سورة البقرة | حـ 32 | آية 4 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 32 | آية 4 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • المتقون الذين يهتدون بكتاب الله يتميزون بإيمانهم بالغيب وإقامة الصلاة والإنفاق في سبيل الله.
  • يجب الإيمان بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وما أُنزل على الأنبياء السابقين من قبله.
  • المسلم يؤمن بالعهد القديم الذي نزل على موسى، والعهد الجديد الذي نزل على عيسى، والعهد الأخير الذي نزل على محمد.
  • الإسلام دين منفتح يجعل الإيمان بالأنبياء السابقين جزءاً من عقيدته، ولا يجوز للمسلم أن ينكر أو يسب أي نبي من أنبياء الله.
  • المسلمون أولى بالأنبياء السابقين، وقد عاملوا أتباع الديانات الأخرى بتسامح ودون إكراه.
  • الإسلام دين عالمي أرسل إلى الناس كافة، وهو خاتم الرسالات إلى يوم الدين.
  • الإيمان بالآخرة ضابط سلوكي مهم في حياة المسلم، فهو يمنعه من ارتكاب الشر ويدفعه لفعل الخير.
  • الإيمان بالآخرة يجعل الإنسان يحاسب نفسه، ويمنعه من الظلم والطغيان، ويوجه سعيه نحو أهداف سامية.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس والعيش مع كتاب الله بالاستهداء والعمل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات، نستهديه ونطلب منه الهداية في حياتنا، في أفهامنا، في عقولنا.

نعيش كتاب الله، لا نقف عند فهمه ولا عند التصديق به ولا عند العمل به، بل يتعدى ذلك إلى أن يكون حياتنا [أي أن يكون القرآن منهج حياة شاملًا].

صفات المتقين بين الإيمان بالغيب وتصديق القلب بالعمل

يقول تعالى في استكمال صفات المتقين الذين يهتدون بكتاب رب العالمين، بعد أن عدّد أن الإيمان بالغيب أساس من أسس ما يستقر في القلب، وأن الصلاة والنفقة أساس من أسس تصديق ما في القلب بالعمل، يقول:

﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 4]

إذ قد يكون هناك مؤمن بالغيب ويقيم الصلاة وينفق ويفعل الخير، لكنه قبل مجيء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان في نجاة.

خاتم النبيين ووجوب عدم صد الناس عن هدايته الأخيرة

لكن عندما جاء النبي [محمد صلى الله عليه وسلم] يتوّج رسل الله صلى الله عليه وسلم، فهو خاتم النبيين؛ خاتم بمعنى أنه آخر النبيين، وخاتم بمعنى أنه زينة النبيين صلى الله عليه وسلم، فهو خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم.

فلا بد من ألا نصدّ الناس عن هداية الله الأخيرة [وهي رسالة الإسلام].

إيمان المسلم بالعهود الثلاثة التوراة والإنجيل والقرآن

المسلم يؤمن بالعهد القديم الذي كان بين الله وبين إبراهيم وتُوّج بالتوراة كما هو في العهد القديم الذي نزل على موسى، ويؤمن بالعهد الجديد الذي نزل على عيسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ويؤمن بالعهد الأخير الذي نزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الذي في بدايته يقول ربنا للبشرية إن هذا هو العهد الأخير فلا تحجبوا الناس عنه، ويجعل من سيكون له الهداية من هذا الكتاب من أنهم الذين يؤمنون بما أُنزل إليك.

وجوب الإيمان بجميع الأنبياء وعدم التفريق بينهم

بعض الناس يقول: إذن أنا أؤمن بما أُنزل على نبيّ [محمد صلى الله عليه وسلم] ولا علاقة لي بالسابقين فلا أؤمن بهم؟ وأرفض أن يؤمن شخص بمحمد ولا يؤمن بعيسى وموسى.

وربنا قال أيضًا هذا [الإنكار للأنبياء السابقين] ليس معنا. الله جعل هذه الأمة منفتحة تجعل الإيمان بالأنبياء السابقين جزءًا من إيمانها؛ لا يصح أن تنكر موسى أو تنكر عيسى.

تحريم سب الأنبياء والرسل ووجوب الدفاع عنهم جميعاً

أو عندما ينحدر السفلة فيسبّون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما كان يفعل أهل الجاهلية الأولى، قوم أنت تسبّ واحدًا ممن منّ الله عليهم بالنبوة وجعلهم من الصديقين الكبار والأنبياء المتقدمين والرسل الكرام، لا يجوز! تكفر أنت!

أهكذا فقط يكون هو الذي يقلّ أدبه عليّ وأنا أسكت؟ تسكت ماذا؟ لا تسكت! ما هذا! نبيك أنت [أي أن موسى وعيسى أنبياء المسلمين أيضًا].

فيقول الله:

﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4]

وما أُنزل من قبلك جزء من الإيمان بالإسلام؛ لا يجوز إطلاقًا للمسلم أن ينكر أو أن يسبّ أو أن يشكّك أو أن يتّهم أو أن يقبل في رسل أو رسول من رسل الله سبحانه وتعالى أيّ شيء.

قصة صيام عاشوراء ودلالتها على أن موسى نبي المسلمين

لماذا [لا يجوز إنكار أي نبي]؟ لأن هؤلاء أنبياءنا نحن. هذا النبي [موسى عليه السلام] أنا [أي هو نبيّي أيضًا].

فدخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة من غزوة فوجد اليهود تصوم يومًا، قال:

«ما هذا؟» قالوا: هذا يوم عاشوراء.

كان العاشر من شهرهم الأول تشري، وكان موافقًا عشرة محرم. قال:

«ولِمَ هذا؟» قالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى.

قال:

«نحن أولى بموسى منهم.»

فصام فرحًا بنجاة موسى الذي لنا. موسى هذا هو الذي للمسلمين [أي أنه نبيّهم أيضًا].

تسامح المسلمين مع أهل الملل وتعايشهم في سلام عبر التاريخ

فالمسلمون لم يمنعوا أحدًا من طوائف الخلق، بالرغم من أنهم أنكروا النبي صلى الله عليه وسلم طغيانًا وإنكارًا، إلا أن المسلمين لم يفعلوا معهم إلا العيش في سلام.

ولذلك تجد في كل العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، وقد تمكّن منه مئات السنين، تجد جميع طوائف البشر حتى ممن ادّعى أن له كتابًا صدّقناه؛ الهندوك صدّقناهم، الزرادشتيين صدّقناهم، الصابئة الذين قالوا كتابنا كتاب يحيى صدّقناهم، وهم باقون إلى يومنا هذا في العالم الإسلامي، دع عنك اليهود والنصارى.

عالمية الإسلام وخاتميته وإيمانه بمفهوم الأمة الممتدة في الزمان

إذن هذا دين عالمي:

  1. أولًا: يُرسل إلى كل العالمين، فأمة الدعوة هم من في الأرض جميعًا.
  2. ثانيًا: أنه خاتم إلى يوم الدين.
  3. ثالثًا: هو يؤمن بمفهوم الأمة الضاربة في الزمان، فأمة الإسلام تبدأ من آدم.

وفي الطريق عند إبراهيم:

﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [الحج: 78]

إذن هذا هو المسلم المنفتح، المؤمن [الحقيقي]؛ كل هذه القضية هي جزء من إيمانه.

﴿وَٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4]

لا يكفي الإيمان بالدنيا فقط بل لا بد من الإيمان بالآخرة

طيب، يكفي هكذا؟ ها نحن قد آمنّا بالدنيا وانتهى الأمر؛ آمنّا أن هناك إلهًا، وآمنّا بأن نقيم الصلاة حتى تؤتي أثرها، وآمنّا بأن ننفع الناس فننفق مما رزقنا، وآمنّا بما أنزل الله على محمد وما أنزل على من قبله وانتهى الأمر.

وأن هي إلا حياتنا الدنيا ونعيش سعداء في الحياة الدنيا وانتهى الأمر؟ قال له: لا يصح ذلك؛ لا بد أيها المؤمن أن تجعل الآخرة مسيطرة على سلوكك في هذه الدنيا.

ماذا تعني هذه الآخرة؟ فيها جنة وفيها نار، فيها حساب وعقاب وثواب.

الإيمان بالآخرة ضابط سلوكي يدفع للخير ويمنع الشر

وهذا [الإيمان بالآخرة] يُفهمني أنه في الدنيا عندما تُقدم على فعل الشر، راجع نفسك لأنك ستُحاسب، وإن أفلتَّ بها في الدنيا فلن تفلت في الآخرة.

وماذا يفيدني إن قصّرتُ في الخير؟ أن أستجمع همتي وأقول: أنا أريد وأرجو وجه الله، فتدفعني الآخرة لفعل الخير ولمنع الشر.

ما الذي يجعلك لا تتسلط على أموال الآخرين وأعراضهم؟ ما الذي يجعلك تكفّ أيديك عنهم؟ ما الذي يجعلك تحاسب نفسك قبل أن تُحاسب؟ إيمانك بالآخرة. فأصبح الإيمان بالآخرة أحد الضوابط السلوكية الحياتية التي بها عمارة الدنيا.

لولا الإيمان بالآخرة لتسلط القوي على الضعيف وساد الظلم

تخيّل أنه ليس هناك آخرة، لتسلّط القوي على الضعيف، وسيطر الظالم على المظلوم، واستحلّ كل إنسان ما يفعله، والذي تكسبه العبودية والمنفعة والمصلحة هي الأساس.

أما الإيمان بالآخرة فيحوّل سعيك إلى قضية لها هدف؛ فلا تظلم ولا تطغى ولا تتسلط ولا تسرق ولا تزني وهكذا.

لماذا؟ لأنك تخاف من ربك وترجو رحمته سبحانه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.