سورة البقرة | حـ 47 | آية 20 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •فعل المقاربة "يكاد" يفيد شدة القرب، وفي قوله تعالى "يكاد البرق يخطف أبصارهم" إشارة إلى المنافقين الذين يتبعون الشريعة حين توافق أهواءهم.
- •المنافقون "كلما أضاء لهم مشوا فيه" يسيرون مع الشريعة حين تخدم مصالحهم، ويتركونها حين تخالفها.
- •قوله تعالى "إن الله على كل شيء قدير" يعني أن قدرته مطلقة على كل الممكنات، ولا تتعلق بذاته سبحانه لأنه واجب الوجود.
- •تحدث القرآن عن المؤمنين في آيتين وعن الكافرين في سبع آيات، وخصص ثلاث عشرة آية للمنافقين.
- •النفاق خطير لأنه يظهر الإيمان ويبطن الكفر، مما يؤدي إلى انعدام الصدق وتفكك المجتمع.
- •لمحاربة النفاق، جاء الإسلام بمبدأ "لا إكراه في الدين" فالإكراه يؤدي إلى النفاق.
- •قوله تعالى "يا أيها الناس" خطاب للجميع، يأمر الكافر بإنشاء العبادة والمؤمن بالاستمرار عليها.
يكاد البرق يخطف أبصارهم ودلالة حذف أن على شدة المقاربة
«يكاد البرق» — «يكاد» هذا هو من أفعال يسمونها أفعال المقاربة، فعل المقاربة هنا «يكاد البرق». أحيانًا في العربية يأخذ «أنْ» معه، فيقول: «يكاد البرق أن يخطف»، لكن ربنا سبحانه وتعالى قال ماذا؟
﴿يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـٰرَهُمْ﴾ [البقرة: 20]
هذا يدلني على ماذا؟ قالوا: شدة المقاربة. هو [فعل يكاد] لا يفيد المقاربة فحسب، أليس هو فعلًا يقول لي «يكاد» يعني قارب، يعني قرب؟ فإذ به كذلك يحذف «أنْ» لكي تدل على القرب الشديد. وانتبه، قرب تمامًا!
فانظر الإشارة اللطيفة: يقول ربنا سبحانه وتعالى: «يكاد البرق يخطف أبصارهم». الخطف هو الأخذ السريع، يبقى إذن البرق هذه ومضة يأخذ فيها البصر، وخطف الأبصار يؤدي إلى ماذا؟ يؤدي إلى العمى، إلى عدم الإدراك.
حال المنافقين بين المشي في نور الشريعة والوقوف عند ظلمتها
﴿كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: 20]
عندما تأتي الشريعة موافقة لأهوائهم يمشون معها، وعندما تكون الشريعة ضدهم فإنهم يتركونها.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ﴾ [البقرة: 85]
«كلما أضاء لهم» النور هذا ساروا فيه، وإذا أظلم عليهم قاموا [أي توقفوا]. فكذلك حال المنافقين: كلما كانت الشريعة في صفهم، كلما كانوا مستريحين وسائرين، ومن هنا يستغلون الدين في الدنيا.
كلما انغلقت عليهم الأمور، كلما قالوا: لا، نحن ما لنا وما للشريعة، وما لنا وما للدين، اتركونا نرى حالنا، دعونا نرى دنيانا، الله يخليكم!
معنى قدير وصيغة المبالغة وتعلق القدرة الإلهية بالممكنات
﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَـٰرِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20]
هذه الآية وستتكرر كثيرًا: «إن الله على كل شيء قدير». قدير، قادر، مقتدر — و«قدير» أبلغ؛ لأنها على وزن فعيل، وفعيل تعني صيغة مبالغة من «قادر». هذا [قادر] اسم فاعل، و«قدير» هذا ما هو؟ صيغة مبالغة.
أيهما أبلغ؟ «قدير»، الصيغة المبالغة تعني قادرٌ قدرة لا نهائية. تعلقت هذه القدرة بالممكن، أي أنه سبحانه وتعالى يوجد المعدوم بعد عدمه أو حين عدمه، ويعدم الموجود بإذنه.
﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
فالله قدير على كل شيء جائز.
تقييد القدرة الإلهية بالممكن دون الواجب والمستحيل عند العلماء
﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20]
يبقى لازم نضع هنا قيدًا ونقول: ما هو كل شيء جائز؟ قالوا: لماذا؟ قال: لأن الله سبحانه وتعالى لا تتعلق قدرته بنفسه؛ هو نفسه لا تتعلق قدرته بنفسه لأنه واجب الوجود. فهو شيء:
﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَـٰدَةً قُلِ ٱللَّهُ﴾ [الأنعام: 19]
فسمّى نفسه شيئًا. والمستحيل شيء عند سيبويه؛ قال في العرب كذلك أنه شيء. هل القدرة تتعلق بالواجب أو المستحيل؟ قالوا: هذا لا يمكن، هذا تتعلق بالممكن فقط.
إذن عندما قال: «إن الله على كل شيء قدير»، «كل» هذه على وجهها فعلًا كل، قال: نعم فعلًا كل، لكن «شيء» هذه مقيدة بالإمكان. إذن القدرة مطلقة لا يتخلف عنها أي فرد من أفرادها، فإن الله على كل — و«كل» هذه تدل على ماذا؟ على العموم — شيء، أي شيء؟ الشيء الممكن الذي هو إخراج الأمر من المعدوم إلى الموجود أو من الموجود إلى المعدوم، وهذا هو الحاصل.
ملخص توزيع آيات أول سورة البقرة بين المؤمنين والكافرين والمنافقين
يا أيها الناس، أنهي بذلك [هذا القسم]. نحن الآن في أي موضع؟ نحن الآن في الآية رقم عشرين. خمس آيات أخذهم [الله سبحانه وتعالى] من بداية السورة في وصف حال المؤمنين، آيتان في وصف حال الكافرين فتكون سبعًا، بقية العشرين فتكون ثلاث عشرة أخذهم في [وصف حال] المنافقين.
يبقى نحن هنا: النفاق هذه ورطة كبيرة؛ لأنه يظهر الإيمان ويبطن الكفر، لأنه يدخل في جماعة المؤمنين ولا يكون منهم، لأنه ضعف وهشاشة؛ لم يستطع أن يظهر معتقده، ولم يستطع أيضًا أن يهتدي بهدي الله سبحانه وتعالى.
خطورة النفاق على المجتمع وفقدان الإخلاص والصدق والانتماء
ومن أجل ذلك كان [المنافق] هشًّا، ففعل هذا [النفاق] ففقد الإخلاص؛ لأنه غير مخلص لقضية هو متعلق بها، وليس مخلصًا لقضية الله أرادها وأنزلها.
النفاق إذا شاع في مجتمع ما فإن الصدق ينتهي والانتماء ينتهي، وهذا أكبر ما يهدد الاجتماع البشري: نبقى جماعة وفينا ضعف، ليست لنا قضية، ليس لنا هدف، متفككون، كل واحد منا يعمل لمصلحة نفسه.
ثم إنه يخاف من الآخرين وهو في ضيق، لا يستطيع أن يتكلم بحرية، لا يستطيع أن يتكلم ويعلن عن نفسه أنه ينتمي إلى غير جماعته التي يريد ألّا ينتمي إليها.
محاربة الإسلام للنفاق بمبدأ لا إكراه في الدين وحرية الاعتقاد
ولذلك تجد أن النفاق قد حورب، ومن هنا ومن أجل ذلك، ولأننا لا نريد أن نبني جماعة من المنافقين، فإن الله سبحانه وتعالى أمرنا أنه:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
القرآن كله حرية. لماذا؟ ما [السبب]؟ أنا لو أكرهت أحدًا أحمله حملًا على النفاق؛ لا يكون مقتنعًا. خلاص، إذا أكرهته يخاف من الإكراه ويصبح معي على النفاق.
هل يريد الإسلام النفاق؟ أول ما حارب [الإسلام] النفاق!
حجم الحديث عن المنافقين في سورة البقرة ومنزلتهم في الدرك الأسفل
بهذه السورة [سورة البقرة] يتحدث عن المؤمنين في خمس آيات، وعن الكافرين في آيتين، وباقي العشرين في المنافقين.
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
لا يوجد أفظع من ذلك! يعني هذا الحال حال جمع بين سوءتين: جمع بين النفاق في القلب والكفر بالله في القلب، وجمع بين الخداع والكذب في الظاهر وبيننا وبين الناس.
خطاب يا أيها الناس اعبدوا ربكم يشمل المؤمن والكافر معًا
يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد ذلك:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]
«يا أيها الناس» خطاب للناس جميعًا، لكافرهم ومؤمنهم، لحاضرهم وغائبهم. يجب علينا هنا أن نتأكد من هذا المعنى: أن كلمتي «أيها الناس» إذن فهو يأمر الناس جميعًا.
إن كان كافرًا أمره بإنشاء العبادة لله، وإن كان مؤمنًا أمره باستمرار العبادة لله. فعندما يقول «يا أيها الناس» لا بد أن الأمر هنا متعلق بأمرين: الشيء الأول الإنشاء، والشيء الثاني الاستمرار. فإن كان مؤمنًا فليستمر، وإن كان غير مؤمن فلينشئ هذه العبادة وهذا الإيمان.
هل تصح العبادة من الكافر ولماذا لا يُكره عليها في الإسلام
هل تصح من الكافر عبادة؟ لا، ولا نكرهه عليها؛ لأن العبادة تحتاج إلى نية، والنية تحتاج إلى الدخول في دين الله. فإن لم يكن هناك دخول في دين الله فلا تصلح النية، فأنا لا أفرض عليه العبادة بهذا الشكل.
وإنما هناك قضية، إذ أن الكفر له درجات؛ لا بد أن تكون صاحب قضية تؤمن بالله رب العالمين.
إعراب يا أيها الناس وسر استبدال هاء التنبيه بالياء في النداء
«يا أيها» — «يا» هذه تسمى حرف النداء، «يا» أداة من الأدوات. «أيْ» هو [المنادى]، كان [النحاة] يريدون أن نأتي بياء أخرى في «أيْ» هذه، فقالوا: ستثقل وتنقطع المسألة — «يا أيِّي الناس» — تفعل هكذا، ثقيلة!
العرب نزيهة وحلوة وجميلة، فبدلًا من الياء أتوا بـهاء التنبيه: «ها أنا ذا» — انتبه! فكلمة «ها أنا»، «ها» هذه للتنبيه التي نجدها في ماذا؟ «هذا»، «هذه» — للتنبيه.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
