سورة البقرة | حـ 54 | آية 23 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 54 | آية 23 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • يشرح الخطاب معنى "شهداء" في قوله تعالى: "وادعوا شهداءكم من دون الله"، موضحاً أنها جمع شهيد بمعنى الشاهد والمشهود.
  • الدعوة عامة للذين مع المتحدين والذين ينتظرون النتيجة، شرط أن يكونوا من غير الله.
  • القرآن يؤكد حرية الاعتقاد دون إكراه: "لا إكراه في الدين" و"من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".
  • يستشهد بحادثة أصحاب الفيل التي شهدها العرب كحدث قريب روته السيدة عائشة.
  • يشير إلى محاولات معارضة القرآن، ومنها محاولة أبي العلاء المعري في كتابه "الفصول والغايات".
  • يوضح الفرق بين محاولات البشر ومعجزة القرآن، فبعد ألف سنة ما زالت محاولة أبي العلاء بلا رونق ولا جمال.
  • القرآن له حلاوة وطلاوة اعترف بها حتى المعارضون مثل الوليد بن المغيرة.
  • محاولات معارضة القرآن تؤكد إعجازه وأنه ليس من كلام البشر.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة الحلقة وتلاوة آية التحدي من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش هذه الدقائق المعدودة، مع قوله تعالى في سورة البقرة:

﴿وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 23]

التحليل الصرفي لكلمة شهداء والفرق بين جموع فعيل وفاعل

الشهداء جمع شهيد، كعلماء جمع ماذا؟ جمع عليم. وإياك أن تقول جمع عالم؛ هذا الوزن "شهداء" إذن جمع شهيد، و"علماء" إذن جمع عليم.

أما جمع عالم فهو "عالمون"، وجمع شاهد فهو "شاهدون" أو "شهود" بالمصدر؛ لأن المصدر يُطلق ويُراد منه الجمع. فـ"قعود" يعني أناس قاعدون هكذا، القعود هذا مصدر. و"شهود" الشهود هذا مصدر لكنه يُطلق ويُراد منه جماعة الشاهدين.

و"ظهور" هذا مصدر، لمّا الوردة تزهر هكذا، لكن "ظهور" نُطلقها على ماذا؟ على مجموعة الظهر؛ ظهر وظهر، قوم نقول عليهم ظهور، إطلاقًا للمصدر على الجمع.

شهداء جمع شهيد وإطلاق فعيل على اسم الفاعل واسم المفعول

فـ"شهداء" هذا جمع شهيد، وشهيد هذا على وزن فعيل، وفعيل يُطلق ويُراد منه اسم الفاعل، ويُطلق ويُراد منه اسم المفعول.

طيب، وكيف تُفرّق؟ ما هو أيّ يا شاهد يا مشاهد! ولذلك:

﴿وَٱدْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 23]

أي ادعوا الذين أنتم قادرون عليهم، ما الذي معكم والذي سيرونكم لكي يروا ما النتيجة. الدعوة هنا عامة؛ لم يقل "ادعوا الشاهدين"، قال "ادعوا الشهداء". شهداء جمع شهيد، تُطلق ويُراد منها اسم الفاعل وتُطلق ويُراد منها اسم المفعول.

دعوة جميع الشهداء سواء المشاركون أو المنتظرون من دون الله

فإذن تعالوا جميعكم، سواء الناس الذين معكم والذين يريدون أن يحاولوا هذه المحاولة [محاولة الإتيان بمثل القرآن]، أو الناس الذين ينتظرونكم لكي يروا ماذا ستفعلون.

﴿مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 23]

ولكن انتبهوا إلى أن الذين معكم والذين ينتظرونكم لا علاقة لهم برب السماوات والأرض؛ لأن كثيرًا من الناس يتمحّكون في رب السماوات والأرض ويدّعون أنهم مع الله.

التحذير من الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وصنفا الناس في القرآن

يقول [الله تعالى]:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ [البقرة: 204-206]

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]

ففي [هذه الآيات] صنفان [من الناس].

حرية الاعتقاد لا تعني تكافؤ الآراء والعقائد في الإسلام

فعلى فكرة، الشهداء هؤلاء [الذين يُدعون من دون الله] سيكونون خارج الإطار، لكن لا يوجد مانع؛ نحن مؤمنون بحرية الفكر وحرية المعتقد:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

وليس علينا إلا البلاغ والتنبيه. إن الحرية لا تعني تكافؤ الآراء وتكافؤ العقائد؛ الحرية تعني الاختيار، وإننا لا نريد منافقين. نريد من يؤمن أن يؤمن من قلبه، ومن يُسلم أن يُسلم من وجدانه حقيقة.

ولكن من لا يؤمن فلا خطأ هنا [في إجباره]، وفي [الآخرة] عذاب، والأمر بيد الله يوم القيامة.

آيات الوعيد لمن أعرض عن الإيمان مع التأكيد على عدم الإكراه في الدين

ولذلك تجد بعدها آية:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]

ولكن إلى أي مدى؟ إلى مدى أننا سوف نرجع إلى ربنا فيُنبّئنا بما كنا نعمل، ويُنبّئنا بما كنا فيه نختلف. أما في الدنيا فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

يعني لا إكراه في الدين:

﴿قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

فانتبهوا، إنه نعم ادعوا الذين تريدونهم من الشهداء، ولكن هؤلاء أيضًا في الواقع من دون الله، إن كنتم صادقين.

علو القرآن الكريم على كل محاولة للإتيان بمثله وإثبات إعجازه

حسنًا:

﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]

كلما حاول محاولٌ أن يأتي بسورة من مثله أو أن يفعل هذا، القرآن الكريم يعلو درجات [فوق] كل محاولة. القرآن الكريم يعلو درجات.

فمن الذي يُسخّر من هؤلاء المحاولين؟ الله؛ لكي يُثبت إعجاز كلامه، وأنه:

﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

لا تخف؛ لأن أنا لا شأن لي [بحفظه، فالله هو الحافظ].

قصة عبد المطلب مع أبرهة الحبشي وحماية الله للكعبة

ما اسم هذا؟ هو عبد المطلب عندما هجم الأحباش على الكعبة، ماذا قال؟ أنا للبيت ربٌّ يحميه، وأنا ما لي [بذلك]. هذا بيت ربنا سيحميه.

وأخذ قومه وخرج هو والمشركون من مكة، وجلسوا في الشِّعاب حتى يدخل هذا الرجل أبرهة مكة ويكسر البيت ويعود مرة أخرى إلى بلاده. كسر يا أخي البيت!

فماذا حدث؟ أرسل الله عليهم:

﴿طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ﴾ [الفيل: 3-5]

والحمد لله. أليس هذا ما حدث؟

شهادة السيدة عائشة على حارس الفيل ودلالة الرواية المتصلة

وهذا تاريخ قريب يرويه العرب ويعيشون [أحداثه]، حتى أن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: رأيت قائد الفيل، وكان اسمه -أي الفيل- محمود، نسمّيه محمودًا وهو مذموم! هذا الفيل رأيت حارسه الأعمى يتسوّل من الناس بمكة.

وإذا لم يكن هذا [الأمر] غائبًا عنهم، فإن الحارس لا يزال حيًّا حتى عهد السيدة عائشة الصغيرة التي رأته. أتدرك ما يعني هذا؟ يقول لك: هل هذه الحادثة وقعت أم لم تقع؟

ماذا حدث؟ هؤلاء أناس شاهدوا هذا الأمر وعاصروا هذا الأمر، ورُويت بالرواية المتصلة التي لا مثيل لها في تاريخ البشرية؛ أن يروي أحدٌ عن أحد مثل ما روى المسلمون عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم بالسند المتصل وبالتوثيق المستمر.

كتاب مصطفى صادق الرافعي في إعجاز القرآن ورصد محاولات المعارضة

مصطفى صادق الرافعي رحمه الله تعالى ألّف كتابًا في إعجاز القرآن ينبغي أن يُطبع وأن يُنشر وأن يُوزّع وأن يطّلع عليه الناس، وهو مطبوع مشهور. رصد فيه سبع محاولات، في كل محاولة لتعلو على القرآن.

فرصد محاولة لمسيلمة [الكذاب]، لعلنا قد تكلمنا في حلقة سابقة عنها. ورصد محاولة لأبي العلاء المعري في كتاب أسماه "الفصول والغايات"، حاول فيها أبو العلاء -كما يُقال؛ لأننا لسنا متأكدين من هذه الروايات هل حقًّا حدث هذا من أبي العلاء أو لا- فنقول على الفور هكذا: كما يُقال، "فصول والغايات" أنه عارض بها القرآن الكريم.

قصة أبي العلاء المعري وسعة اطلاعه على اللغة العربية

أبو العلاء [المعري] هذا، من هو؟ هذا شاعر كبير، وكان مطّلعًا اطلاعًا عجيبًا على اللغة العربية ومتمكّنًا فيها تمكّنًا عجيبًا جدًّا.

مرة يمشي في الطريق وهو ضرير -يسمّونه رهين المحبسين- وهو يمشي اصطدم بقدم رجل ممدود رجله ولم يكن منتبهًا لأنه ضرير. فقال له [الرجل]: ألا تنتبه يا كلب! شاتمًا.

فقال له [أبو العلاء]: الكلب من لا يعرف أن للكلب أربعين اسمًا في لغة العرب! الكلب الذي لا يعرف أن للكلب أربعين اسمًا في لغة العرب، وسردها عليه.

فقال [الرجل]: أنت أبو العلاء! والله ما من أحد يعرف هكذا إلا أن [يكون] أبا العلاء.

الإمام السيوطي وكتابه التبري من معرة المعري وأسماء الكلب في لغة العرب

هذه العبارة وصلت إلى الإمام السيوطي، وكان الإمام السيوطي واسع الاطلاع في القرن [العاشر الهجري]، توفي في القرن العاشر سنة تسعمائة وإحدى عشرة هجرية.

فذهب وألّف كتابًا اسمه "التبرّي من معرّة المعري"، أي يقول: إن الذي لا يعرف أربعين اسمًا [للكلب] فهو كلب! فقالوا: حسنًا، أنا أعرف أربعين اسمًا وأكثر. وألّف منظومة سمّاها "أتبرّأ من معرّة المعري" أورد فيها ستين اسمًا للكلب في لغة العرب.

أخذها أحمد باشا تيمور ونشرها في [مجلة] المقتطف، وزاد عليها ونقص، وقال إن أغلب هذه صفات، وأتى كذلك بأكثر من الستين التي أتى بها السيوطي من تتبّع معاجم العرب.

كتاب الفصول والغايات لأبي العلاء وطباعته وردود أهل عصره عليه

أبو العلاء المعري، هذا "الفصول والغايات" الحمد لله طُبع. كان قديمًا مخطوطًا والعلماء يرونه هكذا في دار الكتب أو شيء مخطوط، لكن الحمد لله طُبع مرة في مصر منه الجزء الأول، ومرة في بيروت كاملًا، وأصبح بين أيدينا. هلمّ بنا نقرأه، هلمّ بنا نقرأه.

وكما قيل إن الناس في عصر أبي العلاء قالوا له: ما لنا لا نجد له حلاوة ولا عليه بهاء؟ هذا كلام مرصوف بجانب بعضه البعض. القرآن هكذا، هل يفعل شيئًا؟

فقال لهم: اقرؤوه في المحاريب أربعمائة سنة تجدوا له حلاوة! يعني يريد أن يقول إن القرآن حلاوته لأننا اعتدنا عليه وليس في ذاته.

الرد على أبي العلاء بشهادة الوليد بن المغيرة في بلاغة القرآن من أول نزوله

قالوا له [لأبي العلاء]: فلماذا لم ينتظر النبي صلى الله عليه وسلم أربعمائة سنة؟ بل ولم ينتظر الوليد بن المغيرة حيث قال: إن أعلاه لمُثمر، وإن أسفله لمُغدق، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، ووالله ما هذا بكلام البشر!

متى هذا؟ أول ما نزل [القرآن]، لم ننتظر له أربعمائة سنة.

حسنًا، هذه هي "الفصول والغايات"، هذه له الآن ألف سنة وليس عليه رونق وليس عليه جمال، وتقرأ ولا تفهم ولا تعرف ماذا تقول. ليس له قضية وليس له تربية وليس له أي شيء.

الحمد لله على حفظ محاولات معارضة القرآن للمقارنة والاعتبار

فالحمد لله الذي حفظ لنا هذه المحاولات [لمعارضة القرآن] من أجل أن نقارن ويقارن كل العقلاء.

وإلى لقاء آخر ومع محاولة أخرى نعيش مع قوله تعالوا:

﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]

والحمد لله أن جعلنا مسلمين من غير حول منا ولا قوة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.