﷺ: «أيّما رجلٍ غضّ بصره عن محارم الله إلا وجد لذّة ذلك في قلبه»

ما أنا ممكن أن أنظر وأتمادى في هذا النظر، أظنّ أن ذلك يُدخل المتعة والسرور في قلبي، ولكن هذا يُغبّش عليّ وعلى قلبي، ثم يحدث بعد ذلك حيرة واضطراب وضيق، ثم يحدث بعد ذلك معاداة للفطرة.

ولكن هذا الغضّ من البصر وقد وجدت حلاوته في قلبك، بعد ذلك قالوا: والله وجدنا حلاوته في قلوبنا، لو عرفها الملوك لقاتلونا عليها.

حلاوة الطاعة لا تُشترى بالمال بل بالعمل الصالح

يقول لي: ديني، من أين هذا [النعيم القلبي]؟ لأنني أريد ملكًا قويًّا يريد هذه الأشياء، أن يشتريها حتى بالمال. لا ينفع هذا؛ إنك تشتريها بالطاعة [لا بالمال ولا بالجاه].

بيان ما كانت تتلوه الشياطين على ملك سليمان من الكفر والسحر

إذا كان الاتباع هذا اتباع الشيطان واتباع أهل الهوى واتباع كذا إلى آخره، أمرٌ غريب غير منطقي في مقابل اتباع الله ورسوله. فبعد أن قصّ علينا [الله تعالى] قصتهم [أي بني إسرائيل] في مخالفة منهج الله، قال إنهم لم يكونوا على فراغ، بل:

﴿وَٱتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾ [البقرة: 102]

ماذا كانت تتلو الشياطين على ملك سليمان؟ فسّرتها العبارة التالية: كانوا يتلون كفرًا وشركًا.

﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 102]

يبقى إذن الذي كانوا يعلّمونه ويتلونه كان كفرًا. من جهة الكفر أين [هو]؟ الاستعانة بغير الله.

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

لكن اعتقدوا أن غير الله بيده الحول وبيده القوة، بيده الضرّ وبيده النفع، بيده الفعل والإحياء والإماتة والرزق والخلق والأمر. ليس كذلك؛ فكلّ ذلك بيد الله، لا حول ولا قوة إلا بالله.

تفصيل كفر الشياطين بتعليم الناس السحر وحقيقته عند أهل السنة والمعتزلة

﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 102]

فما كفرهم بالتفصيل؟ يبقى هذا بالإجمال: واتّبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان. ماذا كانوا يتلون؟ كانوا يتلون الكفر. ما تفصيل ذلك الكفر؟ تفسّره العبارة التي بعده:

﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ﴾ [البقرة: 102]

والسحر قوة مؤثّرة. يرى أهل السنة أنها تقلب الحقائق، حتى إنها وصلت إلى قلب الحقائق. المعتزلة يقولون: لا، هذا تخيّل وتوهيم على النظر مع بقاء الحقيقة كما هي.

يعني هل السحر يمكن أن يحوّل الإنسان إلى حمار؟ فقالوا: لا، إنما يمكن أن أراه أنا حمارًا، يعني مثل التنويم المغناطيسي هكذا، أو مثل التوهّمات.

﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 66]

لكن هي لا تسعى ولا شيء.

﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾ [طه: 67]

لماذا؟ لأنه تخيّل أنها تسعى، لكن هي لا تسعى. فهذا السحر يقولون عنه أنه لا حقيقة له. أهل السنة يقولون: لا، له حقيقة. خلاف بين المسلمين.

تعليم السحر للناس عامة يدل على إرادة إشاعة الفساد الواسع

﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ﴾ [البقرة: 102]

كلمة الناس كلمة عامة، إذن هم يعلّمون الناس جميعًا وليس طائفة معيّنة. إذن يريدون أن يشيع الفساد في الأرض.

طائفة معيّنة يمكن أن نقبض عليها، وقالوا هكذا: أن الساحر يُحبس حتى يتوب، ونأتي به نقول له: هل ستتوب أم لا؟ فإن قال: لا، لن أتوب، نضعه في السجن حتى لا يضرّ الناس ويشوّه عليهم أو يعكّر عليهم صفو حياتهم فلنسجنه.

فهذا السحر يحتاج إلى أدوات وإلى أشياء وما إلى ذلك، فنرى أن هذا الإنسان يضرّ الناس فحقّه السجن حتى يتوب. ولكن هؤلاء يريدون تعليم جميع الناس السحر.

فما معنى ذلك؟ فهذا معناه فساد واسع.

التحذير من الدعوة العامة إلى الفساد والفرق بين الضلال الخاص والعام

وما معناه عندنا نحن؟ أن إيّاك أن تدعو دعوة فساد واسع، وإنك إذا دعوت دعوة فساد محصور كان عليك ذنب بأن تُضلّ أخاك مثلًا، أو تقول لصاحبك: تعال نرتكب المعصية، عليك ذنب.

ولكن عندما تمسك ميكروفونًا وتدعو الناس إلى الفساد تصبح مصيبتك عظيمة. هناك فرق بين الضلال الخاص الذي عليه ذنب لكن يمكن للإنسان أن يتوب منه، يمكن للإنسان أن يقول له: لا، أنا كنت مخطئًا والله يحفظك، يعني نتوب الآن مما نفعله. هذا أصدقاء يسيرون مع بعضهم البعض.

قال رسول الله ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»

إنما تمسك الميكروفون أو تكتب في الصحافة أو في إعلام منفتح تدعو الناس إلى الشر، فهذا ليس صحيحًا.

الدعوة العامة للفساد من الكبائر والتحذير من إشاعة الفاحشة في المؤمنين

إذن يعلّم الناس السحر، والدعوة العامة [إلى الفساد] تنبئ عن حبّك لشيوع الفحشاء ولشيوع الفساد في الذين آمنوا. والله سبحانه وتعالى ينعى على أولئك الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.

يجب علينا أن نجعل هذا [حبّ إشاعة الفاحشة] من الكبائر في نفوسنا حتى نهتدي بهدي الكتاب.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.