سورة البقرة | حـ 60 | آية 26 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 60 | آية 26 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • القرآن يوجب على الإنسان الدخول إليه مستهدياً لا ناقضاً ولا ناقداً، فمن أراد هدمه أغلق عليه أبوابه، ومن طلب الهداية فُتحت له أبوابه.
  • الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها، أي ما هو أقل منها في الشأن والحجم كالذر.
  • المؤمنون يعلمون أن القرآن حق من ربهم، والعلم إدراك جازم مطابق للواقع ناشئ عن دليل، فهم أمة علم لا خرافة.
  • يتعامل المؤمنون مع القرآن بإدراك واطمئنان وثبات، فينفتح لهم القرآن شيئاً فشيئاً.
  • أما الكافرون فيقولون "ماذا أراد الله بهذا مثلاً" إما إنكاراً أو استفهاماً محرجاً، فيغلق القرآن عليهم.
  • يضل الله بالقرآن الفاسقين الذين خرجوا عن شريعته وكرهوا التكليف.
  • هناك ارتباط بين النظر والعمل: المؤمنين بين الإيمان والعمل الصالح، وغير المؤمنين بين النظر والعمل السيء.
  • كراهية العمل الصالح تؤثر على الذهن وتجعل صاحبه ضد الدين بسبب اتباع الشهوات.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في تفسير آية ضرب الأمثال وموقف الإنسان من القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله في قوله تعالى في سورة البقرة، وهو أول الربع:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا﴾ [البقرة: 26]

وقلنا أن هذا الكلام يجعل كلام الله في المكان الأعلى الذي يوجب على الإنسان أن يدخل إلى القرآن مستهديًا، لا ناقضًا بالضاد ولا ناقدًا بالدال.

النقض هو الهدم؛ فمن دخل إلى القرآن ويريد هدمه أغلق القرآن عليه نفسه، ومن دخل القرآن يريد هدايته فتح القرآن له أبوابه، وهو كلام واحد. والنقد بالدال [هو] بيان الإيجابيات والسلبيات، كما يقولون المناقب والمثالب.

القرآن ينفتح للمستهدي وينغلق على الناقض والناقد

هذا هو النقد: أن تبيّن هذا وذاك، فلا ينفع مع هذا الكلام [كلام الله] نقضٌ ولا ينفع مع هذا الكلام نقدٌ. هذا الكلام مدخله إيمان.

﴿وَمَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإسراء: 82]

أبدًا، فيجب علينا أن ندرك هذه الحقيقة: أن القرآن ككلمة واحدة يتماسك ويغلق نفسه على من أراد أن يلعب معه، وينفتح لمن أراد أن يستهدي به.

معنى فما فوقها في آية ضرب المثل بالبعوضة وتفسيرها

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26]

فقد تحدث [القرآن] عن الذباب وتحدث عن النحل وتحدث عن النمل وتحدث عن أشياء كثيرة كذلك.

فما فوقها يا ترى، أمعناها ما هو أعلى منها في الحجم في الأهمية، أم فما فوقها يعني ما هو أقل منها؟

ما فوقها يعني ما هو أشدّ منها في مضرب المثل؛ هو يضرب المثل بالبعوضة، والبعوضة هذه شيء تافه، فيكون ما هو أتفه منها. ما فوقها معناه ماذا؟ ليس أكبر من البعوضة، بل ما فوقها معناه أنه تكلم عن الذرّ، والذرّ هو النمل الصغير الأصغر من البعوضة.

فما فوقها يعني ما فوقها في قلة الشأن، يعني منتبه! فتقول: ليس معي جنيه ولا ما فوقه، تعني به عشرة جنيهات أو تعني به ولا مليمًا؟ ما فوقه يعني ما دون منه.

موقف المؤمنين من القرآن وحقيقة العلم الجازم المطابق للواقع

﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: 26]

انظر إذن الجهتين في تعاملهم مع القرآن كيف يكون؛ فيعلمون أنه الحق من ربهم، وهو [المؤمن] يدخل قلبه مطمئنًا من غير نقض ولا نقد.

فيعلمون يعني جازمون؛ العلم هو الإدراك الجازم. إذن والإدراك غير الجازم هذا ظنّ، والإدراك المتساوي هكذا هذا شكّ، والإدراك الأقل هذا وهم. إذن العلم إدراك يكون جازمًا، هذا هو العلم.

فيعلمون: وإدراك جازم فقط أم إدراك جازم مطابق للحقيقة وللواقع؟ الإدراك الجازم المطابق للحقيقة وللواقع، وهذا هو العلم في القرآن.

أركان العلم الأربعة والفرق بين العلم والتقليد في الإسلام

فيعلمون، يبقى في:

  1. إدراك.
  2. جازم.
  3. مطابق للواقع.
  4. ناشئ عن دليل.

طيب، والذي ليس ناشئًا عن دليل هذا يكون تقليدًا، وقد يكون الذي تقلّده صحيحًا؛ عندما نقلّد الإمام الشافعي أو الإمام أبا حنيفة أو الإمام مالكًا، أناس طيبون، ولكن العلم لازم يكون ناشئًا عن دليل.

فإذا كان هؤلاء الناس الذين آمنوا يعلمون، فإنهم بذلوا أربعة أشياء: أدركوا، وتأكدوا، وطابقوا بالمقارنة مع الواقع، وأقاموا الدليل. فهذه أمة علم وليست أمة خرافة.

الأمة الإسلامية أمة علم تسعى إلى الحقائق لا إلى الخرافات

فكل ما يوصل إلى الحق فهو تابع لنا، وكل ما يصل إليه الناس في العالم من الحق فنحن نؤمن به؛ لأننا لا نسعى إلى الخرافة ولا إلى الانطباعات ولا إلى الآراء والأهواء، نحن نسعى إلى الحقائق حتى نصل إلى الحق.

﴿فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: 26]

فدخل [المؤمن] وهو متأكد ومدرك ومطمئن وثابت الاطمئنان الخاص به، أنه يتعامل مع كتاب رب العالمين، وهذا سيجعل القرآن الكريم ينفتح له شيئًا فشيئًا.

موقف الكافرين من ضرب الأمثال بين الإنكار والاستفسار

﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا﴾ [البقرة: 26]

في المقابل، النمط الثاني في التعامل مع القرآن: فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا؟ نقضٌ أو نقض [أي إنكار].

لمّا تأتي تسأل السؤال الذي أنت سألته، غرضه ما هو؟ الإنكار أو الاستفهام؛ إما كأنك منكر وإما كأنك مستفهم.

طيب، فلنبقَ مع المنكر، يبقى نقض: ما هو يقول ماذا والله أراد بذلك؟ لا، ليس معقولًا! معناه كذلك، يعني الإنكار. كذلك هو: ربنا أراد بهذا ماذا؟ وهو ينكر، يعني رافض، يبقى نقض.

الثاني الذي يستفسر: إما أن يكون لإدراك المعنى، وإما أن يكون لإيراد إشكال؛ يريد أن يسألك لكي يحرجك، يعني يريد أن يسألك ويرى هي آتية من أين، هذا هو النقد.

القرآن يضل الفاسقين ويهدي المؤمنين بحسب نيّاتهم

﴿مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: 26]

يقفل ويفتح. فسيقفل على من؟ على اللاعب الذي يريد أن يلعب فسيقفل عليه. وسيفتح على من؟ على الذي دخل وهو يعلم أنه الحق فأراد أن يسترشد به.

﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ﴾ [البقرة: 26]

فسق أي خرج؛ فسق عن شريعته سبحانه، يعني [خرج عن] شريعته، يبقى كارهًا للتكليف.

الربط العجيب بين انحراف الفكر وكراهية التكليف والعمل الصالح

وهنا ربط عجيب بين النظر والعمل؛ الأفكار والآراء المنحرفة وراءها كراهية للتكليف. لم نرَ أحدًا رأيه متمرد ومنحرف ويصلّي! قل له: أنت تأتي إلى المسجد؟ يعني لم أركَ.

ولذلك الربط ما بين العمل والنظر ربط مهم؛ ربط الله في حالة المؤمنين بين الإيمان والعمل الصالح، وربط حالة غير المؤمنين بين النظر والعمل السيء.

فوصفهم بصفة ما؟ لم يقل: وما يضل به إلا الكافرين، [لو قال ذلك] كان سيبقى أنت كافر وانتهى الأمر. هذا [الوصف بالفسق] يصف الذي يعمل هذا النظر، وربط مع الفسق الذي هو خروج عن العمل الصالح.

المواءمة بين النظر والعمل وأثر كراهية التكليف على الأذهان

فهناك مواءمة وارتباط بين النظر والعمل دائمًا؛ إما في مجموعة الإيمان وإما مجموعة الكفر. وأن كراهية العمل الصالح من قبل بعضهم تؤثر على أذهانهم وتجعلهم ضد الدين، وهذه المعارضة ليست من فكر مستقيم، بل هي من اتباع الشهوات.

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ أُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ [البقرة: 27]

هذه صفة أولئك الفاسقين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.