سورة البقرة | حـ 71 | آية 37 : 39 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الله تعالى وصف الأرض بأنها مستقر ومتاع إلى حين، ولم يقل سكن، فالدنيا دنيئة مؤقتة وليست محلاً للسكن الدائم.
- •الإنسان في الدنيا يتهيأ للمشاق والجهاد والتعب، ويتخذ فيها سكناً مؤقتاً بالعمل والزواج وبناء الأسر والجماعات.
- •الدنيا ليست وطناً للإنسان لقصر مدتها، فمائة سنة من عمر الإنسان كثلاث دقائق عند الله تعالى.
- •تحصيل متاع الدنيا لا يكون بارتكاب الحرام، فهي زائلة ومؤقتة، لكن العمل الصالح يتحول إلى رصيد للآخرة.
- •الله تعالى سريع في قبول التوبة، فقد تاب على آدم بسرعة بعد معصيته.
- •معنى "فتلقى آدم من ربه كلمات" في قراءة أخرى "فتلقى آدم" يدل على اشتياق آدم للتوبة وإخلاص نيته.
- •الله تعالى وصف نفسه بـ"التواب" لكثرة قبوله التوبة عن عباده، وقد يبدل سيئات التائبين حسنات.
الأرض مستقر وليست سكنًا والدنيا دار مشقة وجهاد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [البقرة: 36]
قال تعالى "مستقر" ولم يقل "سكن"؛ فالأرض ليس فيها سكن، والدنيا سُمِّيت بكلمة "دنيا" لأنها دنيئة. فالإنسان يتهيأ فيها للمشاق والكُلفة والجهاد؛ جهاد النفس وجهاد الشر، وللتعب والنَّصَب.
الدنيا ليست محلًا للسكن وإنما نتخذ فيها سكنًا بالعمل والاجتماع
الدنيا ليست محلًا للسكن، وإنما لنا أن نتخذ فيها سكنًا نعمل فيها؛ عمل قوم نتزوج ونسكن إلى الزوج ونبني الأسرة، وقوم نجتمع ونسكن إلى الاجتماع ونعمل جماعات مختلفة:
- •جماعة في المسجد،
- •وجماعة في المدرسة،
- •وجماعة في العمل،
- •وجماعة في الدولة.
وهكذا جماعات ونسكن إلى هذا، إنما بمقاومة وبمجهود وبعمل وببذل وقت وتعب وكدّ، وليس بالراحة.
عباد الله الفطناء اتخذوا الدنيا لجة وصالح الأعمال سفنًا
إن لله عبادًا فُطنًا، طلّقوا الدنيا وخافوا الفتن، نظروا فلمّا رأوها أنها لم تكن قطّ لحيٍّ وطنًا، جعلوها لُجّةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سُفنًا.
يعني أن الدنيا ليست وطنًا لأنها ليست باقية. كم ستعيش؟ مائة سنة. إذن يجب أن يكون في العمل الصالح عمارة الأرض وتقوية الناس والسعي فيها.
مائة سنة من عمر الإنسان تساوي ثلاث دقائق عند الله تعالى
حسنًا، ولكن هذه مائة سنة لا فائدة منها؛ ثلاث دقائق عند ربنا!
﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]
﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: 4]
كل ثلاث وثلاثين سنة بدقيقة عند ربنا، يعني مائة سنة تصبح قد مرّت ثلاث دقائق.
﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَىٰهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 6-7]
حقيقة الدنيا مستقر مؤقت يتحول إلى سكن بالعمل الصالح
إذا كانت حقيقة الدنيا كذلك، فماذا نفعل فيها؟ اتخذها مستقرًا وحوِّلها أنت بأعمالك الصالحة إلى سكن.
ولكن اعلم الحقيقتين:
- الحقيقة الأولى: إنها ليست بسكنٍ في ذاتها.
- الحقيقة الثانية: إنها مؤقتة، ومتاع إلى حين وليست دائمة.
ومن هنا فإن تحصيل ذلك المتاع لا يكون بارتكاب الحرام لأنه إلى حين. يعني لو أنك ارتكبت الحرام وتوصلت به إلى المتاع الذي تريده، وأن تنقل نفسك من دائرة إلى دائرة بواسطة الحرام، لا يستحق! اعمل لآخرتك يا أخي.
آية مستقر ومتاع إلى حين تمنع الإنسان من ارتكاب الحرام
إذا "ومتاع إلى حين"، هذه كلمة:
﴿وَلَكُمْ فِى ٱلْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [البقرة: 36]
أتركها أمامي دائمًا. فماذا تفعل في الإنسان؟ تمنعه من الحرام والشر. كلما أراد أن يفعل شيئًا حرامًا يقول لنفسه: إن هذا لله، وهذا له، وهذا مسكن، وهذا عبارة عن مستقر، وكذلك ليس دائمًا بل إلى حين. فلماذا أفعل هكذا وأجلب الحرام هذا من أجل أستمتع به هذه الدقائق الثلاث؟ ما هذا؟ بلا حرام!
العمل الصالح يحول المستقر إلى سكن ويُدّخر ليوم القيامة
فإذا عملت العمل الصالح وعملت بالحلال، تحوّل المستقر إلى سكن، وتحوّل العمل الصالح إلى مُدَّخَرٍ لك يوم القيامة.
فلم يكن مقتصرًا إلى حين، لا، ليس لحينٍ فقط هكذا، لا! بل أنت تعمل لما بعد هذا الحين.
ما رأيك؟ هذه الكلمة هي [ما أعطانا] ربنا لمّا أنزلنا، أعطاها لنا بداية للطريق: الأرض مستقر والمتاع إلى حين.
توبة الله على آدم جاءت فورًا بالفاء دلالة على كرم الله
﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37]
فالفاء ذُكرت هنا [للدلالة على أن الله] تاب عليه فورًا. يبقى في العقاب حتى ولو كان من معصية التشريف [معصية آدم عليه السلام]، كان يعني بالتأنّي هكذا، وفي الثواب على الفور.
وفورًا يبقى هذا كريم أم لا؟ كريم! هناك يقول ماذا؟ يقول:
﴿وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا﴾ [البقرة: 36]
لم يقل "فقلنا"، قال "وقلنا"؛ لأن الهبوط فيه عقاب. وهنا يقول ماذا؟ "فتاب عليه" بسرعة! هو تاب من هنا والله قَبِلَه من هنا.
سعة رحمة الله في قبول التوبة حتى لو بلغت الذنوب قراب الأرض
«يا ابن آدم، إذا جئتني بقُراب الأرض ذنوبًا ثم جئتني تائبًا لغفرت لك»
يا سبحان الله! والسؤال: يا ابن آدم، أتقدر أن تأتي لربنا بقُراب الأرض ذنوبًا؟ تكره أن تعملها، فكيف ستعملها؟ كيف ستأتي ربنا بقُراب الأرض ذنوبًا؟
يعني الكرة الأرضية فيها تراب، كم عدد حبّات التراب؟ سيخرج رقم. ائتني بمعاصٍ بهذا الرقم! فهذا الرقم سيخرج قدر عمرك بالسنين، سنوات عمرك ملايين المرات.
استحالة الإتيان بذنوب بقدر تراب الأرض دليل على سعة المغفرة
فادعُ حتى تحصل عليه! يجب أن تقدّم ملايين المعاصي في كل ثانية، فكيف ستفعلها؟ فلو كنت رجلًا افعلها! أتتصور أنك لا تستطيع أن تعصي ربك هكذا لأنه ليس لديك وقت؟
فإذا برحمة الله وسعت هذا المتخيَّل، لو يقول لك حرف امتناع الامتناع، يعني ممتنع أن تفعل هكذا: لو جئتني بقُراب الأرض ذنوبًا وهذا غير ممكن، ثم جئتني تائبًا لغفرت لك.
اتساق الحديث القدسي مع القرآن دليل على أنه ليس من عند محمد
الكلام الذي يصدر من سيدنا رسول الله ﷺ ينسبه إلى الله في الحديث القدسي، متّسق في هذه الفاء [فاء التعقيب في قوله تعالى "فتاب عليه"]. فلو كان القرآن هذا من عند محمد ﷺ لأخطأ وقال "وتاب عليّ"، ولكن هكذا هو، ليس فيه أي خطأ ولا شيء.
كلما نأخذ كلمة وننزل بها في عمقها، فاذكروا حديثًا أو آية أو ما إلى ذلك. الآية هذه تُساق، هذه شبكة ننظر من خلالها إلى الحياة، وتجعل وتنظّم العلاقة بيني وبين الله، وبيني وبين نفسي، وبيني وبين الخلق.
فاء التعقيب في فتاب عليه دعوة إلى التوبة ووصف الله بالتواب
"فتاب عليه"، إن الفاء هذه هي قول القرآن الذي يدعونا إلى التوبة، والذي يصف الله بأنه تواب وأنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن كثير.
﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ﴾ [البقرة: 37]
وفي قراءة [أخرى]: "فتلقّى آدمَ من ربه كلماتٌ"، يعني الكلمات هي التي تلقّت آدم. وقيل لك أن كل ما هو يتلقّاك فأنت تتلقّاه. يبقى آدم يتلقّى الكلمات كما أن الكلمات تلقّت آدم.
القراءتان تدلان على اشتياق آدم للكلمات واشتياق الكلمات لآدم
والقراءتان معًا تُعطيان أن آدم كان مشتاقًا للكلمات كما أن الكلمات كانت مشتاقة لآدم، مثل اثنين يجريان نحو بعضهما البعض ليحتضنا بعضهما البعض.
وهذا ما معناه؟ معناه أن نية آدم كانت مخلصة؛ لأنه يريد هذه الكلمات. وهو تلقّى آدمُ من ربه كلماتٍ، يعني الكلمات تجري إليه. وتلقّى آدمَ من ربه كلماتٌ، يعني هو يجري وراء هذه الكلمات. يعني أنه مشتاق، والمشتاق هذا معناه أنه يُخلص النية لله.
الله التواب يبدل السيئات حسنات فوق قبول التوبة
أنه هو التواب، كثير قبول التوبة عن عباده، الرحيم ويكرمهم أيضًا فوق التوبة. ليس يتوب بأن يمحو لك الذنوب فقط، لا!
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الفرقان: 70]
هذا يعني [أن المال الذي] دفعتَه، الذي دفعتَه هذا في معصية، كيف تتبدّل؟ قال: أنت تعرف الرجل الذي أخذها منك، أنت وقيتَه من شرّ فلان. طيب، وهذه ليست في يده، هذه من عند الله. فتحوّلت عطيّتك التي كانت في البداية إثمًا، بعد توبتك حسنة لك؛ لأنك قد أعنتَه من غير أن تدري، ومن غير نية منك ابتداءً.
تحول الخطيئة إلى حسنة بعد التوبة من فضل الله على عباده
لأنك لمّا دفعتها إلى الخطيئة، ثم إذا بها تتحوّل إلى حسنة. تأمّل هذا!
﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ [الجمعة: 4]
وكونه يدبّره كما يشاء.
معنى اسم الله التواب وضرورة فهم لغة العرب لفهم القرآن
بعض السُّذَّج يقول لك: "تواب"، أنتم تقولون عن ربنا تواب، أي أنه يتوب كثيرًا، فماذا نفعل لهم؟ وماذا علينا إذا لم تفهم البقر [أي الجاهلون]؟
ما هي طريقة تغيظ؟ ما هو الآن، أي يقبل التوبة عن عباده، وهذا القبول متكرر. فيأتي [من] يفهم خطأ.
ولذلك يجب علينا التمكّن من لغة العرب.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والحمد لله رب العالمين.
