سورة الفاتحة | حـ 21 | آية 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة الفاتحة

سورة الفاتحة | حـ 21 | آية 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • الصراط المستقيم هو طريق الله المليء بالمفاتن والشهوات، والملتفت إليها لا يصل.
  • الهداية تعني السير في طريق الله دون الالتفات يميناً أو يساراً، وتخلية القلب مما سوى الله.
  • الاعتماد على أسباب الدنيا شرك، وتركها جهل نهت عنه الشريعة.
  • ينبغي جعل الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، فلا نفرح بالموجود ولا نحزن على المفقود.
  • الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله هو نهج الأنبياء، فالنبي خرج لأُحد وقد خالف بين درعين.
  • المطلوب هو التقوى مع القوة، فسيدنا عمر كان يشكو من عجز التقي وفجور القوي.
  • تحقيق الصراط المستقيم يتطلب إصلاح مناهج التعليم والإعلام والأسرة ورسالة المسجد.
  • "اهدنا" بالجمع تعني أننا نطلب الهداية معاً كأمة.
  • الوصول إلى الله يتطلب جعله مقصوداً في الطريق إليه دون الالتفات للشهوات.
  • الزمن عَرَض غير قار، فعلينا أداء واجب كل وقت في وقته وعدم التأجيل.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة في تدبر سورة الفاتحة ومعنى الصراط المستقيم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات مع الفاتحة، ومع قوله تعالى:

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]

والصراط هو الطريق، وطريق الله مليء باللافتات.

طريق الله مليء بالمفاتن والملتفت فيه لا يصل إلى مقصوده

الطريق إلى الله مليء بما يلفت الإنسان، مليء بالشهوات، مليء [بالملهيات]؛ مثلما تسير في الطريق فترى المحلات والمعروضات. فقال أهل الله وهم سائرون: والطريق إلى الله مليء بهذه المفاتن والشهوات، فالملتفت [عن الطريق] لا يصل [إلى الله].

المقصود بالهداية في طريق الله أن نسير في طريق الله سبحانه وتعالى وألا نلتفت يمينًا ولا يسارًا فيما يشغلنا عن الله.

تخلية القلب مما سوى الله والتوازن بين الدنيا والآخرة

لا بدّ علينا أن نخلي قلوبنا مما سوى الله. وهنا يقع كثير من الناس في ورطة، يقع كثير من الناس في حيرة:

أنترك الدنيا أو لا نترك الدنيا؟

ونحن نقول لهم: لا تتركوا الدنيا. قال: كيف لا أترك الدنيا ثم بعد ذلك تقول: إياك أن تُفتتن بالدنيا؟ يعني ما معنى هذا الكلام؟

دعاء الصالحين: اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا.

الاعتماد على أسباب الدنيا شرك وتركها جهل نهت عنه الشريعة

قضية مهمة لا بدّ أن تُحسم ولا بدّ أن تكون واضحة عند الناس: أن الاعتماد على أسباب الدنيا شرك، وأن ترك أسباب الدنيا جهل نهت عنه الشريعة الغراء.

كيف لا أعتمد عليها وكيف لا أتركها؟

القلب؛ قلبك لا يتعلق بها ولا يعتمد عليها ولا يتوكل عليها، إنما يتوكل على خالقها وهو الله، ولا يتركها أبدًا.

الأخذ بالأسباب سنة الأنبياء وموقف سيدنا عمر من العمل والكسب

فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج في أُحد خرج وقد خالف بين درعين، أخذ الأسباب. فلا بدّ علينا من الأخذ بالأسباب؛ فترك الأسباب ليس من سنة الأنبياء.

وسيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] يقول: إن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، ولكن بعد ما نسعى في الأرض ونمتلك الذهب والفضة من حِلِّه، من الطريق الحلال، وننفقها في الحلال، لا يتعلق قلبنا بها.

علامة عدم تعلق القلب بالدنيا ألا يفرح بالموجود ولا يحزن على المفقود

قال: طيب وكيف يتعلق قلبنا بها؟

قال: لا يفرح بالموجود ولا يحزن على المفقود. لا تفرح بالموجود؛ عندما تحصل عليه تقول: الحمد لله، هذا رزق من عند الله. وعندما يخرج منك ويذهب تقول: الحمد لله، الله أعطى والله أخذ والله عليه العوض.

انظر إلى الكلام، لا يوجد حزن فيه. الاستمرار في العمل؛ افتقدت شيئًا من الدنيا فعملت، كلما فشلت في شيء حاولت مرة أخرى ولا يهمك. إياك أن تيأس؛ فإن اليأس ليس من صفات المؤمنين.

المؤمن يحب الحياة لكنه يعلم حقيقتها ويستقيم على الصراط المستقيم

أيكون هذا [الإنسان المتوكل] إنسانًا محبًّا للحياة أم كارهًا لها؟

هذا إنسان محب للحياة، لكنه يعلم حقيقتها وأنها إلى زوال، ويعلم حقيقتها وأنها من عند الله، ويعلم حقيقتها وأن الله سبحانه وتعالى قد رسم فيها سعادة الدارين.

وعلى ذلك فيجب عليه أن يستقيم فيها على الصراط المستقيم:

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]

بأن لا يحزن على المفقود ولا يفرح بالموجود، ويجعل الدنيا في يده ولا يجعلها في قلبه، ولا يعتمد على الأسباب ولا يتركها.

التطرف بين الانغماس في الدنيا والانعزال عنها بدعوى التقوى

كثير من الناس يحتار في هذا [التوازن بين الدنيا والآخرة]، يريد أن يتطرف؛ إما أن يكون من أهل الدنيا فيفعل الحرام والحلال من أجل أن يحصلها، وإما أن ينعزل عنها بدعوى التقوى.

كثير من الناس هكذا، ولذلك كانت لسيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] عبارة وهو التقي القوي؛ سيدنا عمر كان تقيًّا وكان قويًّا.

شكوى سيدنا عمر من عجز التقي وفجور القوي وكيفية الجمع بينهما

يقول [سيدنا عمر رضي الله عنه]: اللهم إني أشكو إليك عجز التقي الذي يدخل في التقوى عاجز، غير راضٍ أن يخالط الحياة ولا راضٍ أن يقف فيها موقفًا جادًّا، وفُجر القوي؛ فعندما أذهب للبحث عن القوي أجده فاجرًا.

الإسلام أمرنا بغير ذلك، فكيف أكون قويًّا تقيًّا؟ بالتربية، بمناهج التعليم، بالإعلام والرأي العام، بالأسرة وبقائها واستقرارها، برسالة المسجد.

العودة إلى الصراط المستقيم بتحويل المؤسسات إلى عمل حضاري منتج

لا بدّ علينا أن نعود مرة أخرى إلى:

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]

أن نعود مرة أخرى إلى تحويل مناهج تعليمنا، إلى إعلامنا، إلى أسرتنا، إلى وظائف مؤسساتنا. لا بدّ علينا أن نحولها إلى عمل يعيش فيه المواطن الصالح وإنسان الحضارة الذي [يحقق] إرادة الله سبحانه وتعالى، الذي علمنا في الفاتحة أن نقول «اهدنا» بالجمع «الصراط المستقيم».

الصراط المستقيم لا يأتي بالأماني بل ببرامج العمل في كل مجال

فالصراط المستقيم لا يأتي بالأماني ولا بالاقتناع، ولا بأن نظل نقول هكذا هو «اهدنا الصراط المستقيم» ومعناها ومعناه، بل يأتي ببرامج العمل في كل مجال.

﴿وَقُلِ ٱعْمَلُوا فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]

هيا بنا نعم!

زيادة الإنتاج شرط الاستقامة ومن كان طعامه من فأسه كان رأيه من رأسه

لا بدّ من زيادة الإنتاج؛ اهدنا الصراط المستقيم. لا بدّ من الدخول في مرحلة الإنتاج الوفير.

إذا لم يكن أكلك وطعامك من فأسك فرأيك ليس من رأسك. هذا قالوه قديمًا: عندما يكون طعامك من فأسك يكون رأيك من رأسك، وعندما لا يكون، خلاص؛ يتلاعب بك الناس.

إذن «اهدنا» بالجمع، والصراط أي الطريق.

الملتفت في طريق الله لا يصل والله مقصود الكل في السير إليه

وطريق الله ملتفت فيه لا يصيب، ملتفت [عن الطريق] لا يصيب [المقصود]. مرتبطة بكلمة ثانية يقول [أهل الله]: الله مقصود الكل، يقولون هكذا: الله مقصود الكل.

يعني ينبغي عليك أن تجعل الله مقصودك في الطريق إليه، فأنت تمشي فيه هكذا، أنت لا ترى إلا الله.

تمشي لماذا؟ قال: لكي أمشي إلى الله.

التحذير من الالتفات إلى الشهوات في طريق الله والزمن لا ينتظر أحدًا

لا يصح إذا:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ﴾ [آل عمران: 14]

أن تلتفت يمينًا إلى الشهوة الفلانية وتلتفت شمالًا، تلتفت يمينًا وتقف عند المحل الفلاني، تدخله، تشتري وتبيع مثلًا. يعني في طريق الله لا، إذا فعلت ذلك فلن تصل إن شاء الله حتى يفنى عمرك.

والزمن ليس باقيًا، الزمن عَرَض غير قار.

غير قار ماذا يعني؟ أنه غير مستقر؟ إنه ليس شيئًا يُمسك كما أُمسك بالكتاب الكريم هكذا أبدًا، إنه عَرَض غير قار؛ تمضي الأمور.

الدنيا تجري ولن تنتظرك ولكل وقت واجبه الذي يجب أداؤه

فتنام وتستيقظ لتجد الساعة قد تغيرت، تأكل وتشرب لتجد الدنيا قد تبدلت؛ فبعدما كانت نهارًا أصبحت ليلًا، ومن الليل أصبحت نهارًا. الدنيا تجري ولن تنتظرك.

ولذلك قال أهل الله: لا بدّ عليك [من] القيام بواجب الوقت، وأن لكل وقت واجبه. كل وقت — العامة يقولون ماذا؟ — كل وقت وله أذان، كل وقت وله واجب.

لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد لأن الغد مشغول بعمله

فالواجب الخاص بي اليوم يجب أن أؤديه. لماذا؟ لأنني إذا وصلت إلى واجب الغد فسأقوم بعمله أيضًا.

كيف؟ لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد؛ لأن الغد فيه عمل هو الآخر مشغول به غدًا. هذا هو عَرْض غير قار، هو [الوقت] الثاني غدًا أما أننا منشغلون به.

فأنت ستؤجل عمل اليوم إلى الغد حسنًا، ولكن العمل الذي في الغد إلى أين ستؤجله؟ إذن لا يصح.

خلاصة معاني الهداية في الصراط المستقيم والوصايا الجامعة للمؤمنين

علينا أن نقف هنا ونقول: «اهدنا» هي هداية توفيق، وهداية دلالة وفهم، وهداية مكان. وأنها بالجمع وليست بالمفرد، وأنها نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في الطريق إليه.

وطريقه ملتفت فيه لا يصل، والله مقصود الكل، وأن يجب علينا ألا نعتمد على الأسباب وألا نتركها، وأن نجعل الدنيا في أيدينا ولا نجعلها في قلوبنا، وأن نراعي أوقاتنا وأزماننا، وأن نراعي أعمالنا، وأن الأمر ليس بكثرة العمل إنما بشيء قد وقر في القلب.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.