سورة البقرة | حـ 56 | آية 24 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 56 | آية 24 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • يتحدى القرآن الكريم البشرية في الإتيان بسورة من مثله في نظمه وهدايته، فمن لم يستطع فعليه اتقاء النار المعدة للكافرين.
  • وجوب الإيمان بالله الواحد الأحد والرسل وخاتمهم محمد، والإيمان بيوم الدين الذي فيه حساب وثواب أو عقاب.
  • يؤثر هذا الاعتقاد في سلوك المؤمن بين الإقدام والإحجام، فيتجنب ما يغضب الله خشية عذابه.
  • الله سبحانه خالقنا ومُمدّنا بالوجود، لا نضره شيئاً، لكنه يحبنا ويرحمنا ويعفو عنا.
  • رغم محاولات البعض معارضة القرآن بنصوص مشابهة، إلا أنها باءت بالفشل.
  • الفرق بين كلام الله وكلام البشر كالفرق بين الخالق والمخلوق.
  • يقرن القرآن دائماً بين الإيمان والعمل الصالح، فالعمل الصالح دليل صدق الإيمان واستقراره.
  • يُستدل بالظاهر على الباطن، فمن يعمر المساجد ويلازم الجماعة فهو على خير.
  • من يدعي حسن الظن بالله ولا يحسن العمل فقد غره الشيطان.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الحلقة وتحدي القرآن الكريم بالإتيان بسورة من مثله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة البقرة مع قوله تعالى وهو يتحدى العالمين:

﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: 24]

أي في الإتيان بسورة من مثله، يعني من مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو من مثل القرآن الكريم في نظمه وجرسه وهدايته ودعوته إلى الحق.

﴿فَٱتَّقُوا ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 24]

وجوب الإيمان بالله الواحد وبالرسل وباليوم الآخر

وهكذا يجب على الإنسان أن يؤمن بالإله ربنا الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. ويجب عليه أن يؤمن بالرسل، وأن خاتمهم هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم، جاء بالكلمة الأخيرة فيما أذن الله للناس أن يخاطبهم.

وأنه لا بد من الإيمان بيوم آخر؛ لأنه سبحانه مالك يوم الدين. وفي هذا اليوم هناك عذاب وعقاب وهناك ثواب، وكل ذلك يتم بعد الحساب. فالحساب نهايته ثواب أو عقاب.

أثر الإيمان بالثواب والعقاب في سلوك المؤمن بين الإحجام والإقدام

وبناءً على الثواب والعقاب يتحكم هذا الاعتقاد في سلوك المؤمن في الحياة الدنيا بين الإحجام والإقدام؛ فإنه لما يرى أن هذا الفعل يغضب الله سبحانه وتعالى يُحجم عنه خشيةً من ناره وعذابه.

وبذلك يخوّف الله به عباده:

﴿يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 16]

وليس الأمر أن الله ينتقم منا؛ فإنه هو الذي خلقنا وهو الذي أبقانا، ونحن الآن بوجودنا هذا إنما [نحيا] بخلق الله.

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]

بإمداد الله لنا في الخلق، فلو سحب منا هذا الإمداد لفنينا وانتهينا.

رحمة الله بعباده وتحذيره لهم من المعصية والفساد

فنحن لا نستطيع أن نضر الله شيئًا، ونحن أهون عند الله من أي شيء، ولكنه يحبنا ويرحمنا ويعفو عنا ويغفر لنا ويعفو عن كثير.

ولذلك فإنه أمرنا وحذرنا بأن لا تفعلوا ذلك [المعاصي والكفر] حتى نُحجم عن المعصية وعن الفساد في الأرض.

﴿فَٱتَّقُوا ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: 24]

الفرق بين الوَقود بالفتح والوُقود بالضم في اللغة العربية

أما الوَقود [بفتح الواو] فهو الآلة التي يتم بها الإيقاد، وعملية إيقاد النار نفسها العرب يسمونها بالضم وُقود.

يبقى الوَقود بالفتح — وَا فيها فتح — أي يبقى معناها الحطب، معناها الخشب، معناها الآلة والأداة التي سوف تشتعل فاشتعلت. يبقى تمّ وَقودها.

أما الوُقود بالضمة فهي عملية الإيقاد نفسها، عملية الاشتعال. والوَقود هذا [بالفتح] هو الآلة والأداة التي بها الاشتعال، أو التي هي محل الاشتعال.

قاعدة لغوية في التفريق بين الفتح والضم مع أمثلة السَحور والسُحور

مثل ذلك أيضًا السَّحور والسُّحور: السَّحور بالفتح يعني الطعام الذي تتناوله — قليل من الزبادي، قليل من الفول، العيش — هو هذا السَّحور الذي تُحضره تتسحر به.

لكن السُّحور [بالضم] هذه عملية التسحّر نفسها، التي هي أنك تقوم بالليل وتذهب وتجلب طعامًا وتأكل لأجل غدًا صيام، فتقولها بالضم.

إذن نحفظ إذن أن الفتح التي هي موجودة معنا هنا [تدل على] الأداة، والضم إذن [يدل على] العملية نفسها. واحفظ: الوَقود والوُقود، والسَّحور والسُّحور.

معنى التحدي القرآني وعجز البشر عن الإتيان بمثل القرآن أو مثل الرسول

وهكذا يقول [الله تعالى]:

﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: 24]

يعني لن تستطيعوا أن تأتوا بواحد مثل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن خالقه هو الذي أرسله، ولن تستطيعوا أن تأتوا بكلام مثل هذا الكلام [القرآن الكريم].

فإن لم تفعلوا فماذا ستفعلون؟ بالإتيان إذن والمحاولات، لا، تحاول، حاول، إذا نجحت [فهذا شأنك]، لكنك لن تأتي [بمثله]. فإن لم تفعلوا في الماضي، ولن تفعلوا في المستقبل.

دلالة لن على التأبيد عند الزمخشري ومحاولات معارضة القرآن الفاشلة

لن تفعلوا هذه تفيد التأبيد ولا تفيد فقط النفي المتصل بالمستقبل، يعني لن تفعلوا أبدًا. الشيخ الزمخشري يقول هكذا، يقول أن "لن" تفيد التأبيد، يعني أبدًا، وأبدًا هذه تعني لن يحدث.

طيب والفلسفة؟ وشخص واحد هكذا يؤلَّف له "اليتيمة"، يؤلَّف له "الفصول والغايات"، يؤلَّف له "فرقان الحق" وهو فرقان الباطل، يؤلَّف له الهذيان. ينفع؟ أجل ينفع، ما هو لازم ما هو كذلك [أي لا بد من المحاولة ليظهر الفرق].

وقلنا من قبل أن مصطفى صادق الرافعي رحمه الله رصد سبع محاولات، لكنه لم يرصد محاولتين أو ثلاثًا أخرى بعد ذلك.

أمثلة على محاولات معارضة القرآن كبيرم التونسي وشورش وفرقان الحق

وضربنا مثالًا ببيرم التونسي رحمه الله وقد تاب، ومثالًا بسورس أو شورش — بالسين أو الشين؛ لأنه يعني يكتبها مرة هكذا ومرة هكذا — الذي هو عمل شيئًا اسمه "فرقان الحق".

ما هو فرقان الحق هذا؟ اقرأه، هاتوه ونقرأه معًا ونرى ما الفرق. إيه [ما هو] فرق الهذيان من الكلام السليم؟

طيب يبقى ولن تفعلوا. طب ولماذا مكّن ربنا [هؤلاء أن يحاولوا]؟ لماذا مكّن هذا أو هذا أم هذا أن يحاولوا؟ حتى يظهر بهاء كلام الله.

الرد على من يدعي القدرة على معارضة القرآن وأهمية التجربة العملية

طيب أنا أعرف واحدًا يقول لك: والله أنا أقدر ولكن لن أفعل. لا، حاول يا أخي، فحاول وعمل وجئنا [بما عنده].

ينفع هذا الكلام أمام الناس جميعًا؟ أهكذا ينفع يا إخواننا؟ قوم [أي قم واعلم أن] كلام الله يبقى أقوى؛ لأن هناك فعلًا تجربة وفعلًا تحدٍّ وفعلًا فشل في التحدي، فالحمد لله رب العالمين.

بعض المسلمين يحزن ويقول: ما هذا؟ ما شأني بهذا؟ هذا القرآن جبل، هو ملكنا، هو ملك ربنا، هو الذي يحفظه وهو الذي يدافع عنه.

المقارنة بين كلام الله وكلام البشر تكشف الفرق كالفرق بين الخالق والمخلوق

فما الذي يحدث؟ تعال واقرأ هكذا بالسياسة [أي بالمقارنة]، اقرأ هنا [في محاولات المعارضة] واقرأ هنا [في القرآن]، تضحك أو تملّ أو ترى الركاكة أو الكآبة [في كلام البشر].

وهنا ينفتح لك الكتاب [القرآن الكريم]، يبدأ ينفتح لك، وكلما انفتح كلما يهديك. قُم تعرف أن الفرق بين كلام الله وكلام البشر كالفرق بين ذاته سبحانه وتعالى وبين مخلوقه، وهناك فارق بين المخلوق والخالق، والرب ربٌّ والعبد عبدٌ.

اقتران الإيمان بالعمل الصالح في القرآن ودلالته على صدق الإيمان

يقول سبحانه وتعالى:

﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [البقرة: 25]

وهذا دائمًا في القرآن تجده قد قرن بين الإيمان وبين العمل الصالح، ولم يذكر الإيمان وحده؛ لأن العمل الصالح يدل على أن الإيمان صادق وأنه مستقر وأنه مؤثر.

أما الإيمان المُدّعى فشخص يدّعي الإيمان، وأن قومًا يزعمون ويزعم فقط هكذا الإيمان، لو أحسنوا لأحسنوا العمل، ولو صدق إيمانهم لكانوا أحسنوا العمل. فلما لم يحسنوا العمل دلّ ذلك على أن شيئًا ما في القلب غير سليم.

تشبيه القلب بالساعة والاستدلال بالعمل الظاهر على صحة الباطن

وضربوا لذلك مثلًا بالساعة: فعندما تجد الساعة تتقدم أو تتأخر يكون في قلبها شيء [أي خلل]، وعندما تجدها منضبطة وتعمل بشكل صحيح يكون قلبها سليمًا، وعندما تجد الساعة قد توقفت يكون قلبها معطلًا.

فيُستدل بالظاهر عن الباطن؛ ما أنا لست أراك من الداخل.

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ﴾ [التوبة: 18]

إذا رأيتم الرجل يرتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان. حسنًا، يعني أليس من الممكن أن يكون منافقًا؟ هو ممكن أن يكون منافقًا، انتبه.

ملازمة الجماعة والعبادة دليل على صدق الإيمان وبُعد النفاق

لكن يعني يصلي دائمًا ومحافظ على الجماعة دائمًا وطوال حياته هكذا، والذي يقول لك: أنا لم أغادر خلف الإمام أربعين سنة، وبعد ذلك يكون منافقًا؟ يعني لا، بعيدة جدًا. هو احتمال عقلي نعم، ولكن كاستدلال بالعمل الصالح هو بشرى.

nعم هذه بشرى أن وفّقه الله سبحانه وتعالى لهذا العمل، لو حرمه لكان جعله يكره الجماعة والذين فيها ويكره الصلاة. ولكن الله سبحانه وتعالى أذن أن يستمر هذا الإنسان على هذه العادة الكريمة من ملازمة العبادات، من ملازمة الجماعة، ونراه أنه بهذه الملازمة دخل في دائرة الإيمان الظاهر.

التحذير من الاغترار بحسن الظن دون العمل الصالح والفرق بين الغَرور والغُرور

﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [البقرة: 25]

وأن قومًا قد غرّهم بالله الغَرور [بالفتح أي الشيطان]، يقولون: نحن نحسن الظن بالله. لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.

الغَرور الذي هو بالفتحة إنه غرور الشيطان، والغُرور [بالضم] هو عملية التكبر والاغترار بالنفس هكذا. وأن قومًا قد غرّهم بالله الغَرور الذي هو الذي يغرّ، أداته الغرور، الذي هو الشيطان.

يقولون: نحن نحسن الظن بالله. لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.

﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [البقرة: 25]

سنجلس فيها في شرحها بعض الحلقات. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.