سورة البقرة | حـ 101 | آية 83 : 84 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 101 | آية 83 : 84 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • أخذ الله ميثاق بني إسرائيل بالتوحيد وبر الوالدين وصلة الأرحام والتكافل الاجتماعي وشيوع ثقافة الاحترام والقول الحسن بين الناس.
  • شمل الميثاق أيضاً عدم سفك الدماء وعدم إخراج الناس من ديارهم، مع التذكير بأن حرمة دم المسلم أشد عند الله من حرمة الكعبة.
  • هناك فرق جوهري بين القتل والقتال، فالقتل محرم لأنه سفك للدماء، أما القتال فهدفه كسر شوكة العدو وليس القتل بحد ذاته.
  • نبه النص إلى خطأ اختزال الإسلام في الجهاد، واختزال الجهاد في القتال، واختزال القتال في القتل.
  • الجهاد أوسع من القتال، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" وهو جهاد النفس.
  • أقر الإسلام حب الأوطان واعتبر مفارقتها ألماً، وقد أحب النبي صلى الله عليه وسلم مكة وقال: "إنك أحب أرض الله إلي".
  • الدعوة للمسلمين بالرجوع إلى الدعوة إلى كلمة الله وعدم اختزال الإسلام في القتال.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة الدرس ومراجعة ميثاق بني إسرائيل وبنوده في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى ومع سورة البقرة، حيث أخذ الله سبحانه وتعالى ميثاق بني إسرائيل، وعرفنا أنه أمرهم بالتوحيد وببر الوالدين وبصلة الأرحام، وبالاهتمام بالتكافل الاجتماعي في صورة اليتامى وفي صورة المساكين، وفي صورة شيوع الثقافة العامة التي يكون فيها الاحترام والقول الحسن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس.

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]

والعبادة وإعلاء شأنها من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

استمرار بيان مضمون الميثاق وتحريم سفك الدماء في كتاب الله

مع كل هذا [ما سبق من بنود الميثاق] يستمر ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم ليبين لنا مضمون ذلك الميثاق، بعد أن نبّهنا أن قليلًا منهم التزم وأن كثيرًا منهم فاسقون.

قال تعالى:

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ﴾ [البقرة: 84]

مرة ثانية تنبيهًا وإعلاءً لذلك المضمون:

﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ [البقرة: 84]

القتل الذي نبّه عليه ربنا سبحانه وتعالى، كما قال تعالى:

﴿وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱبْنَىْ ءَادَمَ بِٱلْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ ٱلْـَٔاخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: 27]

فبدأ إذن الفساد [بالقتل]، وبعد ذلك بعدما قصّ علينا القصص قال:

﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِى ٱلْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحْيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]

حرمة دم المسلم أعظم عند الله من حرمة الكعبة المشرفة

لا تسفكوا دماءكم! ينظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة فيقول:

قال النبي ﷺ: «ما أشدَّ حرمتَكِ عند الله!»

يعني يا الله أنتِ حرمتُكِ كم عظيمة عند الله!

من أين جئنا بـ"يا الله"؟ جئنا به من الفتحة؛ «ما أشدَّ حرمتَكِ!» حرمة عظيمة! هذه الفتحة معناها هكذا عند العرب؛ لأنه أسلوب تعجب، وأسلوب التعجب يَنصب ما بعد «أشدَّ». إذن «ما أشدَّ حرمتَكِ على الله» وليس «ما أشدُّ حرمتَكِ على الله»؛ لو كانت «ما أشدُّ حرمتَكِ» فيبقى يسأل: أنتِ حرمتُكِ كم؟ ما أشدُّ حرمتِكِ؟ فيبقى يتعجب ويقول يا الله!

هكذا، من أين جئتَ بـ"يا الله"؟ جئتَ من الفاتحة [الفتحة] وأنت تفسر هكذا عندك في عقلك.

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ [البقرة: 84]

قال [النبي ﷺ]: «ما أشدَّ حرمتَكِ على الله!»

قال النبي ﷺ: «ولَدَمُ امرئٍ مسلمٍ أشدُّ عند الله حرمةً منكِ»

فقال [النبي ﷺ]: الإنسان بنيان الرب، وملعون من هدم بنيان الرب.

إقرار الإسلام بحب الأوطان وموقف النبي من مغادرة مكة المكرمة

﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ﴾ [البقرة: 84]

قضية القتل مرتبطة بقضية الأوطان؛ والله سبحانه وتعالى أقرّ الأوطان وأقرّ حب الأوطان، وجعل مفارقة الأوطان نوعًا من أنواع الألم الذي يعتري الإنسان.

﴿فَـَٔامَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: 26]

وقال سيدنا إبراهيم:

﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: 26]

«إني مهاجر» [أي] ترك الأوطان، قالها وهو ليس في طبيعته ما هو [أي ليس] برغبته.

والنبي عليه الصلاة والسلام لما ترك مكة نظر إليها وقال:

قال النبي ﷺ: «ألا إنكِ أحبُّ أرض الله إليّ، ولولا أن أهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجتُ»

ليس بإرادته صلى الله عليه وسلم.

حب النبي للمدينة وخوف الأنصار من بقائه في مكة بعد الفتح

فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحب الأوطان، ولما رجع فاتحًا إلى مكة خافت الأنصار أن يبقى بها، وقالوا: وجد أهله وعشيرته وأرضه - أرضه يعني وطنه -.

فسمع النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال لهم:

قال النبي ﷺ: «ألا تحبون أن يذهب الناس بالغنائم وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وسلم؟»

وقد كان [كما وعدهم]، فرجع إلى المدينة المنورة الطيبة ودُفن بها صلى الله عليه وسلم، فتنوّرت به إلى يوم القيامة.

نقض بني إسرائيل للميثاق بسفك الدماء وإخراج الناس من ديارهم

﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ﴾ [البقرة: 84]

لم يطيعوا لا هذا ولا ذاك، وكوّنوا العصابات التي تقتنص الناس، تقتنص الناس يعني بالقصد بالترتيب [أي بتخطيط مسبق ومتعمد].

الفرق بين القتل المحرم والقتال المشروع وأهداف القتال في الإسلام

هناك فرق بين القتل والقتال؛ القتل حرام نهانا الله عنه، القتال هذا شرف.

قالوا: ما الفرق بين القتل والقتال؟ ما هو هذا من قَتَلَ وهذا من قَتَلَ!

القتال لا يكون الهدف فيه أن تقتل الناس، وإنما يكون الهدف فيه كسر شوكة العدو.

قال له: ما هو كسر شوكة العدو هذا؟ قال: تحطيم سلاحه، وإرباكه، وحمله على ما تريد. وفي الطريق قد يحدث قتل فيكون قتلًا في القتال يكون مباحًا.

أما القتل فهو سفك دم وهو حرام. لكن القتال هو جيش أمام جيش يضغط عليه ولا يقتله، بل يُرغمه ويكسر شوكته ويحطم سلاحه ويجعله يتقهقر قليلًا في الأرض ويُفسد نُظُمه ويحمله حملًا على أن يكون معه. فهناك فرق كبير بين القتل والقتال.

خطورة اختزال الجهاد في القتال والقتال في القتل عند بعض المسلمين

ولذلك نحن قلنا للناس - لخلق الله -: يا إخواننا، أنتم تريدون أن تختزلوا الجهاد في القتال، والنبي ﷺ وسّعه وقال:

قال النبي ﷺ: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، ألا وهو جهاد النفس»

وربنا وسّعه فقال:

﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحج: 78]

ليس فيها قتال! إذا اختزلتم الإسلام في الجهاد، وكان الجهاد فقط هو الذي نزل به الإسلام، واختزلتم الجهاد في القتال، واختزلتم القتال في القتل، وهو ضد هذه الاختزالات التي يقوم بها بعض المسلمين من أجل قهرٍ في القلوب لأوضاع غير سليمة لم يأمر بها الله.

الدعوة إلى الرجوع لكلمة الله وبيان أن القتل عارض من عوارض القتال

ولذلك نحن ندعو المسلمين إلى أن يرجعوا مرة أخرى إلى الدعوة إلى كلمة الله. هذا هو الكلام الجميل الذي منه الجهاد جزء من الأجزاء، التي القتال جزء من الجهاد، الذي القتل عارض من عوارض ذلك القتال لا يُقصد لذاته.

﴿لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَـٰرِكُمْ﴾ [البقرة: 84]

وما زالوا إلى الآن يقتلون الناس ويُخرجون الناس من ديارهم.

﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: 84]

عن عمدٍ وعن قصدٍ وترصّد.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.