سورة البقرة | حـ 91 | آية 74 : 75 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 91 | آية 74 : 75 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • تشرح الآية الكريمة حال بني إسرائيل بعد تجاربهم مع الله، حيث قست قلوبهم فصارت كالحجارة أو أشد قسوة.
  • تحمل الآية معنى مزدوجاً: فيها عتاب ولوم لمن بقي قلبه قاسياً، وفيها فتح لباب الرحمة والتوبة.
  • قسّم الله الحجارة إلى ثلاثة أنواع: نوع يتفجر منه الأنهار، ونوع يتشقق فيخرج منه الماء، ونوع ينزل من خشية الله.
  • تشبه القلوب هذه الأنواع الثلاثة: قلب يفيض بالخير الكثير كالنهر، وقلب يخرج منه خير قليل، وقلب ينتفع صاحبه فقط.
  • يمكن للقلب القاسي أن يتحول بفضل الله مهما بلغت قسوته إذا بدأ العبد بالتقرب إلى الله.
  • ختم الله الآية بقوله "وما الله بغافل عما تعملون" لتذكير العباد بمراقبته لأعمالهم.
  • ينبغي للعبد المسارعة إلى مغفرة الله والفرار إليه.
  • الطمع في وجه الله محمود، أما الطمع في الخلق فمذموم.
  • الهداية بيد الله، والعبد مطالب بالتبرؤ من حوله وقوته.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تلاوة سورة البقرة وقصة ذبح البقرة وإحياء القتيل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، ومع سورة البقرة، وفي قصة بني إسرائيل؛ حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى: بعدما ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها فأحياه الله سبحانه وتعالى، فأخبر عن من قتله.

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ [البقرة: 74]

يعني من بعد ما مرّ من كل تلك المواقف التي شرحناها [من آيات الله وعجائبه لبني إسرائيل].

فتح باب الرحمة والتوبة بعد وصف قسوة القلوب بالحجارة

فبعد ما وصفهم [الله سبحانه وتعالى] بالحجارة، وبأنّ منهم من هو أشدّ قسوة من الحجارة، فتح لهم مرة أخرى من واسع فضله، وفتح للعالمين من بعدهم التوبة والرجوع، وعدم اليأس والقنوط من روح الله سبحانه وتعالى.

فقال:

﴿وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَـٰرُ﴾ [البقرة: 74]

هذه العبارة لها جانبان: جانب منها أنه ليس ببعيد على الله سبحانه وتعالى أن يحوّل الحجارة التي في قلوبهم إلى الحجارة التي تتفجّر منها الأنهار في يوم من الأيام. وجانب آخر أنّ قلوبهم إذا لم تكن كذلك [أي لم تتفجّر منها الأنهار] فهي أشدّ قسوة من الحجارة؛ حيث أنّ الحجارة من جنسها ما يتفجّر منه الأنهار.

المعنيان في وصف الحجارة بين الرحمة واللوم والعتاب

يعني انظر، فيها لها معنيان: معنى يفتح الرحمة، ومعنى آخر يقول: فإذا استمررتَ أيها القلب الحجر وليس هناك مياه تخرج منك، فالحجر أحسن منك! هذا الحجر يتفجّر منه الأنهار.

هذا الحجر وأنّ منها عندما ينشقّ فيخرج منه الماء. هذا يا أخي الحجر ينشقّ ويخرج منه الماء وأنت غير راضٍ!

فإذا كان هذا ففيه لوم وعتاب على من بقي حجرًا بلا ماء، وفيه رحمة لأنه فتح الباب حتى لمن كان قلبه حجرًا إلى أن: يا عبدي، ادعُ ربّك وارجع إليه، فيتفجّر منه الماء ويخرج منه الأنهار وينابيع الخير.

أوصاف الحجارة الثلاثة وتشبيهها بأحوال القلوب البشرية

وإنّ منها إذا ما لم يخرج منها الماء لَما ينزل من خشية الله. تجد الحجر في قمة الجبل وحدث زلزال أو حدث شيء ما، فنزل الحجر وهو خاشع. وفي بعض الأحجار تراها تتفتّت، كانت صلبة وتفتّتت.

فهذه أوصاف ثلاثة: أنه حجر يخرج منه النهر، وأن يخرج متشقّقًا فيخرج منه الماء، وإنّ حجرًا يتفتّت ويهبط من خشية الله.

﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74]

هذه الثلاثة، القلب مثلها بالضبط. القلب الحجر كهذه الثلاثة تمامًا.

تفاوت القلوب في النفع بين الكثير والقليل والذاتي

فبعضها يأتي منه الخير الكثير كالنهر، وبعضها يحدث له التصدّع من خشية الله سبحانه وتعالى فيخرج منه الماء القليل المفيد؛ على الأقل يفيد أسرته، تفيد قبيلته، تفيد وهكذا. فالنهر يفيد ناسًا كثيرين، والمياه تفيد ناسًا قليلين.

طيب، والذي تفتّت؟ هذا أفاد نفسه فقط، أفاد نفسه فقط.

فيبقى الحجر هذا هو، قد وعند هداية الله بعد عودة إلى الله قد يحوّله الله إلى نفع كثير، أو إلى نفع قليل، أو إلى نفع ذاتي يختصّ به.

ختام الآية بالتحذير من غفلة الله ومعنى مشيئة الهداية

ويختتم الله الآية فيقول:

﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74]

يعني كل هذا من عملكم؛ إن عملتم خيرًا فخير، وإن عملتم شرًّا فشرّ. وإنّ الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء.

اختلفوا: يقول لك "من يشاء" يعني من يشاء الهداية، يعني أنت لديك رغبة في أن تهتدي فربنا يوفّقك؟ أم "من يشاء" هو سبحانه وتعالى [أي بمشيئته المطلقة]؟ قال: لا، من يشاء الهداية؛ لأنه "من يشاء" هو سبحانه وتعالى هذه وردت في آيات أخرى مُسلَّمة.

لكن هنا يعني من يشاء هو الهداية، يعني ابدأ يا أخي، ابدأ بفعل الخير فتكون في نظر الله وفي محلّ نظر الله عزّ وجل، فربنا يهديك أكثر وأكثر ويوفّقك أكثر وأكثر.

الحديث القدسي في التقرب إلى الله بالنوافل وفضل المبادرة

وفي الحديث القدسي:

قال الله تعالى: «وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره، ولئن أتاني ماشيًا أتيته مهرولًا» رواه البخاري

يعني يا أخي ابدأ وامدد يديك والله كريم. عندما ستبدأ قُم، فالله سبحانه وتعالى حتى ولو كان قلبك قد وصل إلى مرتبة الحجر أو ما هو أقسى من الحجر، فإنه يمكن أن تتفجّر منه الأنهار، أو على الأقل يتشقّق فيخرج منه الماء، أو على الأقل تخشع فتهبط من خشية الله.

وجوب المسارعة إلى مغفرة الله والفرار إليه سبحانه وتعالى

يبقى إذن يجب علينا أن ندرك هذا المعنى، وهو أنه يجب على العبد أن يسارع إلى مغفرة من ربنا سبحانه وتعالى.

﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]

سارِع!

﴿فَفِرُّوٓا إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]

جميعًا، يجب أن تفرّوا إلى الله. هذا الفرار فيه ماذا؟ سرعة!

خلاصة تشبيه القلوب بالحجارة بين الرحمة واللوم والتهديد

فالله سبحانه وتعالى وصف قلوبهم وشبّهها، وقسّم المشبّه به [وهو الحجارة]، وأحالنا إلى معنيين: معنى فيه خير ورحمة، ومعنى فيه لوم وعتاب وتهديد خفيّ.

ثم ربط كل ذلك فقال:

﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74]

الانتقال إلى خطاب المؤمنين ومعنى الطمع في إيمان الآخرين

ثم انتقل [الله سبحانه وتعالى] يخاطب من حولهم [أي المؤمنين]، بعد أن خاطبهم [بني إسرائيل] كثيرًا، وسبحانه وتعالى له الحجة البالغة، فخاطبنا نحن وقال:

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: 75]

الطمع في وجه الله محمود؛ ما أطمعَ في وجه الله! فالمؤمن لمّا يطمع في وجه الله يكون ذلك رجاءً في الله ويكون ممدوحًا. إنما الطمع في الخلق يكون مذمومًا.

أفتطمعون؟ طيب، هنا طمعوا في مَن؟ طمعوا في الناس أم طمعوا في الله؟ لننظر إلى ما بعدها:

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: 75]

يعني إذا تعلّقت قلوبهم أنّ الرجل هذا حسن هكذا أو قويّ أو نافع، فيريدونه أن يأتي معهم، فيذهبون يكلّمونه بالسياسة باللطف، ويرون الحول والحَوْة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وطمعٌ في إيمانه وكأنه لم يدعُ اللهَ له أن يهديه؛ لأنّ الهداية تكون بيد الله.

التبرؤ من الحول والقوة والتوكل على الله مع الأخذ بالأسباب

أفتطمعون أن يؤمنوا لكم؟ اذهبوا انظروا هل ستعرفون أن تهدوهم أم لا، أليس كذلك؟ نحن ما نحن إلا مبلّغون عن الله فقط.

اعلم أنه حرّر نفسك من الحول والقوة. وهذه إحدى الصفات الأساسية التي يدعو إليها الكتاب: أن نتبرّأ من حولنا وقوتنا. وتبرّؤنا من حولنا وقوتنا هو عين الامتثال لربّ العالمين في الأخذ بالأسباب.

ما هو أن يقول لك أحد: "أنا سأتبرّأ من حولي وقوتي" فيكون "أنا لن أعمل شيئًا"؟ خطأ! هذا لا تبرّؤ ولا خلاف ذلك، هذا كسل.

ولكن "لا حول ولا قوة إلا بالله" معناها التمسّك بكل الأسباب على ما خلقها الله، والتوكّل على الله بالقلب أنه يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء في هذا الكون.

خاتمة الدرس والتذكير بالتبرؤ من الحول والقوة

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: 75]

يعني برّئوا أنفسكم من الحول ومن القوة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم.