سورة البقرة | حـ 97 | آية 83 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يقرن الله تعالى في القرآن بين التوحيد وبر الوالدين، واعتبر النبي عقوق الوالدين قرين الشرك في الكبائر الموبقات.
- •بر الوالدين يتجاوز مفهومه الضيق (الأب والأم) إلى مفهوم أوسع يشمل احترام كبار السن وتقديرهم.
- •رعاية الكبار وتقديرهم يجب أن تتحول إلى ثقافة سائدة في المجتمع وفلسفة تربوية.
- •الكبار بركة في الأرض، ومصدر للحكمة والخبرة، وسبب لحماية المجتمع من العذاب.
- •تضييع الكبار يعني تضييع الأعمار والخبرات التي تفيد في تطوير المجتمع.
- •مراعاة الكبير تعد من أساسيات تعمير الأرض وليست مجرد عبارات شكر.
- •البر كلمة جامعة لمحاسن الخير، وهو تهيؤ نفسي وقبول، وفيه معاني العبادة والعمارة والتزكية.
- •مهما فعل الإنسان لوالديه فلن يوفيهما حقهما؛ لأن الوالدين يخدمان الابن ويحبان حياته، بينما الابن يخدمهما وقد ينتظر وفاتهما.
- •صلة الرحم تكون بالاستمرار في وصل من قطع، وليس الواصل بالمكافئ.
اقتران التوحيد ببر الوالدين في ميثاق بني إسرائيل والقرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، وهو يذكر لنا ميثاق بني إسرائيل:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83]
وعرفنا ما في هذه المقارنة من أهمية، قال تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [الإسراء: 23]
﴿وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإسراء: 26]
دائمًا يقرن [الله سبحانه وتعالى] ما بين التوحيد وبين بر الوالدين:
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [النساء: 36]
هكذا دائمًا وبعدها هكذا، يبقى دائمًا يتحدث عن عبادة الله، يتحدث عن بر الوالدين.
النبي ﷺ جعل عقوق الوالدين قرين الشرك بالله في الموبقات السبع
ولذلك نرى النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر عقوق الوالدين قرين الشرك، فيقول:
قال رسول الله ﷺ: «سبعٌ موبقات»
والموبقات تعني التي تُبطل الأعمال وتُحبط الأعمال: الشرك بالله وهذه هي الكبيرة، وعقوق الوالدين أيضًا. وبعدها الشرك بالله وعقوق الوالدين.
إذن لا بد لنا أن نقف طويلًا أمام عقوق الوالدين وبر الوالدين، ونضع البرامج التربوية لتعليم الأطفال كيف يبرّون والديهم.
بر الوالدين يتحول إلى ثقافة احترام الكبير في المجتمع
وبرّ احترام الوالدين يتحول إلى فلسفة في المجتمع وثقافة سائدة؛ أننا نحترم الكبير. فعندما تذهب إلى ماليزيا مثلًا تجد لديهم احترام الكبير هذا أمرٌ لا جدال فيه، لا نجلس لنناقش فيه.
من أين جاء [هذا الاحترام]؟ من بر الوالدين. كما أن بر الوالدين لم يعد يقتصر على أبيك وأمك، فبر الوالدين يعني طبقة الناس الذين كانوا موجودين في الأرض قبل أن تأتي، الناس الذين لما رأوك وأنت صغير حملوك، أنقذوك، رعوك.
المفهوم الضيق والواسع لبر الوالدين واحترام كبار السن
فإن بر الوالدين له مفهوم ضيق وله مفهوم واسع. المفهوم الضيق: أبي وأمي اللذان أنجباني. قال [العلماء]: لا، إن بر الوالدين هذا لا بد فيه من احترام الكبير، والكبير هنا الدائرة الواسعة.
ما هو [المقصود بالكبير]؟ كبير السن، الكبير صاحب السن يعني في مقام والدي. ولذلك أفضل طوال عمري حتى لو توفى والدي ووالدتي فسأظل أبرّ الوالدين في صورة الكبار الموجودين.
الرد على فلسفة التفلت من رعاية كبار السن واعتبارهم عبئًا
أما الفلسفة الأخرى الخاصة بالتفلت فلا، ليس كذلك. بعضهم يقول لك: يا رب خذهم هؤلاء فلم يعودوا يفعلون شيئًا وهم جالسون في البيوت هكذا يقرؤون الصحف ويشربون القهوة.
وبعضهم تمادى وقال: لماذا لا نقتلهم مثل خيول الحكومة؟ خيول الحكومة عندما تعجز ولا تعرف كيف تتحرك تصبح تأكل ولا تقدم الخدمة، فتصبح تكلفة زائدة عن الحاجة فيضربونها بالنار كي يتخلصوا من تكلفتها.
أفهكذا الإنسان؟ لا، بل العكس تمامًا! هذا الكبير بركة، يقول لك: البركة فيك.
وجود كبار السن بركة وحماية للمجتمع من العذاب
ولما ينتقل [الكبير إلى رحمة الله] مع كبر سنه، ومع أنه كان يحتاج إلى الناس وإلى رعايتهم، وهذه الرعاية تحتاج إلى جهد وتُتعب الذي [يقوم بها وهو] موجود، وبالرغم من ذلك فإننا نحزن عليه.
لماذا [نحزن عليه]؟ هذا وُجوده بركة؛ لولا شيوخٌ رُكَّع، وبهائم رُتَّع، وأطفال رُضَّع، لأخذكم الله سبحانه وتعالى بليلٍ أو نهارًا. يعني هؤلاء [الكبار] قد يكونون سبب حمايتنا.
حكمة الكبار وخبرتهم لا غنى عنها كما في قصة الحرفي ووالده
وكان في القديم عندما تذهب إلى الرجل الكبير هذا الذي تقول إنه في الظاهر هكذا لا فائدة منه، تجد عنده الحكمة؛ حكمة الزمان والتجربة، تجد عنده الخبرة.
تجده [مثلًا] كان هناك ولدٌ حرفي لا يعرف كيف يصنع المسمار، كلما صنعه ينكسر، كلما صنعه ينكسر. وأبوه جالس هكذا وهو من نفس هذا الصنف أيضًا؛ إنه جالس على الكرسي لا يعمل شيئًا.
فقال له [الأب]: هات هذا. فقال له [الابن]: يعني ماذا ستعمل به وأنا جالس هنا أحاول منذ الصباح؟ فقال له: لا، أعطني هذا هكذا. وأدخل المسمار، فالمسمار دخل فورًا، فثبت المسمار.
تضييع الكبار تضييع للأعمار ومراعاتهم من صنف التعمير
يعني ما معنى هذا الكلام؟ هذا يعني أننا عندما نضيّع الكبار نضيّع الأعمار. عندما نضيّع الكبار لا أُضيف خبرة عمره إلى خبرة عمري فلن نتطور. فإذا ضيّعنا الكبار ضيّعنا الأعمار؛ عمره هذا كله لم نستفد منه.
فلا بد من مراعاة الكبير؛ لأن مراعاة الكبير من صنف التعمير، إنك تُعمّر الأرض تراعي الكبير. ليس فقط أنك تقول له شاكرين لك ما أديته، لا بل هو في ذاته نفعك بوجوده وبركة وخبرة وعمران وشيء جميل جدًا.
العلاقة بين الأجيال بين فكر التمرد وفكر البناء والتطوير
لا بد أن يتحول هذا [المفهوم] إلى مفهوم في الإعلام وفي التربية.
ما العلاقة بيننا وبين الأجيال السابقة؟ هل هي علاقة تمرد وخروج وفكر الموضة؟ ما هذا الفكر الموضوي؟ كان قديمًا وانتهى، نريد نحن نريد أن نتجاوز. أم هو فكر البناء؟ كل فترة نستفيد ممن سبقونا ونبني عليه ونطوّره.
هل هو التطوير أم مجرد التغيير؟ يعني لدينا هكذا شهوة للتغيير فحسب؟ قال: لا، كل هذا سنأخذه من أين؟ من فكرة بر الوالدين.
كلمة البر جامعة لمحاسن الخير وتشمل العبادة والعمارة والتزكية
والإحسان إليهما [أي إلى الوالدين] فكرة قوية جدًا. لماذا؟ قال لك كلمة جامعة لمحاسن الخير: بِرّ. كلمة بِرّ كلمة جامعة لمحاسن الخير.
فكونك أن أنت لست فقط أن تُقبّل يد أبيك وأمك وأن ترعاهما، أبدًا هذا البر شيء آخر. هذا البر نفسيّ، هذا البر تهيُّؤ وقبول، هذا البر فيه معاني العبادة والعمارة والتزكية.
قصة الرجل الذي حمل أمه وسؤاله للنبي ﷺ عن وفاء حقها
رجلٌ كان يحمل أمه على كتفه ويخدمها، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أرأيت وأنا أفعل بها هذا، قد وفيتها حقها؟
فقال له [رسول الله ﷺ]: «لا»
قال له [الرجل]: طيب، هي حملتني أنا حملتها، خدمتني أنا خدمتها، نظفتني أطعمتني، ما أنا فعلت كل هذا!
قال [رسول الله ﷺ]: «كانت تخدمك وتحب حياتك، وأنت تخدمها وتنتظر وفاتها»
انظر إلى الفرق! كانت تخدمك وتريد أن تضحي بحياتها من أجلك، ولو أنها رأتك في خطر لألقت بروحها عليك لكي تموت هي وتعيش أنت.
التربية النبوية على حب بقاء الوالدين لا مقارنة الخدمات معهم
وأنت بينك وبين نفسك من الداخل تقول: ألن ننتهي بعد؟ أليس كافيًا بعد؟ مصيبة سوداء! النبي ﷺ يربّيه على أن يحب البقاء [لوالدته]؛ لأنها سبب خيره، لا أن يبدأ يقارن.
أنا والحمد لله قد سددت ديوني التي عليّ فنصبح متساويين؟ لا، لن نصبح متساويين أبدًا، فأنت ستبقى في الواقع ونفس الأمر أقل منها ومنه.
صلة الرحم الحقيقية تكون بالوصل عند القطيعة لا بالمكافأة
وذي القربى [أي صلة] الرحم:
قال رسول الله ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ»
هذه القاعدة التي تركها لنا رسول الله ﷺ. متى تكون واصلًا لرحمك؟ إذا وصلتهم فقطعوك أيضًا تصلهم، كلما قطعوك كلما توصلهم.
وذي القربى هذه مهمة جدًا، ولذلك سنتركها في حلقة قادمة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
