سورة البقرة | حـ 72 | آية 40 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 72 | آية 40 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • القرآن الكريم كلام الله تعالى الذي يفوق كلام الناس كما يفوق الخالق المخلوق.
  • في قوله تعالى "اهبطوا منها جميعاً" تكرار للهبوط وتأكيد أن الجنة ليس فيها صراع.
  • رحمة الله واسعة فكلما ضاق على الإنسان فتح عليه، وكلما شدد عليه يسر له.
  • الله تعالى أنزل الإنسان إلى الأرض ثم رحمه بإرسال الهدى، ومن لم تصله الهداية فهو غير مكلف.
  • أهل الفترة الذين لم تأتهم الرسل يكونون في نجاة، فالله لا يعذب أحداً حتى يبعث رسولاً.
  • الآيات السابقة في سورة البقرة تشكل مدخلاً لبيان حقيقة الكون وخالقه.
  • علمنا الله أن الكون بُني على التوازن والألفة وليس على الصراع.
  • يجب على المسلم الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وإخلاص النية لله.
  • القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يبلى من كثرة التلاوة، وهو متحرر من الزمان والمكان.
  • ينبغي التأمل في القرآن على مستوى الشكلة والحرف والكلمة لفهم مراد الله تعالى.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وفضل القرآن الكريم على سائر الكلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نطلب منه الهداية، ونقف عند كل آية بل كل كلمة منه؛ فهو من كلام رب العالمين، وفضل القرآن على كلام الناس كفضل الله سبحانه وتعالى على عباده؛ فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.

تكرار أمر الهبوط من الجنة وتأكيد أن الصراع يكون في الأرض

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿قُلْنَا ٱهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: 38]

كرّر [الله تعالى] الهبوط مرة ثانية، و«جميعًا» تأكيد؛ لأنه ليس في الجنة صراع، وأنه إذا كان ثمة صراع فليكن في الأرض.

﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]

من رحمة الله [بعباده] أنه كلما جاء ما يُضيّق علينا فتح علينا، وكلما جاء ما يُشدّد علينا يسّر علينا؛ فتبيّن من هذا أن الله يحبنا.

﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]

﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]

رحمة الله بإنزال الهدى وإعفاء من لم يصله التكليف

﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى﴾ [البقرة: 38]

حسنًا، وإذا ما جاء الهدى انظر [إلى رحمة الله]؛ يعني هو يُنزلنا في الأرض عقوبةً للمعصية، ثم يرحمنا بعد ذلك ويقول: إنني سأرسل إليكم الهدى، ثم يرحمنا بعد ذلك فيجعل من لم يصله الهدى غير مكلّف.

انتبه! يعني هو يُضيّق علينا — أخرجنا خارجًا [من الجنة] — أخرجنا قومٌ يحنّ علينا، قال: لكن سأبعث لكم هدًى لكي تستدلوا بها إلى طريق طيب، والذي لم تأته الهداية فسوف أعفو عنه أيضًا.

حكم من لم تبلغه الرسالة وأهل الفترة ونجاتهم

أي ليس الذي لم تأته الهداية يكون الله قد كتب عليه الضلالة ويدخله النار، لا! فجعل لكل قوم رسولًا.

طيب، والذي لم تأتهم الرسل لهم، ما حكمهم؟ فيكونون من أهل الفترة.

والفترة تعني ماذا؟ تعني أنه ليس لهم رسول.

وهؤلاء شأنهم ماذا؟ النجاة [لهم]؛ لو كان ربنا يكرهنا لكان تركنا ننزل [إلى الأرض] وليس هناك هداية نتصرف بها.

نحن إذن: الذي يأتيه الهدى يكون من فضل الله ويدخله الجنة، والذي لا يأتيه الهدى يدخله النار [إن بلغته الحجة وأعرض].

مؤاخذة الله للعباد برفق ورحمة وإنزال الهداية معهم

ولكن الله سبحانه وتعالى وهو يؤاخذ قومًا يؤاخذ برفق ولطف ورحمة وحب؛ فيُنزلنا ويُنزل معنا الهداية، ويُنزل الهداية ويجعل من لم تصله الهداية في نجاة.

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]

حسنًا، لنفترض أن [الله لم] يبعث رسولًا فلا يوجد عذاب إذن. لماذا؟

﴿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ [النجم: 30]

ليس لهم [حجة] هكذا.

جزاء من اتبع الهدى ومن كفر وكذب بآيات الله

﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38]

﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِـَٔايَـٰتِنَآ﴾ [البقرة: 39]

سكت [الله تعالى]، قال: لا، بآياتنا. هذا [لفظ] الله وصلته آية.

«آياتنا» تعني ماذا؟ هل تعني الوحي المنزل أم المعجزة التي مع الرسول؟ الآية بمعنى المعجزة أم الاثنان؟ جائز ألا يحدث شيء [من التعارض]؛ ما هو هذا مشترك [اللفظ يحتمل المعنيين].

«والذين كفروا وكذبوا» — ما قال [كفروا] بالله حتى نقول الفطرة تدعو إلى الإيمان بالله ونعذبهم إذن، لا! دخل [العذاب] إلا الذي وصلت إليهم الهداية واتُّهموا [بالتكذيب]، ثم بعد ذلك كفروا بهذه الهداية التي هي في صورة وحي أو في صورة معجزة.

﴿أُولَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 39]

معنى الخلود في النار بين المعتزلة وأهل السنة ودلالة كلمة أبدًا

قال لك: حسنًا، «خالدون» معناها المدة الطويلة أم معناها إلى الأبد؟

فالمعتزلة قالوا: لا، «خالدون» تعني إلى الأبد. أهل السنة قالوا: لا، «خالدون» تعني المدة الطويلة، أليس كذلك؟

قالوا: لأنه ورد في القرآن:

﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ [النساء: 57]

فلو كان «خالدون» هذا معناها دائمًا لكانت كلمة «أبدًا» لا فائدة لها، وليس في القرآن شيء لا فائدة له؛ فالحرف له فائدة، والحركة لها فائدة، وكل شيء له توجيه للمعنى الذي يؤدي بنا إلى معرفة مراد الله سبحانه وتعالى.

فكلمة «أبدًا» لها فائدة وهي الدلالة على المكث المستمر؛ فيجب أن تكون هذه المدة طويلة.

بداية خطاب بني إسرائيل وملخص ما سبق من حقائق الكون والإيمان

حسنًا، قال [الله تعالى]:

﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]

هنا بدأ [الله تعالى] في معنى جديد. إذن كل الآيات التي وردت سابقًا من بداية:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26]

إلى ذكر بني إسرائيل كان مدخلًا للإنسانية في بدايتها. علّمنا فيها ربنا سبحانه وتعالى حقيقة الكون؛ وأن هناك إلهًا قد خلقه، وأن هذا الإله فعّال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وأن هذا الإله يُرسل الرسل ويُنزل الكتب ويأمر وينهى.

وجوب امتثال أمر الله والإيمان بالبعث والحساب يوم القيامة

وعلينا إذن إذا أردنا النجاة والسعادة في الدنيا وفي الآخرة أن نمتثل لأمره ونهيه، وأن نسير في طريقه سبحانه وتعالى.

وأن هذا الإله يحيينا ويميتنا ثم يحيينا كما يشاء، وأننا سنعود إليه يوم القيامة، وأننا في هذه الدنيا ونعود إليه يوم القيامة ففيها حساب وعقاب أو ثواب، جنة أو نار.

وأن في هذه الدنيا هو ينهى عن الفساد في الأرض، وهو يأمر بعبادته وحده سبحانه، وهو يأمرنا ألا نكون من الخاسرين؛ فنُصلح العلاقة التي بيننا وبينه:

﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ﴾ [البقرة: 27]

وبيننا وبين أنفسنا:

﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِٓ أَن يُوصَلَ﴾ [البقرة: 27]

وبيننا وبين الكون:

﴿وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ أُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ [البقرة: 27]

تكريم بني آدم بالعلم ووجوب التعلم للعبادة والدعوة إلى الله

علّمنا ربنا هذه الصورة، وعلّمنا كيف بدأ الخلق، وأننا مكرّمون في هذا الكون:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]

وأن سبب التكريم العلم، وأنه يجب عليك أن تتعلم حتى تعبد الله على بصيرة، وحتى تدعو إلى الله على بصيرة:

﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]

وأننا يجب أن نتعلم لعمارة الأرض، وإننا لا نقف بعلمنا عند حد السطح أو العمق، بل لا بد أن نربط ذلك بالله رب العالمين.

وجوب الإيمان بأركان العقيدة وبناء الكون على التوازن لا الصراع

وإننا يجب علينا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن نجعل كل ذلك في سبيل الله، وأن نُخلص النية لله.

وأن نعلم أن هذا الكون قد بُني على التوازن، وأنه قد بُني على الألفة وليس على الصراع؛ فليس هناك صراع بين الرجل والمرأة، ولا بين الحاكم والمحكوم، ولا بين الغني والفقير، ولا بين الإنسان والكون، كما هو موجود في عقائد كثير من خلق الله على الأرض الآن.

وأنه ينبغي علينا أن نؤمن بالتكليف وبالتشريف وبالقداسة، وأن نحترم القرآن والنبي والأنبياء والكعبة المقدسة.

خاتمة الدرس وبيان أن القرآن لا تنتهي عجائبه ووجوب التأمل فيه

ذكر الله لنا كل ذلك في كلمات واضحات بيّنات تبني في الإنسان رؤية شاملة للكون وللحياة، ولما قبل ذلك وبعد ذلك، وجعلها في أول سورة [البقرة] لنا.

نتعلم من هذا أن القرآن لا تنتهي عجائبه ولا يَبلى من كثرة التلاوة، وأنه متحرر من الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وأنه كلام رب العالمين إلى العالمين إلى يوم الدين.

وأنه ينبغي علينا — وهو لا تنتهي عجائبه ولا يحيط بتفسيره أحد — أن نتأمل فيه على مستوى الشَّكلة، وعلى مستوى الحرف، وعلى مستوى الكلمة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والحمد لله رب العالمين.