سورة البقرة | حـ 25 | آية 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 25 | آية 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • يشرح معنى "ذلك" في قوله تعالى "ذلك الكتاب" بأنها تأتي للتعظيم وليس فقط للإشارة للبعيد، فعندما نقول "ذلك الكتاب" فإننا نعظم القرآن.
  • المصحف مُعظَّم ويجب التعامل معه باحترام، فلا يمسه إلا طاهر، وهذا مستمد من الحديث الشريف وفعل الصحابة.
  • كلما زاد مبنى الحروف زاد المعنى، فـ"ذلك" أربعة حروف تدل على البعيد أو العظيم.
  • "الكتاب" مشتق من الضم، فالقرآن ضم الحروف والكلمات والآيات والسور.
  • الكتاب وسيلة فعالة للتربية لإمكانية المراجعة والتدبر، بخلاف الوسائل الإلكترونية التي قد تزول.
  • التدبر غاية المراجعة، والمراجعة تتطلب ثباتاً لا يتوفر إلا في الكتاب.
  • "لا ريب فيه" تعني نفي الشك والتهمة والحاجة عن القرآن، فهو كتاب واضح لا شك فيه.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

افتتاح الدرس والوقوف مع قوله تعالى ذلك الكتاب لا ريب فيه

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات، مع قوله سبحانه وتعالى:

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

معنى اسم الإشارة ذلك بين الإشارة للبعيد والتعظيم في اللغة العربية

«ذلك» تأتي في اللغة العربية للإشارة إلى البعيد، والله قريب؛ فلا بد أن الكلمة التي تعلمناها في الثانوية ليست صحيحة. هذه [القاعدة] تكون لغة ماذا؟ خاصة بالثانوية، أي أن «هذا» للقريب و«ذلك» للبعيد.

قلنا له: حسنًا، أعطنا المعلومات الصحيحة التي هي على مستوى الدكتوراة. الأستاذ في الجامعة ماذا يفعل؟ قال: «ذلك» تأتي للتعظيم.

﴿ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ﴾ [السجدة: 6]

للتعظيم.

كيف يوحي اسم الإشارة ذلك بالتعظيم عند العرب في السياق القرآني

ها، «ذلك» أول ما العرب يسمع «ذلك» وبعد ذلك يرى الذي بعدها قريبًا، كأنني قلت: «ذلك الرجل»؛ فعلى الفور يشعر بأن هذا الرجل ليس عاديًا، هذا الرجل عظيم.

فعندما قالوا:

﴿ذَٰلِكَ عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَـٰدَةِ﴾ [السجدة: 6]

قال: الله عظيم. أول ما قالوا: «ذلك الكتاب»، والكتاب بين أيدينا ها هو، فأين هو بعيد؟ على الفور يقول: هذا عظيم، هذا الكتاب عظيم، أو هذا كتاب عظيم. أصبح ليس ككل الكتب.

مظاهر تعظيم المصحف الشريف المستمدة من دلالة ذلك الكتاب

ولماذا [نعظّمه]؟ ولذلك نضعه فوق، ولا نضع شيئًا فوقه، ولا أحد يستطيع أن يرميه هكذا لأخيه عندما يقول له: «ناولني المصحف». لا، فهو يقبّله ويناوله له، فيأخذه ويقبّله أيضًا.

ما هذا التعظيم العظيم؟ هذا آتٍ من «ذلك»، ذلك الكتاب. «ذلك» جعلت المصحف لا يمسه أحد إلا طاهر، عظيم.

الرد على من يقول إن آية لا يمسه إلا المطهرون خاصة باللوح المحفوظ

يقول لك أحدهم: إن آية:

﴿لَّا يَمَسُّهُٓ إِلَّا ٱلْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]

لم تنزل في المصحف، بل في اللوح المحفوظ. فيُردّ عليه: لا شأن لنا بهذا؛ فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«لا يمسّ القرآن إلا طاهر»

وسيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] عندما ذهب إلى فاطمة بنت الخطاب دخل عليها، قال لها: ما هذه الصحف التي تقرأين فيها؟ فخبّأتها، قالت له: لا يمسّها إلا طاهر، فاذهب فاغتسل. فذهب فاغتسل، فأعطتها له وهو طاهر.

التعظيم [للقرآن الكريم] يأتي من «ذلك».

التحليل اللغوي لاسم الإشارة ذلك وزيادة المبنى لزيادة المعنى

لدينا اسم الإشارة «ذا»، تدخل عليه الألف والهاء للتنبيه فيصبح «هذا»، وتدخل عليه الكاف التي للخطاب فيصبح «ذاك».

في «هذا» وفي «ذاك» تدخل عليها اللام. قالوا: لماذا؟ قالوا: زيادة في المبنى لزيادة المعنى؛ كلما زاد المبنى -المبنى الذي هو مبنى الحروف- [زاد المعنى].

فما هو «ذاك»؟ ثلاثة حروف، و«ذلك» أربعة حروف. تقول لي: لا، هم ثلاثة. أقول لك: لا، إنما فيه الألف ليست مكتوبة، فهي «ذا» «ذا» الألف واللام لا تُكتب هنا. في «ذلك» فهي أربعة حروف، فـ«ذلك» أربعة حروف، وتدل على البعيد أو العظيم: ذلك الكتاب.

أنواع الألف واللام في كلمة الكتاب بين العهد والاستغراق والجنس

وأما الكتاب، فالألف واللام هنا كما درسناها سابقًا، قد تكون للجنس، وقد تكون للعهد الحضوري أو العهد الذهني، وقد تكون للاستغراق.

فهي تصلح هنا للاستغراق كما قالوا. لا، لا يصلح ذلك؛ كل كتاب لا يصلح، جنس الكتاب [لا يصلح]. قالوا: يكون هذه للعهد.

نحن عندنا الألف واللام في العربية للثلاثة هؤلاء: العهد أو الاستغراق أو الجنس. طبّقها وانظر هل سيستقيم الكلام أم لا.

ترجيح أن الألف واللام في الكتاب للعهد الحضوري أو الذهني

الكتاب المعهود الذي بيني وبينك هو ذلك الكتاب، أو الكتاب الحضوري الذي بين أيدينا، الذي حاضرٌ ها هو، جائز وينفع.

يصحّ أن يكون إذا الألف واللام هنا للعهد. أما الذهني [فمثاله]:

﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: 5]

وأما الحضوري وهو ما بين أيدينا في المصحف الشريف: ذلك الكتاب.

معنى كلمة الكتاب في اللغة العربية من جذر كتب أي ضمّ شيئًا إلى شيء

والكتاب، هذه ما معناها؟ دعنا نذهب إلى جذرها: «كتب». ماذا يعني كتب؟ أي ضمّ شيئًا إلى شيء.

وسُمِّيَ هذا كتابًا لماذا؟ لأنه ضمّ الحرف إلى أخيه فصارت كلمة، وضمّ الكلمة إلى أختها فصارت آية، وضمّ الآية إلى أختها فصارت سورة، فيكون كتبًا.

أليس كذلك؟ نعم، إنه كتبٌ أي أنه ضمّ.

الكتاب مصدر أُطلق على المصحف والمتلو والقائم بالأذهان ومعنى الكتيبة

والكتاب مصدر أُطلق على هذه الذات التي هي المصحف الشريف، أو المتلو بالألسنة، أو القائم بالأذهان والقلوب، أو أُطلق على المعاني. كلها هذه وجوه لشيء واحد، مثل المكعب الذي له ستة وجوه وكله مكعب واحد.

ومنها الكتيبة؛ الكتيبة معناها ضمّ عسكري، فالعسكري يُشكِّل فصيلة، وضمّ الفصائل يُشكِّل كتيبة. إذن الكتيبة آتية من الضمّ أيضًا، فالكتاب فيه ضمّ.

لماذا سمّى الله القرآن كتابًا دون غيره من الأسماء وخصوصية الكتاب

والكتاب له خصوصية بذلك؛ لكل وسيلة اتصال، عن كل وسيلة اتصال هو سماه كتابًا. لم يسمّه مصحفًا ولا صحفًا ولا متلوًّا ولا مقروءًا ولا أي شيء مما يصلح أن تُسمّى به هذه الآيات أو السورة.

الكتاب الورقي أكثر فعالية في تربية الإنسان مقارنة بالوسائل الرقمية

سيظل الكتاب الوسيلة الأكثر فعالية في تربية الإنسان. لماذا؟ انظر إلى الفرق بين هذا الكتاب وبين الفوتونات الضوئية التي تكون على الإنترنت والذي يكون على شاشة الكمبيوتر؛ تجدها أنها بضغطة تزول، يُضرب القرص الصلب، تنقطع الكهرباء، يحدث شيء ما غير متوقع.

والكتاب باقٍ سبحان الله، تفتحه في أي وقت من ليل أو نهار، تجلس تقرأ فيه وترجعه وتقرأ وترجعه. يبقى هذا الكتاب يقتضي المراجعة؛ تستطيع أن ترجع إليه في أي وقت كان.

المراجعة والتكرار دافعهما التدبر الذي لا يتأتى إلا مع الكتاب الثابت

والمراجعة ماذا تعني هذه الكلمة؟ التكرار؛ إنك سترجع إليه مرة بعد مرة، مرة بعد مرة، مرة بعد مرة.

وفي كل مرة، ما الدافع لأن ترجع إليه؟ ما الدافع لهذه المراجعة؟

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: 24]

إذن التدبر والمراجعة هذه، الدافع إليها هو التدبر؛ يريدك أن تتدبر.

التدبر لا يتأتى إلا بالمراجعة والمراجعة لا تتأتى إلا مع الكتاب الثابت

هل هذا التدبر وارد إذا كانت هذه ألفاظًا أو إذا كانت هذه فوتونات؟ أبدًا. التدبر لا يتأتى إلا بالمراجعة، والمراجعة لا تتأتى إلا مع الثابت، والثابت هو الكتاب.

فسيظل الكتاب -ولو كان بكل صوره- ما دامت فيه قدرة المراجعة، سيظل هو الوسيلة المثلى لإيصال المعلومات والفهم إلى بني البشر.

لا يُفهم من هذا أننا ضد الإنترنت ولا ضد الشبكة الفلانية، أبدًا. هذه القضية حقيقة من الحقائق، وهي أن هذا الكتاب سمّاه ربنا كتابًا للمراجعة، من أجل التأمل والتدبر، من أجل التكرار، من أجل أن يستفيد الإنسان منه فائدة بعد فائدة.

خاصية القرآن العجيبة في استنباط أحكام جديدة لا تتناقض بل تتسع

فائدة، ولما فيه من خاصية عجيبة وهي استنباط أحكام جديدة أبدًا كلما رجعت إليه، لا يناقض بعضها بعضًا، بل تتسع دائرة المعرفة بها. خاصية من خصائص القرآن التي سنراها معًا.

المفسرون ذكروا حوالي عشرة أقوال في «الكتاب»، وأيضًا على اختلاف التنوع [لا] الاختلاف [في] التضاد، لكن نحن نريد أن نعيش معه لا أن نورد كلام المفسرين.

معاني الريب في اللغة العربية بين الشك والحاجة والتهمة

لا ريب فيه، ونفي الريب. والريب يُطلق في لغة العرب على الشك، يعني لا شك فيه، يعني واضح، شيء واضح.

ويُطلق على الحاجة: «ما قضينا من تهامة كل ريب» أي كل حاجة.

ويُطلق على التهمة في لغة العرب: «ارتبتني» يعني اتهمتني. قالت بثينة: يا جميل أربتني يعني اتهمتني، قلت: كلانا يا بثينة مريب، يعني كلانا متهم يا بثينة لا تغضبي.

فالريب يُطلق بمعنى التهمة، ويُطلق بمعنى الحاجة، ويُطلق بمعنى الشك.

نفي الريب بكل معانيه عن كتاب الله وأنه لا حاجة فيه إلا الله

فهل يجوز أن ننفي الريب بكل معانيه عن الكتاب [الكريم]؟ فإنه لا شك فيه، وإنه لا تهمة فيه، وإنه ليست هناك حاجة إلا الله.

فنحن نقول: هذا الكتاب لا نريد به الدنيا ولا نريد به شيئًا سوى الله. يجوز.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.