سورة البقرة | حـ 31 | آية 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •كتاب الله يجب أن يكون حياتنا، لا نقف عند فهمه والتصديق به والعمل به فقط.
- •ذكر الله أكبر من الصلاة لأنه يكون خارج الصلاة وفيها، وهو يساعد على الخشوع في الصلاة.
- •خشوع الجوارح يساعد على خشوع القلب، وكذلك قراءة القرآن بتؤدة والطمأنينة في الصلاة.
- •كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بوضوح ويقف عند كل آية، مما يساعد على الخشوع.
- •إقامة الصلاة تشمل: استيفاء أركانها، والخشوع ظاهراً وباطناً، والاستمرار عليها، والعيش بها.
- •الصلاة المقامة تجعل المسلم في حالة سلام مع الله، وتغفر الذنوب، وتجعله داعية إلى الله.
- •من علامات إقامة الصلاة الحقيقية أن تؤثر في سلوك المصلي ومعاملاته وحياته.
- •كثير من الناس يؤدون الصلاة ولكنهم لا يقيمونها، فلا تؤثر في أخلاقهم وتصرفاتهم.
- •يجب محاسبة النفس وفهم ما يقوله الله تعالى وليس مجرد التلاوة دون فهم ووعي.
- •إقامة الصلاة تعيد للأمة ريادتها وقيادتها وهدايتها للناس أجمعين.
مقدمة عن العيش مع كتاب الله والاستهداء به في الحياة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات، نستهديه ونطلب منه الهداية في حياتنا، في أفهامنا، في عقولنا.
نعيش كتاب الله لا نقف عند فهمه ولا عند التصديق به ولا عند العمل به، بل يتعدى ذلك إلى أن يكون حياتنا؛ يعني أن يكون كتاب الله حياتنا.
لماذا ذكر الله أكبر من الصلاة وعلاقته بالخشوع فيها
كيف يكون ذكر الله أكبر من الصلاة ونحن نقول إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؟
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]
ذكر الله أكبر لأنه يتم خارج الصلاة وفي الصلاة. النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«إن هذه الصلاة لا يصلح فيها من كلام الناس شيء، إنما هي تسبيح وتهليل وتحميد وتكبير»
يعني شيء يخص ربنا؛ ولذلك نقول الله أكبر نغلق الدنيا ونبدأ الصلاة والدعاء والذكر لله.
لكن ذكر الله موجود في كل وقت:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]
ذكر الله لأنه في كل وقت يساعد على الخشوع.
كيف يخشع المسلم في الصلاة بذكر الله خارجها وخشوع الجوارح
يا جيلي، شخص يقول: كيف أخشع في الصلاة؟ أقول له بسيط: اذكر الله خارج الصلاة، فلما تذكر الله خارج الصلاة تجد لما تأتي الصلاة بدأت الخشوع.
فذكر الله يساعد على الخشوع في الصلاة. قلنا أن الجوارح لو خشعت أيضًا تساعد على خشوع القلب واستحضاره، وكذلك قراءة القرآن بتؤدة، لا هكذا بسرعة.
الاطمئنان في الصلاة وحديث المسيء صلاته وأهمية الطمأنينة في كل ركن
والاطمئنان في الصلاة ليس كنقر الديك. في حديث اسمه حديث المسيء صلاته: جاء رجل فصلى ركعتين نقرًا [أي بسرعة شديدة دون طمأنينة] لك على الفور هكذا، وجاء يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فسلم عليه وقال:
«اذهب فصلِّ فإنك لم تصلِّ»
هذه الصلاة لا تنفع، لا تنفع. لماذا؟ لأنها لا تؤتي ثمرتها، تكون عقيمة لا تؤتي.
فصلى مثل ما صلى إلى آخره، قال: والله يا رسول الله لا أحسن غير هذا، أنا لست أدري ما تريد مني. فقال له سيد الخلق صلى الله عليه وسلم:
«إذا أردت الصلاة فتوضأ وكذا...»
الحديث طويل، لكن أمره هنا بالطمأنينة في كل ركن. بالطمأنينة في كل ركن يساعد على الخشوع.
التأني في التسبيح وقراءة الفاتحة كما كان النبي يقرأ بتؤدة
تسبح تخرج النون هكذا: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، لا تسرع.
تقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحيم... لا ينفع [أن تقرأ بهذه السرعة].
بسم الله، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف عند كل آية، وكانت قراءته واضحة جلية بيّنة يفهمها الناس.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، هكذا بتؤدة، هكذا كل واحدة في نفسها، حتى تقوم فتجد الخشوع قد حدث.
معاني إقامة الصلاة بين استيفاء الأركان والخشوع والاستمرار عليها
فيقيمون الصلاة، وهذه قد تكون إقامة ظاهرية باستيفاء أركانها وشروطها التي موجودة في الفقه، وقد تكون بمعنى الخشوع ظاهرًا وباطنًا.
وقد تكون بمعنى الاستمرار عليها؛ لا يصح أن تصلي الفجر وبقية الفروض لا، لا يصح. أقول تصلي، تقول: إمّال بصلي الجمعة وبقية الفروض لا! يجب أن تصلي الخمس.
لا يصح أن تصلي في بعض الأيام وبعض الأيام لا، فلا بد من الاستمرار في الصلاة حتى تؤتي ثمرتها.
إقامة الصلاة بمعنى أن تعيش فيها وتنتهي عن الفحشاء والمنكر
وبعد ذلك هناك إقامة بمعنى أنك تعيش في الصلاة، وهذا الذي هو أن تنتهي عن الفحشاء وعن المنكر، وأن تتذكر ربك وأنت بين يديه، وأن تسأله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، وأن تستعد استعدادًا تامًّا لفعل الخير.
تنتهي الصلاة بالسلام: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، تواجه بها العالمين، تواجه بها الجن والإنس والملائكة والكون والجماد والنبات والحيوان والمؤمن والملحد وأخاك المسلم وكل من في هذا الكون.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تخرج من الصلاة وأنت في حالة سلام مع الله سبحانه وتعالى، تجعلك داعية إلى الله.
الصلاة إذا أقيمت على وجهها تغفر الذنوب وتكفر ما بينها إلا المظالم
الصلاة إذا ما أقيمت على هذه الصفة تغفر ذنوبك؛ فإن الصلاة من الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما. ارتكبت أنا بعض الذنوب بعد الظهر، فتأتي صلاة العصر فتمحوها، وارتكبت بعد العصر، فيأتي المغرب يمحوها.
اللهم ما لم تكن قد ظلمت أحدًا من الناس بمظلمة؛ لا تغتصب قطعة أرض وتقول انتهى محوها المغرب، لا! فما بالك بمن يظلم الأمة؟
الفرق بين أداء الصلاة وإقامتها وأثرها في تغيير واقع المسلمين
مسجد وحوله مكب نفايات، هذا لا يصلح، هذا يا مسلمون لا يصلح! الجماعة الذين يصلون في هذا المسجد وهم خارجون وداخلون وفرحون أنهم يقيمون الصلاة، لا! هؤلاء لا يقيمون الصلاة، هؤلاء يؤدون الصلاة.
ولكن لو فعلوا [أي أقاموها حقًّا] لقالوا ماذا؟ هذا لا يليق أن تبقى هذه القاذورات موجودة في بلادنا. يجب بعد الصلاة أن نقوم ونأتي بمجارف ونرفع ونعمل وهكذا إلى آخره. ما معنا أموال، نتبرع كل واحد منا بجنيهين لكي نرفع هذا الأمر، نأتي بالعربة ونقول لله هذا سبيل الله، النظافة هذه.
هؤلاء أقاموا الصلاة. كثير جدًّا من الناس لا يفهم هكذا.
دلالة كلمة يقيمون في القرآن ومعنى القيام بالصلاة حق القيام
هو [القرآن الكريم] لم يقل لك: الذين يؤمنون بالغيب ويصلون. ماذا يعني هذا؟ كل كلمة لها فائدة.
لماذا إذن دخلت كلمة "يقيمون"؟ حسنًا، قام يقوم قيامًا، قام قوم. ماذا إذن؟ قصة القاف والألف والميم ليست منها [أي ليست مجرد أداء شكلي بل هي] الصراط المستقيم.
الاستقامة الحقيقية وعلاقتها بإقامة الصلاة والبعد عن الأخلاق الفاسدة
حسنًا، أنت على الصراط المستقيم عندما تقصر في حق أمتك وتعمل نصف ساعة من الثماني ساعات حتى أتينا وراءك؟ أنت على الصراط المستقيم عندما ترمي القاذورات بهذه الطريقة؟ أنت على الصراط المستقيم عندما تخون شريكك؟ أنت على الصراط المستقيم عندما تفعل كذا؟
حسنًا، وهذا كله من أين يأتي؟ من الكلبشة في الدنيا [أي التعلق بالدنيا]، من البعد عن القيم والأخلاق، آتٍ من ترتيب الأولويات الخاطئ.
فهو يظن حين دخل وصلى دون أن يقيم الصلاة وتؤثر هذه الصلاة في حياته أنه قد أقام الصلاة، وهو مخطئ لأنه لم يعد إلى الاستقامة، وإنما هو أدى الصلاة.
من لا يقيم الصلاة حقًّا يكون فتنة على الإسلام لا داعية إليه
فهل يكون [من أدى الصلاة دون إقامتها] داخلًا معنا؟ لا والله لا يكون داخلًا معنا، هذا يكون فتنة ضدنا.
ما هو الذي سيأتي من الخارج وهو منظف نفسه فيقوم ينظر هكذا فيقول: والله أنتم تتعبدون بالقمامة أم ماذا؟ فنقول له: لا، هذا ديننا دين الطهارة والنظافة. فما بالكم لا تفعلون هكذا؟
آه، الأصل أننا لم نُقِم الصلاة، لو أقمنا الصلاة لفعلنا الشيء الكثير.
دعوة لمحاسبة النفس والتوبة وفهم كتاب الله لاستعادة ريادة الأمة
نريد أن نعود في حساب مع أنفسنا، وحاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وعليكم بالتوبة قبل الفوات والموت.
ولكن بطريقة ترجع لنا ريادتنا وقيادتنا وهدايتنا للناس أجمعين، بأن نفهم ما يقول رب العالمين ولا نتلوه من غير فهم ولا وعي.
فالذين يؤمنون غير الذين آمنوا، غير المؤمنين:
﴿يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]
ويعود مرة أخرى في آخر الآية، ويعود مرة أخرى في آخر المقطع كبدايته في نغم رباني.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
