سورة البقرة | حـ 38 | آية 9 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث النص عن خطورة النفاق وأثره على القلب، حيث يخادع المنافقون الله والمؤمنين بإظهار الإيمان وإخفاء الكفر.
- •هؤلاء في الحقيقة لا يخدعون إلا أنفسهم لأن الله عليم بذات الصدور.
- •بني الإسلام على التبليغ ومنع الإكراه، لأن الإكراه يولد النفاق.
- •النفاق مرض في القلب إذا لم يعالج يزداد ويتفاقم حتى يستحكم.
- •القلب لا يخلو أبداً، فإما أن يمتلئ بالصحيح أو بالقبيح، وكلما ازداد أحدهما نقص الآخر.
- •للنفاق صورتان: نفاق اعتقادي وهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر، ونفاق عملي وهو التخلق بصفات المنافقين.
- •من علامات النفاق: الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، والفجور في الخصومة.
- •النفاق الاعتقادي أشد خطراً من النفاق العملي، وينبغي على المسلم أن يتخلص منهما معاً.
مقدمة الجلسة مع كتاب الله والتماس الهداية من القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات، عسى أن نطلب منه الهداية، كما وصف الله ربنا سبحانه كتابه بذلك فجعله هدى للمتقين.
معنى مخادعة المنافقين لله وللمؤمنين وحقيقة خداعهم لأنفسهم
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9]
يخادعون الله لأن الله عليم بذات الصدور، فعندما يقول أحدهم بلسانه آمنت بالله وهو لا يؤمن بالله في قلبه، وعندما يقول آمنت باليوم الآخر وهو لا يصدق أن هناك يومًا آخر ولا يعد له عدته.
وعندما يخادع فيتكلم في القول ولا يتكلم في العمل، والإيمان تصديق بالقلب وعمل بالأركان، فعندما لا يفعل ذلك فإنه يخادع الله وهو يقصد أن يخادع الله، والله لا يُخدع؛ فالله موجود ومطلع وعليم بذات الصدور سبحانه وتعالى.
المنافق يضحك على نفسه لأن الله يعلم ما في القلوب
فماذا يفعل هذا [المنافق]؟ هو يخدع نفسه ويضحك على نفسه. يقول لك: من يضحك على من؟ نعم، أنت تضحك على نفسك، لست تضحك علينا، أنت تضحك على نفسك؛ لأن الله سبحانه وتعالى يعلم ما في قلبك.
والذين آمنوا ما هو يخدع [إلا نفسه]، فماذا الذي يضطره إلى هذا [النفاق]؟ لأنه يريد مصالح مع الذين آمنوا فيبدأ النفاق. هذا [النفاق] لا يرضي الله ولا رسوله ولا المؤمنين أبدًا، لا نريد منافقين.
الإسلام بُني على التبليغ لا الإكراه لمنع ظهور النفاق
ومن هنا بُني الإسلام على التبليغ ومنع الله الإكراه؛ لأنك إذا أكرهته فسوف يقول لك: حسنًا أنا مؤمن معك، وهو غير مؤمن، فتكون قد أنشأت منافقًا، الذي نحاربه ونقول:
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
أي لهم أشد العذاب. ونرى خمس آيات للمؤمنين وآيتين للكافرين وثلاث عشرة آية للمنافقين. ونرى أن النفاق هذا ليس هو هؤلاء البشر [جميعًا]، بل ومن الناس بعض الناس، ولكن هو الذي يكون في هذه الطائفة يخادعون الله والذين آمنوا للمصالح.
الأدلة القرآنية على أن الإسلام يقوم على الدعوة لا الإكراه
ومن هنا قال [الله تعالى]:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
ومن هنا قال:
﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]
ومن هنا قال:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
ومن هنا قال:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
فواضح في دين الإسلام أنه ليس فيه إكراه؛ لأنه يقاوم المنافقين، والإكراه يولّد المنافقين. لا نريد أبدًا هذه الطائفة وننعى عليها.
صفات طائفة المنافقين الخبيثة وضعفها عن إظهار حقيقتها
هذه طائفة خبيثة أرادت أن تُظهر الإيمان وإن لم تكن قادرة نفسيًا على أن تُبطن [الإيمان بل] أن تُظهر الكفر الذي في باطنها، وذلك من أجل ضعفها وخوارها.
قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف»
ربنا يريدنا أقوياء لا يريدنا ضعفاء.
سبب عدم شعور المنافقين بخداعهم لأنفسهم هو الجهل بالله
﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 9]
عدم الشعور من أين يأتي؟ من الجهل؛ لأنهم ما قدروا الله حق قدره. لمّا لم يفهموا صفات الله، لم يفهموا من هو الله، ولذلك لمّا خدعوا أنفسهم لم يلتفتوا إلى ذلك ولم يشعروا بهذا الذي فعلوه في أنفسهم.
والسبب أن الله قد غاب عن قلوبهم، والله سبحانه وتعالى أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن نازعه سبحانه وتعالى في شيء تركه ولا يبالي، ومن تركه لا حول ولا قوة إلا بالله، ضاع.
الدعاء بعدم التخلي والتحذير من غياب الله عن القلوب
اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، ولا أقل من ذلك، أقل من طرفة عين؛ لأن الله لو تخلى عنك ضعت.
فغاب الله عن قلوبهم [قلوب المنافقين] فلم يشعروا بالحقائق البديهية الأولية.
القلب لا يخلو أبدًا إما يمتلئ بالصحيح أو بالقبيح
في قلوبهم مرضوا. القلب لا يخلو: إما يكون فيه القبيح، إذا أخرجت الصحيح احتلّ بالقبيح، إذا طردت القبيح امتلأ بالصحيح. القلب لا يخلو أبدًا.
ما من شيء اسمه قلب خالٍ. القلب الخالي لا يكون إلا في حالة واحدة فقط وهو المجنون الذي غاب عنه عقله تمامًا، فهذا أصبح القلب فارغًا لا في قبيح ولا صحيح، ولذلك هو خارج التكليف؛ ربنا لا يكلفه ولا يسأله يوم القيامة بل يكرمه كذلك من خلقه.
لكن قلبك كلما كان فيه قبيح فهو قبيح بقدر ما فيه من قبح والباقي صحيح، وكلما ازداد القبيح قلّ الصحيح، وكلما ازداد الصحيح قلّ القبيح.
مرض القلب يزداد بتركه كما يزداد المرض الجسدي بلا علاج
فهؤلاء الناس [المنافقون] سليمة صحيحة [أجسادهم]، قال: لا، هذا في قلوبهم مرض، داخل قلبه متمكن المرض.
والمرض هذا له مقدار، فعندما يمرض الإنسان يصبح المرض موجودًا في مكان معين، لكنه يزداد إذا لم تعالجه.
فماذا يحدث؟ يزداد حتى نصل في الأمراض إلى السرطان والعياذ بالله تعالى، يستمر في الازدياد هكذا ويزداد حتى يهلك الإنسان. لكن أي مرض هكذا كذلك إذا تركناه من غير علاج يتفاقم ويزداد.
زيادة مرض النفاق بسبب ترك العلاج والرجوع إلى الله
﴿فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: 10]
ولم يرضَ [المنافق] أن يعالج نفسه. فلو عالج نفسه ومن تاب تاب الله عليه، ولو أنه رجع إلى الله لوجده توابًا رحيمًا وغفورًا رحيمًا.
لكنه لم يرضَ وسار في غيّه ومضى في حالة تصبح مصيبة سوداء.
لماذا؟ في المرض أنك إن لم تعالج ازدادت سوءًا. هكذا خلق الكون، هكذا عندما يأتي الواحد منا يمرض يجب أن يسارع إلى العلاج.
وسائل علاج المرض متعددة والمهم المبادرة بالعلاج قبل التفاقم
هذا العلاج قد يكون بالغذاء، قد يكون بالدواء، قد يكون بالجراحة، قد يكون بالحجامة، قد يكون بالأعشاب، قد يكون بأي شيء، لكن المهم أن تعالج نفسك. قد يكون بالحمية أن تمتنع عن شيء، قد يكون بالراحة أن ترتاح وتنام، فإذا بالجسم يقاوم المقاومة التي خلقها الله.
والمهم كل ذلك مندرج تحت مقاومة المرض، يعني المرض ليس لازمًا أن تتخذ وسيلة معينة، أي وسيلة، والمهم في هذه الوسيلة أن تكون علاجًا. يجب أن تكون علاجًا.
فإن تركت المرض، سنة الله في كونه أن يزداد ويتفاقم حتى يصبح مزمنًا. يقول: أن لديّ مرضًا مزمنًا، يعني لا يريد أن يذهب، انتهى سيبقى هكذا. وإذا تركته ينتقل من عضو إلى عضو ويتداعى.
المنافقون تركوا علاج مرض النفاق فزادهم الله مرضًا
هم تركوه [المرض]، يبقى كلمة فزادهم الله مرضًا معناها ماذا؟ أنهم قد تركوا هذا المرض [مرض النفاق]، لم يحاولوا علاجه، لم يحاولوا يخرجوا من نفاقهم إلى الإيمان بعد التحذير والتنبيه والشرح والإيضاح، لم يحاولوا.
طيب ولم يحاولوا، لماذا؟ مسرور بالمرض الذي له [فيه من مصالح دنيوية]، مسرور. وهذا هو الذي يجعل المرض الذي هو النفاق يزداد.
صورتا النفاق الكبيرتان القلبية والظاهرية وشعب كل منهما
النفاق له صورتان كبيرتان: صورة قلبية وهو المنافق الحقيقي الذي يُظهر الإيمان ويُبطن الكفر، وصورة ظاهرية كان فيها تقليد الأصل.
يعني أن الكفر هذا مثل شجرة لها فروع، والإيمان هذا مثل شجرة لها فروع، والنفاق هذا مثل شجرة لها فروع. فمن فروع النفاق: إذا حدّث كذب، وإذا ائتُمن خان، وإذا خاصم فجر.
من شعب النفاق هكذا:
قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من كنّ فيه كان منافقًا»
وإن وُجدت مثل هذه الصفات فالنفاق الظاهر مصيبة ولكنه خفيف قليلًا، والنفاق الباطن أكثر في المصيبة، ولكن ينبغي على الإنسان أن يخرج من كليهما.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
