سورة البقرة | حـ 36 | آية 7 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص معنى الختم على قلوب الكافرين وسمعهم كما ورد في قوله تعالى "ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة".
- •الختم على القلب والسمع يمثل حالة إغلاق مع قرار بعدم الفتح، بينما الأبصار عليها غشاوة فقط.
- •وصف الله القلوب بعشر صفات منها الختم والطبع والران والقفل، وكل صفة تستر القلب عن معنى معين.
- •يصل الكافر إلى درجة لا يستطيع معها العودة للإيمان حتى لو أمره عقله بذلك، وهذا تحذير من الله للناس جميعاً.
- •الكافر المختوم على قلبه وسمعه لا يستجيب للنصيحة ولا لنداء العقل أو الفطرة.
- •في كلمة "عذاب" (من العين والذال والباء) إشارة إلى أن رحمة الله تدخل حتى في العذاب.
- •مثال المرأة الحامل يوضح كيف أن الألم يصاحبه فرح وسرور ورحمة في النهاية.
مقدمة وبيان معنى الختم على القلوب والسمع دون الأبصار
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ﴾ [البقرة: 7]
يعني على قلوب الكافرين، وعلى سمعهم؛ فيبقى أيضًا الختم كما كان على القلب فإنه على السمع. وعلى أبصارهم غشاوة؛ فيبقى إذن الختم لم يكن على الأبصار، هذا تمّ على القلب والسمع فقط.
فإذا كان الأبصار عليه الغشاوة والختم صفة من صفات القلب ومن صفات السمع، فعندما نأتي هنا نجد:
﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7]
أن الله قد وصف هذه القلوب بصفات، منها الختم، ومنها الطبع، ومنها الران، ومنها القفل:
﴿أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: 24]
عشر صفات كل واحدة تستر القلب عن معنى معين.
حال الكافر الذي ختم على قلبه وعجزه عن العودة إلى الإيمان
تجد وهذا شهدناه؛ الشخص الذي لا يؤمن بالله يشعر أنه في جحيم، فيقال له: اخرج من الجحيم، آمن بالله، يقول: لا أستطيع! هذه مصيبة عظيمة، هذا لا يعرف كيف يرجع.
حسنًا، في شيء عندما تؤمن بالله يقول: لست قادرًا!
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
يعني في درجة من درجات الكفر لا عودة بعدها، حتى لو أمره عقله بها. نعم، بعد أن يأمره عقله بذلك ويقول له: بالمناسبة إن الذي أنت عليه هذا خطأ، ارجع! إذن لا يستطيع.
فهل أنت سعيد هكذا؟ قال: لا، إنني في جهنم الحمراء وأنا أعيش. فاخرج من جهنم! قال: إنه غير قادر، فيكون لا حول ولا قوة إلا بالله.
معنى الختم في اللغة وحالة الإغلاق مع قرار بعدم الفتح
فيكون الختم معناه عندما كانوا يختمون الرسالة يغلقونها فلا تُفتح؛ فيكون الختم هذا حالة من حالات الإغلاق مع قرار بعدم الفتح، نسأل الله السلامة.
وهنا فإنه من شدة كفره وطول مدته وإبائه وإيذائه للعالمين، فإن الله سبحانه وتعالى يختم له بالسوء والعياذ بالله تعالى. وهذا تحذير للمؤمنين بل ولغير المؤمنين أن يصلوا إلى هذه الحالة، ويجب علينا ألا نغلق الباب على أنفسنا.
تحذير الله الرحمن الرحيم للناس من الوصول إلى مرتبة الختم على القلوب
فربنا وهو يقول:
﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: 7]
يحذر الناس أجمعين أن يُستدرج الإنسان إلى هذه المرتبة المنحطة التي لا يستطيع ولو أراد أن يعود مرة أخرى. استيقظ أيها الإنسان قبل أن تصل إلى هذه الحالة.
هذا من الذي يقول هذا الكلام؟ الرحمن الرحيم. من الذي يقول هذا الكلام؟ رب العالمين الذي يربي الخلق على عبادته وعلى عمارة الدنيا وعلى العفو والصفح، وعلى [كل خير]، إلا أنه سبحانه وتعالى يحذر الإنسان من أن يُستدرج إلى هذه الدرجة الدنيئة.
عواقب الختم على القلب والسمع وعدم الاستجابة لأي نداء
لأنه لو ختم على قلبه فإنه سوف يُختم على سمعه، وإذا ختم على سمعه لا يستجيب؛ لا يستجيب للنصيحة، لا يستجيب لنداء العقل، لا يستجيب لنداء الفطرة، لا يستجيب لنداء الناس ممن حوله، لا يستجيب.
ويأخذ في عناده وفي كفره، وحينئذ يؤدي بنفسه قبل غيره إلى التهلكة في الدنيا والآخرة.
﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: 7]
طيب، وبعد ذلك بهذا الشكل تراه لا يرى الحق حقًّا؛ فيبقى لا يعرف كيف يقرأ بشكل صحيح ويحلل بطريقة صحيحة الواقع الذي أمامه.
الغشاوة على الأبصار نتيجة العناد مع بقاء رحمة الله في عدم ختم العين
فما هي هذه النتيجة؟ إنه لن يُختم على عينه، فعينه ما زالت تعمل من رحمة ربنا.
﴿وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ﴾ [البقرة: 7]
نتجت من العناد ومن استمرار الكفر.
من الذي يتكلم؟ هذا رب العالمين، الرحمن الرحيم. انتبه وافتح قلبك وعينك وأذنك للكلام، وانظر هذا الكلام في لغة العرب ما معناه وكيف نزل على قلوب الصحابة الكرام.
يقول: وأما الكافر الذي هو -أعوذ بالله- خُتم على قلبه وعلى سمعه، ونتيجة من ذلك أن بصره عليه غشاوة، عذاب.
تحليل لغوي لكلمة عذاب وعلاقتها بالماء العذب والرحمة الإلهية
كلمة عذاب في اللغة العربية مكونة من ثلاثة حروف، جذرها العين والذال والباء، جاءت من "عَذُبَ".
حسنًا، وعَذُبَ هذه ما معناها؟ نقول: الماء العذب يعني الماء الحلو. نقول: الماء المالح الذي هو الذي في البحر، والذي في النهر نقول عليه ماء عذب زلال قراح، يعني شيئًا حلوًا. ذهب ليستعذب لنا ماءً، أي ليستطيب لنا ماءً. فعَذُبَ يعني شيئًا حلوًا، يعني هكذا.
قالوا: ما علاقة هذا الشيء الحلو بعذاب عظيم؟ إلا أن الله سبحانه وتعالى قد أدخل رحمته حتى في عذابه. افهم الكلام! هؤلاء الناس يستحقون الألم.
رحمة الله المتخللة في العذاب وحكمة إخفائها عن الكافرين
حسنًا، فيجب أن تُمَسّ [هذه النفوس] بشيء من الألم. فمن الذي سيؤلمها أو يحكم عليها بألمها؟ رب العالمين. إن رب العالمين عندما يؤلمها يُدخل في الألم رحمة.
وكيف يُقال هذا؟ لو قال لهم: إن لهم ألمًا متخللًا فيه رحمة، لو قال لهم ذلك بالصراحة هكذا، لقالوا: الحمد لله، نحن نريد هذه الرحمة! ما هو [السبب]؟
﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: 7]
لا يفهمون! لمّا يقول لهم عذاب عظيم يخافون.
﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]
غرض الكلام أننا في الحياة الدنيا نعمل الصحيح ونترك الخطأ، لكن [الله] دخل إلى الرحمة من خلال الحروف نفسها: العين والذال والباء.
مثال المرأة الحامل على تخلل الرحمة والفرح في الألم
فواحد قال: الله هو في حاجة مثل هكذا شيء تدخل فيه الرحمة والألم؟ قال: نعم.
انظر إلى المرأة الحامل وهي تلد؛ تعاين الموت وفرحة فرحًا عجيب الشكل! وعندما ينزل الولد ولم يكن هناك شيء حدث، وقليلًا وهذا الذي صنع لنا مشاكل، تريد أن تحمل مرة أخرى وتريد أن تلد مرة أخرى!
يا الله! ألا تكفين؟ أنتِ رأيتِ بعينك كيف عاينتِ الألم حملًا ووضعًا ورضاعة وكذلك إلى آخره، ليست بكرًا غير مجربة لم تعرف، بل هذه جرّبت! فإذا بها تشتاق إلى الولد ويحصل مرة أخرى كذلك.
وعندما تكثر معها هذه الحكاية والتي ستلد خمسة أو ستة، تريد مرة أخرى!
خلاصة المثال في بيان أن الألم يتخلله فرح ورحمة من الله تعالى
إذن الله سبحانه وتعالى هو في هذا المثال يُرينا كيف أن الألم يتخلله فرح وسرور ورحمة، أي شيء من هذا القبيل.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
