سورة البقرة | حـ 76 | آية 48 : 49 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 76 | آية 48 : 49 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • المسؤولية في الإسلام فردية، لقوله تعالى: "واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً"، فكل إنسان مسؤول عن عمله وحده.
  • لن يستطيع أحد إنقاذ غيره يوم القيامة، ولا تُقبل شفاعة ولا فدية مهما كانت.
  • عرض القرآن أمثلة متعددة على فردية المسؤولية: فرعون كافر وزوجته مؤمنة، نوح نبي وابنه كافر، إبراهيم مؤمن وأبوه كافر.
  • هذا المبدأ يحرر العقل البشري من الأوهام وإلقاء المسؤولية على الغير، ويرفض فكرة توارث الخطيئة.
  • ذكّر الله بني إسرائيل بنعمة النجاة من فرعون الذي كان يسومهم سوء العذاب ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم.
  • قسوة العذاب جعلتهم في حالة من الضعف والهوان، وأصابتهم بنفسية العبيد غير القادرة على التغيير.
  • نجاتهم كانت معجزة تستوجب شكر الله وتذكر نعمته عليهم.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة تلاوة آية اتقاء يوم القيامة والمسؤولية الفردية أمام الله

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، ومع قوله تعالى في سورة البقرة، يخاطب بني إسرائيل وهو يخاطبنا جميعًا من خلالهم:

﴿وَٱتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا﴾ [البقرة: 48]

فإذن:

﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا * ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14]

ليس "اقرأ كتاب غيرك"، بل اقرأ كتابك أنت.

﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَـٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]

المسؤولية مسؤولية شخصية.

أمثلة قرآنية على استقلال المسؤولية بين الأقارب في الإيمان والكفر

﴿لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة: 233]

ولا أيُّ شيءٍ في أيِّ شيء؛ لا فعلُ أخيك يضرُّك، ولا أنت في فعلك تضرُّ أخاك.

ولذلك نرى الأمثلة [في القرآن الكريم]: أنَّ فرعون كان كافرًا، ولكنَّ زوجته التي في بيته كانت مؤمنة. وأنَّ نوحًا عليه السلام كان مؤمنًا ونبيًّا من أولي العزم من الرسل، ولكنَّ ابنه كان كافرًا.

وأنَّ إبراهيم أبا الأنبياء عليه السلام، الذي سمَّانا المسلمين من قبل، الحجةُ الأسوةُ، هو ومن اتَّبعوه، كان مؤمنًا بلا شك، ولكنَّ أباه كان كافرًا.

تنوع أحوال الصلاح والفساد بين الأزواج والأبناء والآباء

وهكذا فنرى: الزوجة صالحة والزوج فاسد، والزوج صالح والزوجة فاسدة؛ مثل لوط عليه السلام، فإنَّ لوطًا نبيٌّ، وامرأته وامرأة نوح ليستا صالحتين.

والابن صالح والأب فاسد، والأب صالح والابن فاسد. كلُّ واحدٍ بمفرده يبقى في هذا اليوم:

﴿لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا﴾ [البقرة: 48]

يبقى إذن الإنسان بعمله.

تحرير العقل البشري من الأوهام وتأكيد المسؤولية الفردية عن العمل

هذا يحرِّر العقل البشري من الأوهام، هذا يحرِّر العقل البشري من إلقاء المسؤولية على الغير، ويعتبر أنَّ المسؤولية هي مسؤولية فردية، وأنَّك ستُؤاخَذ بعملك دون سواك.

عملية مهمة جدًّا؛ لأنَّ هذا ضدَّ أن تُورَث الخطيئة من جيلٍ إلى جيل، وضدَّ أن يُؤاخَذ الناس بعضُهم بجريرة بعض كما هو في بعض أذهان البشر، وضدَّ أن يُقتَل الناس بهذه الطريقة العشوائية كما يفعله المفسدون الآن؛ يقتلون عشوائيًّا هكذا.

التحذير النبوي ممن يخرج على الأمة فيقتل برها وفاجرها

وهو [النبي ﷺ قد أخبر]:

قال رسول الله ﷺ: «ومن خرج على أمتي يقتل بَرَّها وفاجرها»

هذا في الحديث هكذا، أنه سيأتي من يقوم على الناس، يخرجون على أمة الإسلام فيقتلون بَرَّها وفاجرها، ولا يُعرَف من يُقتَل أيضًا وفاجرها.

يعني إذا لم يتكوَّن عقله [عقل الإنسان] كما أراد الله، ربُّنا يقول لك: انتبه أنه:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

انتبه أنَّ كلَّ واحدٍ مسؤولٌ عن عمله، وبهذا إيَّاك أن تتعدَّى هذا المبدأ.

يوم القيامة لا شفاعة ولا فداء ولا نصرة بدون إذن الله

هناك في يوم القيامة لن يستطيع أحدٌ من الناس أن ينقذك مما كتبه الله عليك في الحياة الدنيا.

طيب، أنا أُنقِذ نفسي إذن، أو غيري ينقذني؟ عندما يأتي الإثم، هذا:

﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ﴾ [البقرة: 48]

قال:

﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ﴾ [البقرة: 48]

لا يرضى [الله سبحانه وتعالى] أن يتركك تتشفَّع في غيرك إلا بإذنه.

﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: 48]

يقول: طيب، أنا أريد أن أفدي هذا، معي أموالٌ كثيرة جدًّا دفنتُها معي.

بطلان الفداء بالمال يوم القيامة وعدم نفع الأموال في الآخرة

فقد كان الناس قديمًا يدفنون معهم الأموال، فأنا دفنتُها معي في الكفن. ها نحن المسلمون نقول لك: الكفن لا جيوب له، فأين ستأخذه؟

ولو أخذتَ الأوراق النقدية الخاصة بنا في هذه الأيام، فإنَّ الصراصير تأكلها والعثّ، وماذا ستفعل؟ الرطوبة تأكلها. لكن كان قديمًا ذهبًا وفضةً، فكانوا يدفنونها مع أنفسهم.

فيخرج هكذا يوم القيامة ويتذكَّر أنَّ هذا ماذا [ينفعه]، وهو لا قيمة له. الذهب والفضة هذا تشتري به الأشياء، فهل توجد أشياء هنا في يوم الحشر العظيم؟ أنت خارجٌ مع ربِّك هكذا حفاةً عراةً، لا يوجد شيء.

استحالة الفداء والعدل يوم القيامة وفوات وقت السداد

عدلٌ يعني شيءٌ مساوٍ تفتدي به، تقول: يا ربِّ، فما الذي حدث؟ أكلتُ أموالًا على هذا، فخُذِ الأموالَ ها هي. قالوا: لا يصلح الآن، فقد فات وقت السداد، فماذا سيفعل بها؟ الأموال!

مسكينٌ كان في الدنيا يعمل.

﴿وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: 48]

ما من نصرٍ أيضًا، ربُّنا لا ينصرهم [يوم القيامة إن لم ينصروه في الدنيا].

﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]

قال: ينصركم في الدنيا والآخرة، ولذلك جاء وقال: ويثبِّت أقدامكم؛ لكي يجعله ينصركم أيضًا في القتال في سبيله.

سعة معنى النصر الإلهي في الدنيا والآخرة وتعداد النعم

فـ"ينصركم" هذه واسعة؛ لأنه قد يكون [النصر] في الدنيا وقد يكون في الآخرة، قد يكون على النفس وقد يكون في الجهاد والقتال.

ويعدِّد لهم [لبني إسرائيل] إذن النِّعَم، وينبِّهنا نحن على مثل هذه النعم، وكيف نقرأ الأحداث.

نعمة إنجاء بني إسرائيل من آل فرعون وسوء العذاب

قال [الله تعالى]:

﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: 49]

فهذه نعمة. كانوا هناك في مصر، كانوا مع فرعون متسلِّطٌ عليهم بالعذاب، متسلِّطٌ عليهم بأنه يقتل أطفالهم ويستبقي نساءهم أحياءً حتى يستخدمهم في الخدمة.

فيقول:

﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾ [البقرة: 49]

ليس يسومونهم العذاب فحسب، بل سوء العذاب.

﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ [البقرة: 49]

بشاعة ذبح الأطفال ودلالته على قسوة القلب والإفساد في الأرض

تخيَّلوا أنَّ الطفل يُذبَح! هذا دليلٌ على ماذا؟ على قسوة القلب والإفساد في الأرض، وعدم مراعاة الطفولة البريئة التي لم تفعل شيئًا في الحياة الدنيا.

فما هذا الألم الذي تشعر به المرأة وهي ترى ابنها يُذبَح أمامها! هذا جزءٌ منها، وهذا يجعلها تجنّ.

فإذا لم نسمح لها [بأن تعبِّر عن ألمها حتى] إنها تجنّ، يا إلهي! يعني ظلَلْنا نُرعِبها حتى لم تعد تستطيع أن تجنّ، يعني غير مسموحٍ لها أن تجنّ.

طيب، وهل الجنون بيدها أم بقلبها؟ تخيَّل أنني سأُنشئ جوًّا كهذا، أجعل الناس مذهولين حتى عن أبنائهم.

دلالة سوء العذاب على قوة المعذِّب وضعف المستضعفين وإحاطته بهم

أيكون هذا سوء العذاب أم لا؟ هذا عذابٌ شديد، هذا عذابٌ مُهين.

هذا العذاب الشديد يدلُّ على ماذا؟ على قوة المعذِّب، ويدلُّ على ضعف هؤلاء [المستضعفين]، على إحاطته بهم وأنهم تحت السيطرة، لدرجة أنه استطاع أن يفعل بهم ما يشاء.

فيبقون محصورين معلومين، وهو لديه من القوة والسلطان والجنود ما يسيطر به عليهم، ويجعلهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئًا.

انعدام الحول والقوة عند المستضعفين واستحالة الإنقاذ بالحسابات الدنيوية

حسنًا، فهل لهؤلاء حولٌ أو قوة؟ ليس لهم حولٌ ولا قوة.

فكيف يُنقَذون؟ بالحسابات الدنيوية لا يمكن أن يُنقَذوا. كيف ستُنقِذونهم وهم ليس معهم سلاح، ولا معهم عَدَد، ولا معهم عُدَّة، ولا معهم تخطيط، ولا معهم شيءٌ على الإطلاق، والآخرون يسومونهم سوء العذاب؟

نشوء نفسية العبيد من طول العذاب وقابلية الاستعمار

فماذا [يحدث]؟ وهذا عندما يستمر قليلًا هكذا: شهرين، ثلاثة، سنتين، ثلاث، عشرًا أو عشرين، سبعين أو مائة أو مائة سنة، ماذا يحدث؟

أناسٌ يقعدون يتعذَّبون، فيحدث ما يُسمَّى بـنفسية العبيد؛ نفسيةٌ غير قادرة على أن تفعل شيئًا، نفسيةٌ فيها الهوان وقابلية الاستعمار.

لا يقول: "لا"، يتمسَّك بالدنيا تمسُّكًا شديدًا، لدرجة أنه لا يستطيع أن يثور على الظلم، حتى ولا أن يقول أبدًا لسيِّده: "لا أستطيع أن أفعل".

هل يُرجى خير من أصحاب نفسية العبيد وكيف يتغيرون

وهل هؤلاء مرجوٌّ منهم خير؟ هذا الصنف من الناس مرجوٌّ منه خير؟ سننجح في جعلهم يفكِّرون ويُعمِّرون ويعملون شيئًا ويتحرَّكون؟ حتى لا، ليس مرجوًّا منهم خيرٌ ولا يستطيع أحدٌ أن يحرِّكهم.

فإذا كانوا بهذه الصفة، فماذا يفعلون؟ هو في الحقيقة ليس هناك خطةٌ لإخراجهم من هذا، ولا شيءٌ يغيِّرهم عن هذا.

فلمَّا يأتي أحدٌ ويغيِّرهم، أليست هذه معجزة؟ لمَّا يأتي أحدٌ ويغيِّرهم بإذن الله ويصنع بهم شيئًا، ألا يكون الذي فعله نعمةً وفضلًا يستوجب أن يتذكَّروا نعمة الله عليهم؟

تذكير بنعمة الإنجاء من آل فرعون والبلاء العظيم من الله

﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 49]

وفي حلقةٍ أخرى نُكمِل هذا التصوُّر الذي يتولَّد من القرآن الكريم، وهو يحكي بكلِّ دقةٍ ما كان لنا حتى نستهدي به.

فإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.