سورة البقرة | حـ 55 | آية 23 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 55 | آية 23 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • تحدى الله البشر في القرآن الكريم بقوله: "فأتوا بسورة من مثله" وقد رصد الرافعي سبع محاولات فاشلة لمحاكاة القرآن.
  • ابن المقفع ألف "الدرة اليتيمة" لمحاكاة القرآن لكنه فشل، وقد طبعت هذه المحاولة ليرى الناس الفرق بينها وبين القرآن.
  • المسلمون يتمسكون بدينهم لأنهم وجدوا حلاوة القرآن في قلوبهم وأرواحهم.
  • بيرم التونسي حاول محاكاة القرآن بمقطوعة ساخرة أسماها "سورة الوفد"، لكنه تاب توبة نصوحة وطلب ألا تروى عنه.
  • أنيس سورس في أمريكا ألف كتاباً بـ77 سورة بعد مناظرة مع أحمد ديدات، فظهرت ركاكتها، ولم يستطع الخروج من إطار تعبيرات القرآن.
  • القرآن يتميز بترابط كلماته وآياته وسياقاته، ويدعو إلى السلام والقوة والحق والعدل.
  • المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والقرآن يدعو للحوار بقوله: "تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم".
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة والوقوف مع آية التحدي في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى في قوله تعالى:

﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَٱدْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ﴾ [البقرة: 23]

في سورة البقرة نعيش هذه الدقائق.

محاولة ابن المقفع في كتابه الدرة اليتيمة لمحاكاة القرآن الكريم

ذكرنا بعض المحاولات التي عدّها الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتابه إعجاز القرآن؛ ذكر سبع محاولات، منها محاولة ابن المقفع في كتاب له يُسمّى بـالدرة اليتيمة.

الدرة [أي اللؤلؤة الماسة] اليتيمة التي لا مثيل لها ولا شبيه لها. الدرة اليتيمة حاول فيها أن يحاكي القرآن فلم يستطع.

ثقة الأمة الإسلامية بدينها وطباعتها لكتب الطاعنين عليها

والحمد لله، من فضل الله علينا أن الدرة اليتيمة موجودة ومطبوعة عدة مرات. هل رأيتموه أمةً تفعل هكذا؟ تأتي بالناس الذين يطعنون عليها وتطبع لهم كتبها!

نعم، الأمة القوية، الأمة الشفافة، الأمة المخلصة، الأمة الواثقة من دينها وربها، الأمة التي قد اختلط القرآن بقلبها فحار الناس فيهم: لماذا هؤلاء يتمسكون بدينهم؟ لأنهم وجدوا حلاوة طريّة غضّة قد دخلت القلب فداعبت الروح والوجدان.

نور الإسلام في قلب المسلم وعلاقته بربه القائمة على الرحمة

ونوّر المسلم إلى العالم من حوله فوجده جميلًا؛ لأنه من صنع ربنا سبحانه وتعالى، وعامل ربه ببسم الله الرحمن الرحيم. فالله الرحمن الرحيم، والعلاقة بين العبد وبين ربه قائمة على العفو والصفح والرحمة والمغفرة.

مسلمٌ أسلم أمره لله فاطمأن قلبه في توكله عليه [سبحانه وتعالى].

مقارنة الدرة اليتيمة بالقرآن الكريم وعجزها عن مجاراته

ابن المقفع لمّا ألّف الدرة اليتيمة أحضرها وقرأها. واقرأ أيّ سورة، افتح القرآن في أيّ موضع، اقرأ لك صفحة واقرأ من الدرة اليتيمة صفحتين أو ثلاث.

فلا يوجد ما يناسب، لا تستطيع أن تقارب، لا تستطيع أن تؤلف كتابًا تردّ فيه على الدرة اليتيمة؛ فليس هناك شيء [يستحق الرد]. ولكن هناك شيء واحد وهو أن تقول: سبحان الله لا إله [إلا الله].

وهناك أمر آخر وهو أن يطمئن قلبك لذكر الله.

بيرم التونسي ومحاولته محاكاة القرآن في سورة الوفد

وبعد ذلك جاءت المحاولات، ولم يَعُدّ [الرافعي] منها ما صدر عن بعض أدباء العصر كـبيرم التونسي. وبيرم التونسي جاء وكان متمردًا في نفسه في بداية حياته، فكان ضد الحكومة فنُفي إلى فرنسا، وضاقت به الأحوال.

وكان متمكنًا جدًّا من اللغة العربية والعامية، حتى قال أحمد شوقي أمير الشعراء: «أخاف على العربية من بيرم؛ لأن كلامه حلو بالعامية، فأخاف أن يصرف الناس عن حلاوة العربية».

أراد [بيرم] أن يتكلم في شأن حزب الوفد، فذهب وألّف مقطوعة يحاكي بها القرآن. يعني هذا أصبح [محاكاةً للقرآن وإن لم يكن] بيرم لم يكن قصده أن يتكلم بهذا [القصد]. فماذا يقول؟ سورة الوفد: سين عين دال، سعد. يعني أنت منتبه [لهذا التقليد لفواتح السور].

توبة بيرم التونسي وندمه على محاكاة القرآن الكريم

فكان مشايخنا ينهون حتى عن ذكر هذه الأشياء. بيرم تاب إلى الله وكان يبكي وهو هناك [في منفاه]، يجلس في مقهى زين العابدين ويقول: «لا أُحلّل لمن يروي عني هذا الذي ذكرت».

بالرغم من ذلك أخطأ جامع مجموعته الكاملة فطبعوا هذه الأشياء، طبعوها في المجموعة الكاملة. قدّر الله [ذلك]، والحمد لله هو الرجل لا يريدنا أن نرويها عنه؛ لأنه تاب وأناب وقال: «أنا مخطئ، هذا استهزاء وسخرية لا لزوم لها، لا فيها بلاغة ولا فيها أيّ شيء إلا الضحك والسخرية».

توبة بيرم التونسي النصوح وتأليفه قصيدة ناداني لبيته

تاب بيرم رحمه الله تعالى توبة نصوحًا، وألّف روائعه، وألّف رائعته «ناداني لبيته حتى باب بيته» التي غنّتها أم كلثوم.

وهو يتحدث عن كيفية توبته وكيفية نداء الله له مرارًا في فطرته من الداخل، وهو يأبى ويعصي، ثم بعد ذلك هداه الله. وكان كثير الذكر في آخر حياته، ملتزمًا بالصلاة، وتاب إلى الله معلنًا توبته في هذه الروائع التي ما زالت إلى يومنا هذا.

«ناداني لبيته لحدّ باب بيته»، انظر إلى الجمال والحلاوة! كيف فالله سبحانه وتعالى يتقبل منه صالح عمله ويعفو عن كثير.

محاولة أنيس شوروش لتقليد القرآن وفشله في الخروج عن إطاره

من المحاولات حتى ظهر لنا في الآخر رجل كان في فلسطين، غادرها سنة أربعة وسبعين من الاحتلال الإسرائيلي إلى أمريكا، اسمه سورس أو شورش أنيس سورس. ألّف كتابًا بعد مناظرة مع أحد الدعاة المسلمين أحمد ديدات.

فقال له [ديدات] أي:

﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]

«أنا أستطيع أن آتي بمثل ذلك». قال له [ديدات]: «هيّا حاول ذلك». فحاول وأخرج سبعًا وسبعين سورة، كل سورة صفحة وصفحة ونصف.

تقرؤها تجد الركاكة بعينها؛ أي أن الله وفّقه أن يجمع الكلمات الركيكة ويضع [بعضها إلى بعض]. الله سبحان الله!

عجز المحاولات عن الخروج من إطار القرآن وسيطرته على العقول

طيب، ماذا يفعل يا أخي؟ يحاول المسكين أن يقلّد القرآن، فيقول مثلًا: «هذا كتاب فرقان لو كنتم تعلمون». هكذا، الله! أي أنه لم يخرج من إطار القرآن؛ أي أن القرآن سيطر على عقله فلم يستطع أن يصنع مثله.

أنت أتيت به [بأسلوب القرآن] لكي يختتم الآية: «لعلكم تتقون»، «إن كنتم تعلمون». أنك منتبه [لهذا التقليد]! فيبقى إذن طالما أن القرآن غالب لا مغلوب، فهذا [يعني] أنك لم تستطع أن تخرج منه، وإذا خرجت فيكون الكلام فاسدًا، يُسمّى الكلام الفاسد.

دعوة المسلم لكشف إعجاز القرآن وبيان ترابط آياته وكلماته

والناس يقولون لك: يا الله، هذا حرام! وهذا كذلك حرام، ما هذا؟ رجل غير مسلم فما له دعوة بالحرام ولا بالحلال. لكن أنت يا مسلم هاتِه واكشف عنه للعالمين.

قل: هذا كتابنا، هذا انظر كيف أن لكل كلمة فيه معنى. انظر كيف أن لكل كلمة فيه علاقة بما قبلها وما بعدها بالسياق والسباق واللحاق. انظر كيف أن كل آية متصلة بما بعدها وتكون مكوّنات [متكاملة].

انظر كيف أن القرآن من أوله إلى آخره يدعو إلى السلام. انظر كيف يدعو إلى القوة وإلى الحق وإلى العدل، ولا يدعو إلى سلام مُخنّث أو إلى عدل خجل، بل يدعو المؤمن أن يكون قويًّا.

دعوة القرآن إلى القوة والحوار والختام بالسلام

قال النبي ﷺ: «إن المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ عند الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير»

لا تخافوا؛ لأن الخوف سمة [بشرية]، ولكن هيّا بنا:

﴿قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 61]

وكلنا هكذا معًا.

﴿قُلْ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 64]

قل تعالوا وليس قل امضوا! لا، تعال أنت [إلى الحوار]، لم تفعل هكذا [من قبل]؟ حسنًا، افتح إذن الصفحة وافتح الحكاية.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.