سورة البقرة | حـ 46 | آية 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 46 | آية 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يصف الله في سورة البقرة حال المنافقين بتشبيه قد يكون مفرقاً أو مركباً حسب مقابلة أجزاء المشبه بالمشبه به.
  • التشبيه المركب يقارن الهيئة الاجتماعية للمثال كقولنا "هجم اللاعب على المرمى هجوم الأسد على الشاة".
  • في الآية "يجعلون أصابعهم في آذانهم" استخدام للمجاز بإطلاق الكل وإرادة الجزء، فالمقصود الأنامل وليس الأصابع كاملة.
  • المجاز في اللغة العربية له علاقات متعددة منها إطلاق الكل وإرادة الجزء وعكسه، كقولنا "صليت ركعتين" ونقصد الصلاة كاملة.
  • الكلمة الواحدة في القرآن تحتمل معاني متعددة كلفظ "جعل" الذي يأتي بمعنى الخلق أو التسمية أو السيرورة.
  • معجزة القرآن أنه كتاب مستمر يخاطب العالمين إلى يوم الدين بكلمات محدودة (1810 جذر) تحمل معاني متعددة.
  • المنافقون متعلقون بالدنيا لعدم إيمانهم باليوم الآخر، بينما المؤمن يتمسك بالدنيا امتثالاً لأمر الله بعمارة الأرض.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الدرس والتعريف بالتشبيه المفرق والمركب في وصف المنافقين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات في سورة البقرة. يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يصف حال المنافقين بتشبيه قد يكون مفرقًا؛ بأن يقابل كلَّ جزءٍ في المشبَّه كلَّ جزءٍ في المشبَّه به، وقد يكون مركبًا؛ بمعنى أن الهيئة الاجتماعية من هذا المثال تساوي الهيئة الاجتماعية من هذا المثال.

يعني عندما تقول: هجم اللاعب على المرمى هجومَ الأسد على الشاة، هل اللاعب هذا أسد؟ وهل المرمى هذه شاة؟ هل هو نفس الهجوم؟ لا، وإنما هذا الهجوم القوي من الأسد على الشاة وفيه قوة شبيهٌ بالقوة التي هجم بها هذا المهاجِم على هدفه أو مرماه، بل التشبيه بالجملة، ليس أن اللاعب أسد والمرمى شاة والهجوم نفس الهجوم، لا، ليست بالأجزاء، وهذا يسمونه التشبيه المركب.

صلاحية التشبيه المفرق والمركب في آية المنافقين ومعنى المجاز فيها

هل يصلح [التشبيه المركب] في الآية؟ نعم، يصلح في الآية أن نجعلها تشبيهًا مفرقًا ونجعل كل مشبَّه به بإزاء أجزاء المشبَّه، ويصلح أن يكون تشبيهًا مركبًا.

﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم﴾ [البقرة: 19]

هذا مجازٌ؛ لأنك عندما تضع إصبعك في أذنك، فماذا تضع؟ الأنملة فقط. حسنًا، هو يقول إصبع، نعم، فقد أطلق الكل وأراد البعض.

شرح المجاز بإطلاق الكل وإرادة البعض من خلال مثال الوضوء قبل الطعام

عندما يقول لك: من السُّنة الوضوء قبل الطعام، ماذا يعني هذا؟ هل أتوضأ لكي آكل؟ لا أحد يفعل ذلك.

إذن ماذا يقصد الحديث؟ قصد الحديث غسل اليد، أطلق الوضوء وأراد جزءًا منه. أليس غسل اليد جزءًا من الوضوء؟ نعم، جزء من الوضوء، فأطلق الوضوء، قال: الوضوء قبل الأكل سنة، قال: قبل الأكل وبعده.

نعم، يعني غسل اليد قبل الأكل حتى نأكل بأيدينا نظيفة، وبعد الأكل لكي نزيل أثر ما قد يتعلق باليد من طعام. قال له: قبل الأكل وبعده الوضوء.

هنا ما معناه؟ ليس هو الوضوء المتعارف عليه الذي نفعله لنقوم إلى الصلاة، الوضوء هنا هو غسل اليد. إذن ما نوع المجاز؟ أطلق الكل الذي هو الوضوء وأراد البعض الذي هو غسل اليد.

تطبيق مجاز إطلاق الكل وإرادة الجزء على آية أصابعهم في آذانهم

هنا:

﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم﴾ [البقرة: 19]

أصابعهم؟ لا، هي أناملهم، جزء من الإصبع، فتكون الأصابع هنا كلًّا والمراد هنا جزءًا، فيكون قد أطلق الكل وأراد الجزء.

المجاز العكسي بإطلاق الجزء وإرادة الكل مع مثال الصلاة

وفي المجاز عكس ذلك، أن تُطلق الجزء وتريد الكل. تقول: صليت ركعتين، أنت لم تفعل ركوعًا فقط، بل أنت قرأت الفاتحة ثم ركعت ثم سجدت وقيام إلى آخره وسلام وكذا، لكن نقول: صليتُ ركعتين أو ركعة.

أطلقتُ البعض وأردتُ به الكل. هذه علاقات يسمونها المجاز، فيجب أن ننتبه أن الكلام منه حقيقة ومنه مجاز.

الرد على من يعترض على القرآن بجهله بعلم المجاز وعلاقاته المتعددة

ثم يأتي شخص لا يفقه شيئًا كما نرى هذه الأيام، فيقول لك: إن الله قال أصابعهم والإصبع لا يُوضع في الأذن! فنقول له: اسكت، اخفِ جهلك، وإلا ستُفضح أمام الناس؛ لأنه يوجد في اللغة العربية شيء يُسمى المجاز.

والمجاز له خمس وعشرون علاقة، ومن هذه العلاقات:

  • إطلاق الكل وإرادة البعض.
  • وإطلاق البعض وإرادة الكل.
  • وإطلاق الآن وإرادة المستقبل.
  • وإطلاق المستقبل وإرادة الحاضر.

نقول: جاءت المرأة بالولد، ونقول: جاءت المرأة بالرجل، هي لم تنجب رجلًا، بل أنجبت ولدًا صغيرًا، لكنه ذكر، لذلك أطلقنا عليه باعتبار ما سيكون.

[ومثال آخر:] شربت بُنًّا، أنا شربت قهوة، أنا لم أتناول البن [بل شربت ما صُنع منه]، باعتبار ما كان. هناك أنواع مختلفة من المجاز: الحالية والمحلية والجزئية والكلية، وباعتبار ما يكون، وباعتبار ما سيكون، وباعتبار ما كان.

المجاز علم له علماؤه والرد على المعترضين على القرآن بغير علم

وهذا الكلام كم مقداره؟ قال لك خمس وعشرين علاقة. إذن هذا سيكون علمٌ له علماء؟ نعم.

عندما نقول لك: اصمت حتى لا تكون جاهلًا، لمن هذا الكلام؟ لمن يعترض على القرآن. القرآن أعمق بكثير من لعب الأطفال، هذا لعب الأطفال هذا ليس لنا علاقة به؛ لأن هذا القرآن عميق جدًا جدًا جدًا جدًا.

فيأتي أحدهم في القنوات التلفزيونية ويقول لك: ها هو القرآن يقول [كذا]، ولا ينظر إلى المجاز! كل هذا دجل، فنضحك ونقول: سبحان الله، لا إله إلا الله، سيغنينا الله من فضله ورسوله.

معاني كلمة الجعل في القرآن الكريم بين الخلق والتسمية والصيرورة

يَجْعَلُونَ: الجعل قد يكون بمعنى الخلق، وقد يكون بمعنى التسمية — سمّوها هكذا يعني —، وقد يكون بمعنى السَّيْرُورَة.

فهنا:

﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ﴾ [البقرة: 19]

ماذا تعني؟ أي يُصَيِّرُونَ أصابعهم، أي يَضَعُونَ أصابعهم. فالجَعْلُ له أكثر من معنى، أي أن الكلمة تكون كلمة واحدة ونجد لها أكثر من معنى في القرآن.

نعم بالتأكيد، كلمة تكون واحدة مثل جَعَلَ هذه، وتجدها:

  • مرة بمعنى الخلق.
  • ومرة بمعنى التسمية.
  • ومرة بمعنى الصيرورة.
  • ومرة تكون زائدة، إلى آخره.

تعدد معاني الكلمة القرآنية الواحدة وسعة كتاب الله في مخاطبة العالمين

يجب علينا عندما نفتح الكلمة أن نقرأ ملفها كاملًا لنرى فيمَ ستصلح؛ فأحيانًا تصلح لمعنىً واحد، وأحيانًا تصلح لمعنيين، فنختلف مع بعضنا في التفسير سعةً من كلام الله لنا؛ لأنه كتاب سيخاطب العالمين إلى يوم الدين.

المعجزة أنه نافع ومستمر ويخاطب العالمين إلى يوم الدين؛ لأن الكلمة لها عدة معانٍ: أحيانًا يصلح معنيان، وأحيانًا يصلح ثلاثة، وأحيانًا يصلح الأربعة، وأحيانًا يصلح معنى واحد فقط ولا يمكن أن تحمله على معنى آخر.

عظمة القرآن في جذوره اللغوية وتقاطعات معانيه التي تنتج ملايين الدلالات

فانظر إلى القرآن: في كم كلمة وكم جذر؟ ألف وثمان مئة وعشرة. وكل واحدة منها كم عدد معانيها؟ كثير كثير، حتى إن بعضها له خمسة معانٍ، منهم ستة ومنهم ثلاثة ومنهم اثنان ومنهم واحدة.

فالتقاطعات الخاصة بهذه الأمور ماذا تُنتج؟ تُنتج آلافًا مؤلفة وملايين متعددة.

وهل كتاب ربنا فيه كل هذا؟ نعم بالتأكيد، وكل هذا برواية حفص، فلو ضُمت إليها عشر قراءات ستصبح مليارات! كتاب ربنا لا تنتهي عجائبه.

القرآن لا يمكن أن يكون من عند البشر والفرق بينه وبين السنة النبوية

كتاب ربنا لا يمكن [أن] يكون من عند البشر يا إخواننا، لما استطاع أحد أن يكتب مثل القرآن، ما استطاع أحد أن يفعل مثل ما فعل القرآن.

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مَنَّ الله علينا بأن حفظ لنا سنته وأقواله وأحاديثه، فلما حفظ لنا هذا، فهناك فرق كبير بين السنة وصياغتها وكلامها وبين كتاب ربنا سبحانه وتعالى الذي تنزَّل على قلب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

معنى الصواعق وحذر الموت وصفة المنافقين في التعلق بالدنيا

﴿يَجْعَلُونَ أَصَـٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ﴾ [البقرة: 19]

الصواعق تنزل من السماء بناءً على البرق والكهرباء وتُسبب حريقًا.

حَذَرَ الْمَوْتِ: هذا تمييز، فيقول له حذر الموت يعني خائف من الموت.

فتكون من صفات المنافقين: ما هي أول صفة من الصفات؟ لاهون في الدنيا، متعلقون بها بأيديهم وأسنانهم فيها. لماذا؟ لأنه غير مؤمن، فهو ليس مؤمنًا باليوم الآخر.

والذي لا يؤمن باليوم الآخر هذا، هل يُنتظر منه أن يكون شجاعًا وجيدًا وهكذا؟ إنه لا يعرف إلا هذه الدنيا، وليس هناك إلا هذه الدنيا، فلا بد أن يتمسك بها بيديه وأسنانه.

الفرق بين تمسك المنافق بالدنيا وتمسك المؤمن بها بأمر الله تعالى

لكن أنا ممسك فيها بيدي وأسناني، من جهة ثانية، من جهة أن الله أمرني أن أفعل ذلك. انظر الفرق الكبير: ربنا قال لي عمِّر الدنيا بطولها، حاضر، سمعنا وأطعنا.

ربنا قال لي: لكن إياك أن تنتحر، حافظ على النفس البشرية. قلت له: يصبح إذا انتحرت كأنني في الجهاد وليت الأدبار.

المنتحر ما الذي يفعله؟ يُمسك بنفسه كأنه يُلقيها في وجه الملأ الأعلى! خذوا النفس التي لكم! نعم، فيصبح حرامًا ويصبح مجرمًا، ويصبح هذا الانتحار جريمة كبيرة؛ قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، هو انتحر.

التمسك بالدنيا بأمر الله مع عدم وضعها في القلب وعمارة الكون لله

فالله سبحانه وتعالى قال له أن يعمّر الأرض وقال له أن يتمسك بالدنيا، لكن لا تضعها في قلبك.

وحينئذٍ أتصرف فيها، أتصرف فيها بإرادة الله من عمران الكون ومن السعي في الأرض صلاحًا. هذا الكون يسبح، هذا الكون يسجد، هذا الكون مخلوق، هذا الكون مسخر لي.

أنا جزء من هذا الكون باعتباري سيدًا في هذا الكون، ولست جزءًا منه باعتباري مادة أو قطعة لحم هكذا تمشي في الطريق، لا والله.

مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ: أحاط يعني أحدق من كل جانب، فالله سبحانه وتعالى بيده هذا [الكون كله].