سورة البقرة | حـ 68 | آية 33 : 34 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •أمر الله آدم بتعليم الملائكة الأسماء، فامتثل وعلمهم، وكان ذلك علماً حقيقياً لا مجرد حفظ.
- •العلم ينقسم إلى قسمين: علم يرتبط بالإيمان، وعلم منفصل عن الإيمان، ولا يوجد تناقض بينهما، فالعلم يؤدي إلى الإيمان ويعتبر محرابه.
- •يتجلى أمر الله في صور متعددة: فعل أمر، فعل مضارع مقترن بلام الأمر، مصدر، اسم فعل أمر، أو بصيغة الخبر.
- •الإنسان بطبيعته محل للطاعة والعصيان، وآدم قدم الامتثال قبل المعصية، ما يدل على أن الإنسان يرتاح بالطاعة.
- •سارع الملائكة إلى السجود لآدم حين أمرهم الله، إلا إبليس الذي استكبر وأبى ورفض الأمر.
- •الفطرة التي فطر الله الناس عليها تميل إلى الإيمان، فالإيمان مريح للإنسان.
- •التكبر صفة إبليسية، والخلط بين الحق والباطل من سمات إبليس، فقد دخل بمدخل الحق وألبسه بالباطل.
أمر الله لآدم بإنباء الملائكة بالأسماء ودلالة ذلك على العلم الحقيقي
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: 33]
بأسماء هؤلاء الحاضرون من أهل العلم العميق.
﴿فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: 33]
فإن ذلك ليس مجرد حفظ، بل علم حقيقي.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 33]
فيجب عليكم جميعًا أيها الملائكة وأيها البشر أن تصلوا إلى العلم المستنير بنسبة الشيء إلى أهله، وعدم الكفران برب العالمين.
التكليف بربط العلم بالإيمان والاستدلال على وحدانية الله تعالى
وأن كل ما قد وهبه [الله] لكم من علوم إنما وهبه لكم حتى تستدلوا عليه وعلى وحدانيته وعلى صدق وحيه.
فإن لم تفعلوا فقد غرقتم في العمق وتركتم الاستنارة، وكلما نزلتم في البحر كلما اشتدت بكم الظلمة؛
﴿ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ [النور: 40]
لكن:
﴿نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ﴾ [النور: 35]
إذن الاستنارة هذه تكليف؛ لأنك بعد ما وصلت إلى العلم السطحي وبعد ما وصلت إلى العلم العميق، فأنت مكلف بربط هذا [العلم] بالله رب العالمين.
انقسام العالم بين من ربط العلم بالإيمان ومن فصل بينهما
العالَم على قسمين: من امتثل لهذا [التكليف] فربط العلم بالإيمان، ومن لم يمتثل فنزع الإيمان من العلم ونزع العلم من الإيمان، وأوجد بينهما مناقضة موهومة، وأوجد بينهما صراعًا جاهلًا.
لأنه ليس هناك صراع بين العلم وبين الإيمان، بل العلم يؤدي إلى الإيمان، والعلم هو محراب الإيمان. وكل علم سواء أكان شرعيًا يتعلق بالوحي، أو كونيًا يتعلق بالكون [فهو طريق إلى الإيمان].
دلالة نداء الله لآدم على الصلة بين الله وعباده والرد على من ينكرها
﴿قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ﴾ [البقرة: 33]
يبقى في إذن صلة بين الله وبين عباده. يوجد أناس في الأرض يقولون: لا، ربنا خلقنا وليس له شأن بنا.
فربنا هنا فكل حرف له معنى؛ عندما يقول "قال ربنا يا آدم"، يا آدم، فيكون هناك صلة، ربنا يكلم آدم.
﴿أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: 33]
فيكون ربنا يأمر، نعم وينهى. وهذا حقيقة التوحيد: أن الله يأمر فنطيع، وينهى فننتهي.
صيغ الأمر الإلهي المتنوعة في القرآن الكريم والسنة النبوية
﴿يَـٰٓـَٔادَمُ أَنبِئْهُم﴾ [البقرة: 33]
"أنبئهم" فعل أمر، ها هو أمر الله سبحانه وتعالى قد يأتي في صورة فعل أمر.
وقد يأتي في صورة فعل مضارع مقترن بلام الأمر: لتفعلنّ، لتأكلنّ، لتسجدنّ.
أو يأتي في صورة مصدر:
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92]
﴿فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ﴾ [محمد: 4]
فتحرير رقبة يعني حرّروا رقبة.
أو يأتي في صورة اسم فعل أمر:
قال النبي ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين»
يعني الزموا سنتي وسنة الخلفاء الراشدين.
صيغة الخبر التي يُراد بها الأمر في القرآن الكريم
أو يأتي [الأمر الإلهي] بصيغة الخبر:
﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: 97]
﴿وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233]
"والوالدات يرضعن" يعني أرضعن، هو فعل مضارع لكن المقصود منه الأمر.
"ومن دخله كان آمنًا" يعني أمِّنوا من دخل فيه.
وهكذا إذن ربنا يأمر، بيأمر منذ متى؟ منذ أول ما خلق الخلق.
طبيعة الإنسان بين الطاعة والمعصية وقاعدة التوبة المفرحة
ونحن محل للأمر، نعم نحن محل للأمر، ونحن محل للطاعة والعصيان، نعم نحن محل للطاعة والعصيان.
ولذلك تجد سيدنا آدم أطاع فأنبأهم، وعصى فأكل من الشجرة. فيبقى إذن نحن طبيعتنا كذلك، فيبقى لا نيأس من طبيعتنا.
قال النبي ﷺ: «كل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوابون»
قاعدة تجعلك سعيدًا دائمًا: مهما كثرت ذنوبك فإن باب الرحمة مفتوح، ومهما كبرت ذنوبك فإن باب التوبة مفتوح. لا تيأس من روحك.
"كل ابن آدم خطّاء" و"خطّاء" أيضًا صيغة مبالغة، "وخير الخطّائين التوابون".
امتثال آدم لأمر الله ودلالة معرفة الأسماء على ما وراءها
﴿قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ [البقرة: 33]
أمر بأسماء هؤلاء، ولم يقل "بمهاياهم" [أي بحقائقهم]، وليس ضروريًا أن تعرف الملائكة المهايا؛ لأن معرفة الأسماء دالة على ما وراءها.
"فلما أنبأهم" يصبح: هل امتثل أم لم يمتثل؟ امتثل. فلما أنبأهم امتثل آدم، وأخبر الله عنه أنه امتثل.
آدم قدّم الامتثال أم قدّم المعصية؟ لا، قدّم الامتثال. إذن الأصل في الإنسان أنه يرتاح عندما يقدم الامتثال، والمعصية تسبب له نكدًا.
الرد على نظرية فرويد في إطلاق الشهوات وبيان لذة مقاومة المعصية
هذه الحكاية [أن الامتثال يريح والمعصية تُنكّد] نأخذها ونجعلها قاعدة في علم النفس، بخلاف ما يقول به فرويد.
فرويد يقول لك: إذا كنت متضايقًا فافعل ما يحلو لك وأفسد في الأرض، وتعمل ما تشاء وتزني وتشرب الخمر وتترك نفسك هكذا حتى لا تكبت، يا للعجب!
لا، هذا الكلام كلام فساد ولا ينتج منه شيء، بل العكس؛ فإن مقاومة المعصية تورث لذة في القلب، وكلنا نعرف هذا الكلام.
والإيغال في المعصية يورث اضطرابًا وضيقًا وحرجًا، والإنسان يصبح لا يطيق نفسه.
الدين فطرة لا تُنزع من القلوب واعتراف الملحدين بعجزهم عن محاربتها
فلما وجدوا ذلك قالوا: لا، هذا من التربية. لا، ليس من التربية، بل هذا من الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
ولذلك لم يعرفوا كيف يقضون على الدين بعد كل هذا. يريدون أن يقضوا على الدين ولكن لا يعرفون كيف ينزعونه من قلوب الناس؛ لأن هذه فطرة، فماذا سنفعل؟
ولذلك قالوا لك في النهاية: إذن فلنتعامل معه ما دمنا لا نعرف كيف ننزعه من قلوب الناس. فالدين لا يُنزع من قلوب الناس، والفطرة لا تُنزع من قلوب الناس.
ومن يريد أن يلحد بالله سبحانه وتعالى سيمكث مدة طويلة يقاوم نفسه لكي يعرف كيف يلحد. إن الوصول للكفر هو الأمر الصعب، ولكن الإيمان سهل ومريح، والإنسان هكذا يرتاح في الإيمان.
الرد على من سمّى الدين أفيون الشعوب وتسمية الأشياء بغير أسمائها
فذهبوا قالوا: نعم، ما هو أصل هذا [الدين]؟ أفيون الشعوب! قلنا له: ما حدث [أنك أخطأت]، أنت تسمي الأسماء بغير اسمها، أنت جاهل.
أنت تفعل شيئًا أبوك آدم لم يفعلها، والملائكة لم تتجرأ عليها؛ سمّيت المنكر معروفًا والمعروف سمّيته منكرًا. لا يصح هذا الكلام أن يُقال.
سجود الملائكة لآدم فورًا ودلالة فاء التعقيب على المسارعة في الخيرات
يقول [الله تعالى]:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا﴾ [البقرة: 34]
فورًا، والفاء يسمونها فاء التعقيب. "فسجدوا" فورًا سجدوا؛ "اسجدوا" هما سمعوا الأمر من هنا وهم ذهبوا ممتثلين من هنا.
والفاء التي تفيد التعقيب معناها ماذا؟ أنهم سارعوا في الخيرات. والمسارعة في الخيرات ربنا مدحها في الكتاب، أم لا؟ نعم مدحها.
انظر، ليس في الكتاب مناقضة. هذا الكتاب من عند ربنا، داخل كل كلمة عمق متفق مع عمق كل كلمة أخرى.
لو كان هذا من عند البشر كنت تجد فيه تضاربًا، وكنت تجد الأعماق الخاصة به مختلفة، لكن مياه واحدة، هذا صحيح، مياه واحدة.
وجوب المسارعة في الخيرات اقتداءً بالملائكة في سجودهم لآدم
"اسجدوا فسجدوا" فيكون في مسارعة للخيرات وفي مسارعة لعمل الخير.
ولذلك يجب علينا أن نسارع في الخيرات، وهذه حاجة ممدوحة عند الله.
تسمية إبليس ومعناها وأسلوبه في لبس الحق بالباطل
﴿ٱسْجُدُوا لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا إِلَّآ إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: 34]
إبليس سُمّي بذلك لأنه يلبس الحق بالباطل. ولذلك إبليس يمكن أن يدخل إليك من الحق ليوصلك إلى الباطل.
سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] في [شأن] الخوارج قال: كلمة حق أُريد بها باطل. كانوا يقولون ماذا؟ "لا إله إلا الله"، أي لا حاكم إلا الله.
فما هو؟ نعم صحيح، لا حاكم إلا الله:
﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]
إلى آخر الآيات.
ضلال الخوارج في فهم كلمة حق وإسقاط الحاجة إلى الحاكم
"لا حاكم إلا الله"، نعم صحيح. وهذه تستفيد منها ماذا؟ قال [الخوارج]: إذن فلا يصبح هناك رئيس للدولة، ولا يوجد خليفة، ولا يوجد قائد.
قال له [سيدنا علي]: إذن أنت ضال، تصبح ضلاليًا؛ لأن الناس من غير رئيس ومن غير خليفة ومن غير قائد فوضى وشتات، وتبقى مصيبة. أنت تريد بذلك هدم الكيان.
فكلمة حق صحيحة، ولكن فهمها أُريد به الباطل. ومن هنا سُمّي إبليس.
وربنا قال:
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
ما هو من الأبلسة؟ من صنف الأبلسة، من إبليس، إبليس أنك تدخل بمدخل حق وتلبس به الباطل.
رفض إبليس للسجود واستكباره مقابل طاعة الملائكة وقولهم سمعنا وأطعنا
أبى [إبليس]، رفض. فيبقى مصيبة سوداء: رفض الأوامر.
أما هؤلاء [الملائكة] فماذا قالوا؟ قالوا:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]
حسنًا، إبليس رفض. قال له [الله]: اسجد فلم يسجد، قال له: زكِّ فلم يزكِّ. إنما أضاف إليها مصيبة أخرى؛ أي أن إبليس رفض الطاعة واستكبر، بل تكبّر أيضًا.
كيف تكبّر؟ هذا [إبليس] يريد -والعياذ بالله تعالى- وكأنه يريد يُفهم ربنا ما رأى أنه قد غاب عنه، فانظر إلى السماجة!
إشارة الله إلى علمه بالغيب كاحتمال رحمة لإبليس قبل خطئه
ولذلك ربنا هنا يقول وكأنه يشير إلى احتمال رحمة لإبليس قبل أن يخطئ:
﴿إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 33]
إذن فليس له عذر. فكان ينبغي ألا يتجرأ إبليس فيستكبر على ربه ويقول: لا، خلقتني من نار وخلقته من طين، أنت لا تنتبه أم ماذا؟!
يا الله، يا الله، يا الله! إنه لم يقف عند الاعتراض مع الاعتراف بالخطأ.
خطورة الاستكبار على الخطأ وعدم الاعتراف به والتكبر على الله
حسنًا، أنا لم أصلِّ، أنا مخطئ. حسنًا، أنا لم أنتهِ عن المنكر الفلاني من قبل، أنا مخطئ.
لكن أيضًا تقول: لا، هذا أنت لا تنتبه، هذا هكذا أفضل! وهذا يحدث عند بعضهم من جهلهم.
كتب أحدهم يقول: يا رب لا تعاملني برحمتك، عاملني بعدلك! هذا جاهل مسكين لا يدرك أن رحمة ربنا سبحانه وتعالى من عدله، وأننا ضعفاء.
فعلى أي شيء تتكبر؟ ولمصلحة من؟ هذا أيضًا لا يدعو على الناس، بل يدعو على نفسه. الكبر نوع من أنواع الأبلسة.
خلاصة قصة سجود الملائكة ورفض إبليس واستكباره وكفره
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا﴾ [البقرة: 34]
والفاء للتعقيب، والتعقيب في كل شيء بحسبه.
﴿إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]
أي بذلك [الرفض والاستكبار صار] من الكافرين.
