سورة البقرة | حـ 69 | آية 34 : 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تناول الله قصة آدم وزوجه في القرآن بطريقة فريدة تختلف عن الكتب السابقة التي حمَّلت حواء وحدها المسؤولية.
- •وردت كلمة "اسكن" بدل "استقر" أو "بت" لأن السكن يشمل الجانب المادي والنفسي، فالزواج مصدر للسكينة.
- •جاءت صيغة "أنت وزوجك" لتأكيد أن المسؤولية مشتركة وأنهما يشكلان أسرة واحدة.
- •أصل الزواج هو الدوام والوحدانية وبناء الأسرة، والتعدد والطلاق عارضان على هذا الأصل.
- •أقر الله المساواة بين الزوجين في التكليف والمسؤولية دون التساوي في الطبيعة والوظيفة.
- •وجه الخطاب للاثنين معاً في الأمر والنهي: "كلا" و"لا تقربا" و"فتكونا".
- •نسب القرآن الزلة للاثنين معاً: "فأزلهما الشيطان" وليس لحواء وحدها كما في بعض الروايات.
- •الإسلام يراعي الفطرة والطبيعة المختلفة لكل من الرجل والمرأة فلا يصح التشبه بينهما.
مقدمة الدرس والدعاء بالهداية مع كتاب الله سبحانه وتعالى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات، عسى أن نطلب منه الهداية، وأن يمنّ الله سبحانه وتعالى علينا بمراده من كتابه حتى نعيش على هدىً منه سبحانه.
خلق الله زوجة آدم وعدم تسميتها في القرآن الكريم
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35]
إذ خلق الله لآدم زوجه ولم يسمّها في القرآن، والقرآن جاء مهيمنًا على ما سبقه من التنزيلات الربانية الإلهية والكتب السماوية.
ونرى هنا أن الله سبحانه وتعالى قد جمع بين آدم وبين زوجته، وسيأخذ في سرد قصتهما معًا، ولا يحمّل واحدًا منهما دون الآخر المسؤولية، كما ورد في بعض الكتب السابقة أن حواء هي سبب البلاء، وأن حواء هي التي أغوت آدم، وأن حواء هي التي فعلت وفعلت.
القرآن لم يحمّل حواء المسؤولية بل جعلهما كالشيء الواحد
لم يكلمنا ربنا عن هذا [تحميل حواء وحدها المسؤولية]، بل جاء بشكل عجيب حتى أنه لم يذكر اسمها. ومعنى هذا أنهما كانا كالشيء الواحد؛ مسؤولية واحدة، آدم وزوجة آدم.
إذن هنا يوجد إقرار للأسرة وتعظيم لشأنها، وأن الزواج هدفه الدوام وليس هدفه الانفصال، وأن الانفصال عارض على الزواج، وأن الزواج أصله واحدة [زوجة واحدة]، وأن التعدد عارض على هذه الواحدة، وأن الزواج هدفه السكينة، وأن الطلاق الذي ينتج من عدم السكينة عارض على أصل هذا الزواج.
إباحة الله للتعدد والطلاق وأغراض الزواج مع بقاء الأصل هو الدوام
فأباح الله التعدد:
﴿فَٱنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ﴾ [النساء: 3]
وأباح الله الطلاق:
﴿ٱلطَّلَـٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ [البقرة: 229]
وأباح الله أن يكون غرض الزواج غير بناء الأسرة؛ من العفاف ومن الخدمة ومن الرعاية ومن العناية. ولكن مع كل ذلك فإن الأصل هو الدوام، والأصل هو الوحدانية [زوجة واحدة]، والأصل هو الأسرة.
وبذلك كان هذا هو أصل الخلقة، ثم تأتي الأشياء بعد ذلك من أجل السعادة الدنيوية والبقاء الاجتماعي.
الفرق بين السكن والاستقرار والمبيت في قوله تعالى اسكن
﴿وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ﴾ [البقرة: 35]
وسمّاه سكنًا ولم يقل "بِتْ" من المبيت، أو "استقرّ" من القرار.
ما الفرق بين الاستقرار والسكن؟ إن السكن مسألة نفسية ومسألة مادية، لكن القرار مسألة مادية فقط، والمبيت شيء مؤقت؛ يبيت ليلة أو ليلتين.
الله! إن كل كلمة نغيّرها تعطي شيئًا آخر، فهذا من عند الله. يا آدم اسكن، ما قال له اقعد أو اجلس أنت وزوجتك في الجنة، أو أقم أنت وزوجتك في الجنة. حسنًا، قال اسكن.
معنى السكن في القرآن يشمل الراحة النفسية والمادية معًا
﴿وَمِنْ ءَايَـٰتِهِٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21]
فإذا هو يقول اسكن وسمّاها السكن؛ لأنه يريد ما بالداخل [الراحة النفسية] وما بالخارج [الاستقرار المادي].
دلالة ضم الزوجة إلى آدم في الخطاب على وحدة الأسرة
اسكن أنت وزوجك، ما قال "وزوجك اسكن وزوجك" يعني مع زوجتك، قال له لا: اسكن أنت. فإذن هو مقصود بالسكن وهي مقصودة بالسكن.
أنت وزوجك مضمومة؛ لأن "أنت وزوجتك" هذه "اسكن أنت وزوجتك"، كان يمكن أن يقول "اسكن وزوجتك" أي مع زوجتك. ولكن لا، هذه القضية هي أنه [الله سبحانه وتعالى] تعامل الآن مع أسرة مكوّنة من رجل ومن امرأة، وجعل المرأة تابعة لزوجها في هذه الأسرة، وجعل المسؤولية مجتمعة.
الرد على من حمّل حواء وحدها مسؤولية الخطيئة من خارج القرآن
من الذي ارتكب هذا الخطأ؟ أسرة فلان [آدم وزوجه معًا]. في بعض الروايات هناك الذين هم خارج القرآن يقولون ماذا؟ لا، حواء هي التي أغرته، وهي التي خرّبت بيته، وهي السبب في نزولنا إلى الأرض، وهي... حمّلوا المسكينة ما لم يحمّلها الله إياها أبدًا.
هناك [في القرآن] يقول ماذا؟
﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ [الأعراف: 20]
وليس "لها". وهناك [في القرآن] يقول لك: اتفقت معه [الوسوسة كانت لهما معًا]، واتفق معها هي والشيطان.
لا تصادم بين القرآن وفطرة الإنسان في تكريم المرأة
واحد [من] البنات يحزنوا [من هذا الكلام الباطل]، ولكن هنا [في القرآن] لا يحزنون؛ يقرأون القرآن. ليس هناك تصادم بين ما في القرآن وبين ما فطر الله عليه الإنسان من حب التقوى.
نعم:
﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَآ أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ فَٱلصَّـٰلِحَـٰتُ قَـٰنِتَـٰتٌ حَـٰفِظَـٰتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُ﴾ [النساء: 34]
هذا نعم، فيهن صالحات؛ أحدهم يريدها أن تكون صالحة نافعة، وليس أن نقول لها أنتِ بأصل الخلقة شيطانة، بأصل الخلقة أنتِ بأصل الخلقة اتفقتِ مع إبليس يا خائنة! هذا لا يصلح.
الأمر بالسكنى والأكل جاء للاثنين معًا على حد سواء
ها هو ربنا يقول:
﴿وَقُلْنَا يَـٰٓـَٔادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35]
اسكن هذه ليست فعل أمر صدر للاثنين، وكُلا فعل أمر صدر للاثنين:
﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35]
كان [الله سبحانه وتعالى] يتحدث عنهما الاثنين، أم عن واحد من الاثنين؟ [عنهما معًا]. وأقرّ المساواة بينهما ولم يُقرّ التساوي [في الأدوار].
هما الاثنان مكلّفان، هما الاثنان يتمتعان بنعم الله ومنّته، هما الاثنان يكوّنان الأسرة، هما الاثنان يتلقّيان الأوامر والنواهي، هما الاثنان يذهبان ويأتيان ويأكلان ويشربان ويعصيان ويطيعان.
الفرق بين المساواة والتساوي بين الرجل والمرأة في الإسلام
ولكن الرجال رجال والنساء نساء:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِٓ﴾ [النساء: 32]
قولوا: يا رب وفّقني فيما أقمتني فيه. المرأة تقول: يا رب اجعلني امرأة صالحة، لا تقول اجعلني رجلًا صالحًا. والرجل يقول: يا رب اجعلني رجلًا صالحًا، لا يقول اجعلني امرأة.
«لعن الله المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال» رواه البخاري
ستختلّ الدنيا لو فعلنا ذلك [التشبّه بين الجنسين].
الأمر والنهي في قصة آدم جاءا للاثنين معًا بالتساوي في المسؤولية
ولكن ماذا نفعل؟ انظروا إلى الكلام:
﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 35]
والنهي:
﴿وَلَا تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 35]
كذلك الاثنان، كما "شئتما" أيضًا [جاء النهي للاثنين]. وهذا معناه أن الأمر والنهي على حدٍّ سواء، ومعنى ذلك أن كل واحد منهما مسؤول، ومعنى ذلك أنهما معًا في اجتماع واحد.
الشيطان أزلّ آدم وزوجه معًا والإسلام لم يظلم المرأة
﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا﴾ [البقرة: 36]
يبقى فأزلّهما الشيطان، أم فأزلّ زوجته وزوجته أزلّته؟ لم يحدث [ذلك]، لم يحدث.
وبعد ذلك يقول لك: هذا الإسلام ضد المرأة! نحن [نقول]: "رمتني بدائها وانسلّت". الله! فلماذا لا نجعلها [المرأة] مستورة [مكرّمة]؟
nحن، الله سبحانه وتعالى من البداية وهو يقصّ قصة الخلق علينا جعل الأمر على المساواة لا على التساوي.
رفض مساواة المرأة بالرجل في كل شيء والخاتمة
وكذلك عندما نأتي ونقول إن المرأة مثل الرجل والرجل مثل المرأة، من أي جهة؟ قال: ولا شيء، كله! فيجوز أن تلعب كمال أجسام وكرة قدم وكذا إلى آخره.
لا يا أخي، نحن لا نريد ذلك، لا المرأة تريد ذلك ولا الرجل يريد ذلك. اذهبوا وابحثوا لكم عن من يقتنع بهذا الهراء، وانظروا بعد ذلك ماذا يحدث.
وهذا لا نريده، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والله سبحانه وتعالى المستعان.
